الأربعاء الأحمر.. بداية الخليقة ودب الحياة فيها

الأربعاء يوم فاضل، خلقه الملك فخر الدين من العشق والقلب، لم يعرف للراحة والغفلة معنى حينها، الأربعاء يوم بدون حساب، وهذا الجواب جاء من الملائكة، تفتح فيه أبواب الخير من الشروق إلى الغروب.

كادار إبراهيم/قامشلو

Çarşem rojeka fadile Melik Fexredîn afrandibû ji eşiq û dile Nasnedikir rihetî û xefiletê

Çarşem rojeke bi hesabe Ji ba wan meleka hatî ev cewabe

Derîyêt xêra divekirîn ji rojhelat heta rojava

هكذا يقال في ترانيم الديانة الإيزيدية  عن الأربعاء الأحمر”، ويكمل عنها بالدعاء لله والشكر للملك طاؤوس.

فكما أن لكل ديانة معتقدات وشعائر خاصة بها وتقاليد وعادات تميز الأديان عن بعضها إلا أنها في مضمونها جميعاً تدعوا إلى عبادة الله ووحدانيته وأنه خالق هذه الأرض.

كذلك الديانة الإيزيدية التي تؤمن بأن الله هو من دَبَّ الحياة في الأرض يوم الأربعاء، يوم بعث الخليقة لدى معتنقي الديانة الإيزيدية.

وبما أن الإيزيديين، وبعد أن فقدوا معظم تراثهم الديني نتيجة تعرضهم للغزوات المستمرة فإنهم يستمدون معلوماتهم الدينية من الأحاديث الدينية. فقد جاء في “حديث التكوين Aferîna dinyayê”

Xwedawendê me înê kir esase

Şemî boyê berê kirase

Çarşem boyê kir xilase

ربنا بدأ بخلق الكون يوم الجمعة

ويوم السبت بدأ بتفصيل الثوب “ترتيب كل شيء بنظام”

وانتهى من عمله يوم الأربعاء

ويعتبر يوم الأربعاء الأول من شهر نيسان بالتقويم الشرقي عيداً لدى الكرد الإيزيديين ويسمى “الأربعاء الأحمر” او رأس السنة الإيزيدية. العيد يصادف الربيع فصل انتشار ونمو الزهور والورود بكافة الألوان والأشكال وتكثر في الطبيعة الورود الحمراء وشقائق النعمان التي تكثر في الربيع (xecxecog)وبحسب علماء الدين الإيزيدي وكبار السن أن التسمية أتت من هنا.

ويقول البعض الآخر أن الشعب الكردي الإيزيدي قد هدر الكثير من الدماء على أرضه خلال إمبراطوراته المتتالية.

وتقول الميثولوجيا الإيزيدية بأن الكون كان عبارة عن ظلام وضباب، وكانت الأرض مغطاة بطبقة أو قشرة من الجليد، وقد أرسل الله “طاؤوس ملك” يوم الأربعاء إلى الأرض لكي يعمرها ويوجد الحياة فيها بأمر من الله على هيئة طائر الطاؤوس. ونزل لأول مرة في لالش – حج الإيزيديين ويوجد في منطقة شيخان بجنوب كردستان ولوجود طبقة من الجليد فإنه حط على شجرة هرر شجرة العزة الربانية وبقدرة الخالق فقد ذابت طبقة الجليد بفعل حرارة الشمس، وظهر وجه الأرض على حقيقته وازدادت الأرض بحلة من الزهور والورود وبألوان الأحمر والأصفر والأخضر. لهذا فقد اعتبر هذا اليوم بداية للربيع وأطلقوا عليه رأس السنة الايزيدية.

وبحسب علماء الدين فإنه “حتى العام 612 قبل الميلاد كان الكرد يحتفلون بهذا اليوم كعيد ديني فقط، ولكن وبعد أن ارتوت أرض كردستان في مثل هذا اليوم بدماء أبناء الشعب الكردي الذين حققوا الحرية على أعتى امبراطوريات تلك الحقبة، حيث أنه في مثل هذا اليوم حصلت هجمةً على إمبراطورية ميديا الكردية، ومنذ ذلك اليوم فقد أصبح هذا العيد عيداً قومياً ودينياً بنفس الوقت، حتى أن الشيخ” آدي بن مسافر الهكاري” الذي يعتبر المرجع الديني للإيزيديين وضريحه موجود في لالش، قبل بذلك حيث تقول إحدى السبقات الدينية:

Çarşema serî Nîsanê

ŞêxAdî , şêx Şims xweste dîwanê

Xwedê berê xwe dide Êzdîxanê

Ewe cejna Kurdistanê

الأربعاء بداية نيسان

طلب الشيخ آدي، من الشيخ شمس بالمثول بين يديه

فالله قد نظر بعين الرحمة إلى الإيزيديين

إنه عيد لكردستان”.

ومع قدوم العيد الذي يصادف الأربعاء الأول من شهر نيسان حسب التوقيت الشرقي يتحضر الشعب الكردي من الديانة الإيزيدية لعيد جارشمبا سور “الأربعاء الأحمر” أو رأس السنة  يوم بعث الخليقة بدءً من تكوين الأرض وما يحيا فيها من كائنات، حيث يعتبر هذا العيد من أحد الأعياد المباركة والفاضلة في الديانة الإيزيدية.

وتجري في هذا اليوم طقوس خاصة، حيث ينهض الإيزيديون باكراً، ويرتدون أفضل ما لديهم من ثياب، ويضحّون بأضحية كل حسب وضعه الاقتصادي “خروف، جدي، عجل وما شابه” ويُزينون مداخل بيوتهم بالورود وشقائق النعمان.

وفي الوقت الذي تكون النساء منهمكات في إعداد الطعام يقوم الشبان والشابات بتلوين اثني عشر بيضة مسلوقة، كل ثلاث بيضات بلون فصل من فصول السنة، ويضعونها ضمن طبق وسط البيت، والبيضة ترمز إلى كروية الأرض “الإيزيديون عرفوا كروية الأرض، قبل أن يرى العالم الإيطالي الشهير جاليلو النور بآلاف السنين”، وسلق البيض إشارة لتجمّد الأرض، وقشرة البيضة بعد سلقها ترمز إلى ذوبان طبقة الجليد عن وجه الأرض، وما تلوين البيضة إلا إشارة إلى ألوان الورود والأزهار التي تفتحت بقدوم طاووس ملك، أي الربيع، والربيع هو بداية الحياة.

ويزور الناس قبور موتاهم وتأخذ النسوة معهن بعض البيض والحلوى والفواكه ويتم توزيعها فيما بينهم وعلى الفقراء ويكون ذلك في يوم الثلاثاء.

وهناك تقاليد قديمة خاصة بهذا العيد منها الامتناع عن نبش التربة والحراثة في هذا الشهر، لأن المزروعات والزهور والورود ومعظم النباتات تتفتح في هذا الشهر، وأيضاً يتم تأجيل عقد الزيجات إلى حين انقضاء هذا الشهر ويعتقد أن القيام بعقد الزيجات والإتيان بعروس، سيجلب لأصحاب البيت الويلات، حيث أن المعتقدات تقول أن شهر نيسان هي عروس بحد ذاتها، حتى أنهم أطلقوا على نيسان اسم عروس السنة: nîsan  bûka sale; di ser xwere bûk nine

أي “نيسان عروس السنة،لا ترى عروس فوقها

إيزيديو روج آفا والأربعاء الأحمر

في روج آفا يتواجد الإيزيديون في مقاطعتي الجزيرة وعفرين حيث كانوا يقومون مع أبناء الشعب الكردي والسرياني في مناطق تواجدهم بإقامة حفلات فلكلورية، وكانت تقدم فيها أغاني ورقصات من الفلكلور الكردي وبرامج ثقافية ومسرحيات عن الديانة الإيزيديه.

الإيزيديون في روج آفا يمارسون كافة طقوس العيد باستثناء تلك التي تجري في لالش المركز الروحاني للايزييدين كونه بعيد عن أماكن تواجدهم.

ومع بدء ثورة 19 تموز في روج آفا التي جلبت معها الحقوق المسلوبة للأقليات التي كانت مهمشة في عهد النظام البعثي فقد تقرر في مقاطعات روج آفا اعتبار يوم الاحتفال بعيد الأربعاء الأحمر عطلة رسمية في كافة الدوائر الرسمية مع حفظ الحق لإقامة الاحتفالات وإحياء ثقافة العيد في المجتمع.

مع بدء هجمات جيش الاحتلال التركي على عفرين، استهدفت القرى الإيزيدية بشكل مباشر، مما تسبب باستشهاد عدد من الأهالي ووقوع العديد من الجرحى، ونتيجة للخوف من ارتكاب المجازر بحق الإيزيديين وإعادة تاريخ الفرمانات في عفرين مرة أخرى ، ترك إيزدييو عفرين قراهم وتوجهوا مع الآلاف من العفرينيين إلى مقاطعة الشهباء، ليقوم مرتزقة جيش الاحتلال التركي بتدمير المزارات الدينية وأقدمها "بارسه خاتون" في قرية قسطل جندو والذي كان مقصداً للأهالي لطلب تحقيق أمنتياتهم، وقد  نشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت مدى الوحشية التي يكنها المرتزقة للإيزيديين وجميع أبناء الشعب الكردي ونعتهم بألفاظ لا تمت بالأخلاق الإنسانية بشيء.

وفرضت عليهم اعتناق الإسلام وارتياد الجوامع غصباً.

ناهيك عن نهب جميع أملاك الإيزيديين تحت حجة أنها حلال عليهم متسترين بالشريعة الإسلامية التي ترفض ذلك في تعاليمها.

كما ودمر مرتزقة جيش الاحتلال التركي تمثال زردشت الذي وضع أمام مركز الجمعة الثقافية الإيزدية الممثل الوحيد للمجتمع الإيزيدي في عفرين وأحرقوا مركز الجمعية أيضاً.

شنكال والأربعاء الأحمر

وبعد الحروب والفرمانات التي تعرض لها الشعب الإيزيدي في شنكال بيد الإرهابيين من داعش وبعض أبناء المنطقة بحيث ارتكبت أبشع الجرائم بحقهم من قتل وتشريد واغتصاب وخطف إلا أن الشعب الإيزيدي اختار المقاومة والوقوف في وجه الإرهاب بمساعدة قوات الكريلا في جبال قنديل إلى أن تمكنوا من إعادة شنكال وكسر شوكة الإرهاب والآن الإيزيديون يمارسون كافة الطقوس الدينية في شنكال ولالش رغم أن داعش قد هدمت الآثار الدينية فيها.

سيحتفل الشعب الإيزيدي مع المسلم والسرياني في هذا العيد المبارك ولكن بطقوس مختلفة تختلف عن السنين الماضية حيث منعت الاحتفالات والرقصات و سيقتصر بتهاني العيد فقط .

(سـ)

ANHA


إقرأ أيضاً