أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء

تبدأ عائلة لبابيدي في دمشق، المؤلفة من ستة أفراد، رحلة البحث عن وسيلة تدفئة تستطيع تحمل تكلفتها، في ظل عدم توافر المازوت للتدفئة وارتفاع أسعار المشتقات النفطية والمدافئ، ما يدفعها إلى التخلي عن خيار التدفئة بالمازوت والكهرباء والاتجاه نحو الغاز مجبرة دون الوصول لنتيجة بعد، في مشهد يتكرر لدى آلاف الأسر السورية.

أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء
أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء
أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء
أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء
أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء
أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء
أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء
أزمة المازوت تدفع الأسر السورية إلى بدائل تدفئة مكلفة مع دخول الشتاء
الخميس 5 تشرين الثاني, 2026   07:50
دمشق

يقول عثمان لبابيدي، وهو رب أسرة لديه أربعة أطفال من دمشق، إن موسم التدفئة هذا العام هو الأصعب بالنسبة إليه، بسبب عدم توافر المازوت المخصص للتدفئة، وارتفاع أسعار المازوت العادي، إلى جانب الزيادة الكبيرة في أسعار المدافئ التي تعمل عليه.

ويوضح أنه يتجه نحو اختيار التدفئة بالغاز مضطراً وبحثاً عن التوفير رغم غلاء سعره أيضاُ، ولا سيما أن أبناءه من طلاب الشهادات ويحتاجون إلى مصدر تدفئة يساعدهم على الدراسة، مشيراً إلى أن أسطوانة الغاز الواصلة إلى المنزل يبلغ سعرها نحو 200 ألف ليرة سورية، ولا تكفي سوى عدة أيام من الاستخدام للتدفئة لكنه مجبر، فيما يحتاج إلى شراء أسطوانة فارغة يصل سعرها إلى نحو 800 ألف ليرة.

ويلفت لبابيدي إلى انتشار المدافئ التي تعمل على الغاز في الأسواق السورية، إلا أن أسعارها تشكل عبئاً إضافياً على الأسر، إذ يبدأ سعر المدفأة من مليون ليرة ويصل إلى 120 دولاراً أمريكياً، بحسب النوع والمواصفات.

ويضيف أن بعض الشركات طرحت مدافئ تعمل على الغاز والكهرباء معاً، لكن هذه الميزة لا تشكل حلاً بالنسبة إليه، لأن استخدام الكهرباء يرفع قيمة الفواتير بصورة لا يستطيع تحملها، فضلاً عن ساعات التقنين الطويلة وانقطاع التيار الكهربائي، ما يجعل الاعتماد عليها خياراً غير متاح عملياً.

ولا تقتصر صعوبات تأمين التدفئة على سكان المدن، إذ تتجه بعض الأسر في الأرياف والقرى إلى استخدام الحطب بديلاً عن المازوت والغاز، رغم ارتفاع أسعاره وتكاليف تأمينه.

ويبين المواطن سهيل سرور أن التدفئة بالحطب قد تكون متاحة في الريف والقرى، لكنها لا تصلح للاستخدام داخل المدن، بسبب الدخان الكثيف الناتج عن احتراقه وما يسببه من إزعاج للجيران، فضلاً عن عدم توافره بكميات كافية وارتفاع سعر الكيلوغرام الواحد منه إلى نحو 20 ألف ليرة سورية.

ويشير إلى أن أسعار مدافئ الحطب أيضاً ارتفعت، إذ تتراوح بين مليون ومئتي ألف ليرة و120 دولاراً أمريكياً، بحسب النوع، ما يجعل الانتقال إلى هذا الخيار مكلفاً أيضاً، ولا يتيح للأسر التخلص من أعباء التدفئة.

المازوت بين الغلاء ونقص التوافر

وتعكس إفادات المواطنين التي رصدها لوكالتنا ANHA في دمشق ومناطق سورية أخرى اتساع أزمة تأمين وسائل التدفئة، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً بارتفاع أسعار المازوت وحده، بل بنقص توافره في محطات الوقود، وتأخر وصول الطلبات، وغياب آلية واضحة وملموسة لتأمين احتياجات الأسر من المادة المدعومة.

وفي قراءة اقتصادية لهذه الأزمة، يقول الخبير الاقتصادي عماد منير إن مادة المازوت تتصدر واجهة هموم المواطن السوري المعيشية بصورة مزدوجة هذا العام، نتيجة ارتفاع أسعارها من جهة، وقلة المعروض منها من جهة أخرى.

ويرى منير أن توجه الحكومة إلى رفع أسعار المشتقات النفطية بهدف تحقيق إيرادات إضافية سلوك غير مبرر، ما دامت القدرة المالية للمواطنين لا تتحمل أعباء معيشية جديدة.

ويوضح أن تكلفة التدفئة خلال الشتاء تختلف بين المناطق والمدن السورية، تبعاً لطبيعة المناخ ودرجات الحرارة، ولا سيما بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية والمرتفعات الباردة.

ويضرب مثالاً على ذلك بمنطقة القلمون في ريف دمشق، حيث تحتاج الأسرة الواحدة إلى نحو خمسة براميل من المازوت خلال فصل الشتاء، بتكلفة تتجاوز 18 مليون ليرة سورية.

ويتساءل من أين ستؤمن الأسر هذه الكميات، في ظل أن متوسط دخل الفرد في سوريا خلال عام 2026 يتراوح بين 112 و115 دولاراً شهرياً، مشيراً إلى أن شراء 100 ليتر من المازوت فقط يعادل نحو 90 في المئة من متوسط دخل الفرد.

ويشير منير إلى أن سعر المازوت ارتفع خلال شهر أيلول الماضي بأكثر من 40 في المئة، ورغم طرح ثلاثة أسعار مختلفة للمادة، فإن تكاليفها لا تزال مرتفعة وتتجاوز قدرة غالبية السوريين على الشراء.

ويلفت إلى أن الحكومة لم تلتزم بوعودها المتعلقة بتوفير المازوت البديل، وأن الازدحام لا يزال كبيراً أمام محطات المحروقات، بالتزامن مع انتشار المتاجرة بالمادة في السوق السوداء، ووجود عمليات غش وتلاعب غير مضبوطة.

ويقول إن ما يثير القلق هو عدم تمكن الأسر من تأمين وسائل التدفئة مع دخول الشتاء، رغم الوعود الحكومية المتكررة بتوفير المشتقات النفطية خلال الفترة القريبة.

ويحذر من أن نقص المازوت في بلد زراعي وبارد شتاء مثل سوريا لا يقتصر تأثيره على الجانب المعيشي، بل يمتد إلى القطاعات الاقتصادية والخدمية، ويهدد قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية خلال الأشهر الباردة.

مازوت مدعوم لم يصل إلى الأسر

وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت في 17 أيلول الماضي اعتماد ثلاثة أنواع من المازوت بأسعار مختلفة بحسب طبيعة الاستخدام، وحددت سعر الليتر من المازوت المخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة بـ 115 ليرة سورية جديدة، فيما حددت سعر النوع المخصص للاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة بـ 150 ليرة، وأبقت سعر المازوت ذي المواصفات القياسية عند 175 ليرة لليتر.

غير أن الإعلان عن الأسعار لم يترافق، حتى تاريخ اعداد الخبر بشأن آلية التوزيع، مع تحديد واضح لموعد وصول المازوت المخصص للدفئة بسعر اقل من الفئات الاخرى إلى الأسر والكميات المخصصة لكل عائلة ومعايير الاستحقاق والمحطات التي ستتولى بيعه.

وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قد أكدت في تصريحات صحفية، بتاريخ 28 أيلول، أن آلية توزيع المازوت المخصص للتدفئة ومعايير تحديد المستحقين لا تزال قيد الإعداد، رغم إعلان وزارة الطاقة أن التوزيع سيبدأ في الأول من تشرين الأول.

وبذلك بقيت الأسر أمام أسعار السوق، في وقت تتزايد فيه حاجتها إلى تأمين الوقود قبل اشتداد موجات البرد.

شحنة أرامكو.. هل تكفي لتلبية الاحتياجات؟

وفي إطار ما وصفته الحكومة مساعي تأمين المشتقات النفطية، وصلت إلى مصب بانياس النفطي في 19 تشرين الأول أول شحنة ديزل من شركة أرامكو السعودية، على متن الناقلة "ستارلنغ" (Starling) التي ترفع علم سنغافورة، بحمولة بلغت نحو 63,780 طناً مترياً، أي ما يعادل قرابة 450 ألف برميل.

وجاءت الشحنة بموجب اتفاق بين الشركة السورية للبترول وشركة أرامكو للتجارة، بهدف تعزيز التوريدات النفطية وتلبية احتياجات السوق المحلية.

وكان مدير إدارة التجارة والتسويق في الشركة السورية للبترول جلال جراد قد أوضح، في تصريحات لمنصة الطاقة المتخصصة، أن التوقعات الأولية للاتفاق تتضمن توريد نحو خمس شحنات وقود شهرياً، موزعة بين ثلاث شحنات ديزل وشحنتين من البنزين، بكميات إجمالية تتراوح بين 1.5 مليون ومليوني برميل شهرياً.

إلا أن الخبير الاقتصادي عماد منير يرى أن شحنة أرامكو، البالغة 63,780 طناً، لا تكفي لتغطية احتياجات السوريين، موضحاً أنها تعادل تقريباً استهلاك عشرة أيام من المازوت داخل سوريا، وفق معدل الاستهلاك اليومي البالغ 7.72 ملايين ليتر، أو نحو 6,500 طن يومياً، وقد تقل هذه المدة إذا خُصصت الكميات لمناطق محددة.

ودعا منير إلى السماح للقطاع الخاص بتوريد المشتقات النفطية، بما يسهم في زيادة المعروض وتوفير خيارات بأسعار أقل ومواصفات أفضل.

وتشير بيانات نشرتها السورية للبترول حاجة السوق المحلية اليومية من المازوت تبلغ نحو 7.72 ملايين ليتر، منها 3.09 ملايين ليتر من الإنتاج المحلي و4.63 ملايين ليتر من الاستيراد، أي إن نحو 60 في المئة من الإمدادات يعتمد على التوريد الخارجي.

ارتفاع أسعار الحطب يضيّق البدائل

ولا يبدو أن الاتجاه إلى الحطب يشكل مخرجاً أقل تكلفة للأسر، إذ إن أسعار المدافئ والبواري ارتفعت نتيجة احتكار التجار للحديد الخام وزيادة تكاليف الإنتاج، وفق ما تؤكده الاسر السورية، مشيرين إلى ارتفاع سعر البوري من 100 إلى 134 ليرة سورية جديدة.

ووصل خلال نهاية تشرين الأول الفائت، سعر طن الحطب الذي كان يباع بنحو 19 ألف ليرة العام الماضي، أصبح أرخص أنواعه يباع اليوم بـ 42 ألفاً و600 ليرة، رغم أن بعضه حطب أخضر غير جاف ولا يشتعل بصورة جيدة.

ويعيد تجار الحطب ارتفاع الأسعار إلى رسوم ترخيص مراكز الحطب من 355 ليرة إلى 28 ألفاً و400 ليرة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المازوت والبنزين وأجور نقل الحطب، التي تبلغ 7100 ليرة للسيارة الواحدة.

شتاء بين ارتفاع التكاليف ونقص الخيارات

ومع دخول فصل الشتاء، تتقاطع معاناة الأسر السورية بين ارتفاع أسعار المحروقات، وصعوبة الحصول عليها، وغلاء بدائل التدفئة، في وقت تتنافس فيه نفقات التدفئة مع احتياجات الغذاء والتعليم والطبابة وغيرها من المصاريف اليومية.

وبينما تتحدث الجهات الحكومية عن توريدات جديدة وإجراءات لمعالجة اختناقات النقل والتوزيع، لا تزال الأسر، ومنها عائلة عثمان لبابيدي، تواجه معضلة تأمين مصدر للتدفئة لا يستنزف دخلها المحدود، وسط مخاوف من أن يتحول فصل الشتاء إلى عبء معيشي إضافي على ملايين السوريين.

(أم)

ANHA