تحولات الجنوب السوري ترسم خريطة النفوذ وتعيد تشكيل المشهد العسكري

رسمت التحولات العسكرية والأمنية منذ عام 2011 خريطة النفوذ الراهنة في الجنوب السوري، ما يجعل فهم التحركات الحالية، من التوسع الإسرائيلي إلى إعادة تشكيل القوى المحلية وظهور جماعات عسكرية مختلفة تعلن مواجهتها، مرهوناً بقراءة مسار المنطقة من تعدد الفصائل والتنظيمات المسلحة، مروراً بتسويات 2018، وصولاً إلى سقوط النظام عام 2024 وتداعياته.

تحولات الجنوب السوري ترسم خريطة النفوذ وتعيد تشكيل المشهد العسكري
الخميس 5 تشرين الثاني, 2026   03:34
مركز الأخبار

على مدار سنوات الثورة السورية، تعاقبت على محافظات درعا والقنيطرة والسويداء تشكيلات عسكرية مختلفة، وتداخلت مناطق نفوذها وارتباطاتها المحلية والإقليمية، فيما لم تنجح التحولات السياسية والعسكرية المتعاقبة في إنهاء تعدد مراكز القوة، وهو ما جعل المنطقة تدخل المرحلة الحالية أمام واقع أمني معقد، فمن القوات المسيطر والمنتشرة في الجنوب، وخلفياتها؟

2011 – 2014: تشكل الفصائل المسلحة وانتشار جبهة النصرة

مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، بدأت مجموعات محلية في درعا، التي شهدت انطلاق الاحتجاجات، تتحول تدريجياً إلى تشكيلات عسكرية، مع تصاعد هجمات النظام البعثي، واتساع رقعة الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية.

وخلال عامي 2012 و2013، توسعت الفصائل المسلحة في درعا والقنيطرة، وظهرت تشكيلات باسم الجيش الحر، ضمت مجموعات محلية متعددة، قبل أن تتجه لاحقاً إلى تشكيل أطر عسكرية أوسع لتنسيق العمليات وإدارة مناطق النفوذ.

وبالتوازي مع ذلك، بدأ انتشار "جبهة النصرة" في أجزاء من درعا والقنيطرة خلال السنوات الأولى للصراع، لتصبح طرفاً مسلحاً إضافياً في المنطقة، وتتداخل مناطق وجودها مع مناطق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، في ظل استمرار المواجهات وتراجع سيطرة قوات النظام السابق على مناطق واسعة.

وخلال عام 2014، استمر تعدد الفصائل والمرجعيات العسكرية في الجنوب، بالتزامن مع اتساع نفوذ المعارضة المسلحة في أجزاء من درعا والقنيطرة، ودخول المنطقة مرحلة جديدة من التنافس بين التشكيلات المحلية والتنظيمات ذات توجهات مختلفة.

2015 – آب 2018: تمدد داعش وسيطرة جيش خالد بن الوليد على حوض اليرموك

بين عامي 2015 و2018، شهد الجنوب السوري تمدداً لمرتزقة داعش عبر مجموعات محلية بايعته، كان أبرزها "جيش خالد بن الوليد"، الذي تشكل عام 2016، وسيطر على أجزاء من حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، ليصبح جسماً عسكرياً مستقلاً عن بقية الفصائل المنتشرة في المنطقة.

وأدى ظهور هذا التشكيل إلى إضافة طرف مسلح جديد إلى خريطة النفوذ في الجنوب، حيث تداخلت مناطق سيطرته مع مناطق وجود فصائل المعارضة، وشهدت المنطقة مواجهات عسكرية متكررة بين الأطراف المختلفة (الجيش الحر وجبهة النصرة وداعش).

واستمر وجود "جيش خالد بن الوليد" المبايع لداعش حتى صيف 2018، عندما شنت قوات النظام السابق، بدعم روسي، حملة عسكرية في الجنوب، انتهت في آب 2018 بإنهاء سيطرته على مناطق حوض اليرموك، لتدخل درعا والقنيطرة مرحلة جديدة من إعادة ترتيب القوى المسلحة.

صيف 2018 – كانون الأول 2024: التسويات الروسية وإعادة تشكيل الفصائل

عقب الحملة العسكرية التي شهدها الجنوب في صيف 2018، رعت روسيا اتفاقات تسوية في درعا والقنيطرة، هدفت إلى إنهاء المواجهات وإعادة المناطق إلى سيطرة النظام السابق، مقابل تسوية أوضاع عدد من المقاتلين وتسليم أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

إلا أن هذه الاتفاقات لم تؤدِّ إلى اختفاء الفصائل السابقة بصورة كاملة، بل أعادت مجموعات منها تشكيل نفسها ضمن أطر محلية جديدة بمسميات جديدة، واحتفظت بقدرات عسكرية ونفوذ ميداني في مناطق مختلفة.

وبرز خلال النصف الثاني من عام 2018 "اللواء الثامن" بقيادة أحمد العودة، الذي أُلحق بالفيلق الخامس المدعوم روسياً، إلى جانب اللجان المركزية ومجموعات أخرى ارتبط بعضها بالفرقة الرابعة والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق.

وخلال الفترة الممتدة من 2019 وحتى 2024، استمر تعدد المرجعيات الأمنية والعسكرية في درعا، حيث توزعت مناطق النفوذ بين مجموعات محلية وتشكيلات مرتبطة بروسيا وأجهزة النظام السابق، وشهدت المحافظة عمليات اغتيال واشتباكات وتوترات أمنية متكررة، ولا سيما في ريف درعا الغربي وحوض اليرموك.

وفي المقابل، بقيت القنيطرة خاضعة لتأثير الوجود الإسرائيلي في الجولان المحتل، إلى جانب انتشار قوات النظام السابق في المناطق الأخرى، فيما احتفظت السويداء بخصوصيتها الأمنية والاجتماعية، مع استمرار وجود مجموعات محلية مسلحة.

8 – 10 كانون الأول 2024: سقوط النظام وتشكيل غرفة عمليات الجنوب

مع انهيار النظام السابق في 8 كانون الأول 2024، دخل الجنوب السوري مرحلة عسكرية جديدة، إذ تشكلت غرفة عمليات الجنوب من فصائل درعا والقنيطرة والسويداء، وأسهمت في السيطرة على المواقع العسكرية والأمنية التابعة للنظام السابق والتقدم نحو دمشق، لمساندة "هيئة تحرير الشام" التي أعلنت عن حل نفسها مؤخراً بعد الوصول للسلطة.

وأدى سقوط النظام إلى تفكك البنية العسكرية والأمنية التي كانت قائمة، وفتح المجال أمام إعادة ترتيب القوى المسلحة ومناطق النفوذ، ودفع صوب المنطقة فصائل من "هيئة تحرير الشام" آنذاك، بالتزامن مع تقدم القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة ومناطق من القنيطرة وريف درعا، وإقامة مواقع ونقاط عسكرية جديدة.

وخلال الأيام التي أعقبت سقوط النظام في كانون الأول 2024، بدأت إسرائيل توسيع انتشارها العسكري خارج المواقع التي كانت تتمركز فيها، وتقدمت قواتها إلى مواقع استراتيجية في المنطقة العازلة ومحيط جبل الشيخ، وهو ما شكل تحولاً أساسياً في المشهد الأمني للجنوب.

كانون الأول 2024 – 2025: انتشار إسرائيلي جديد ومحاولات دمج الفصائل

وبدأت وزارة الدفاع في شباط 2025 تشكيل "فرقة الجنوب"، التي أُعيدت تسميتها بالفرقة الأربعين في 11 آذار من العام نفسه، بقيادة العقيد بنيان أحمد الحريري، أحد المتزعمين السابقين في حركة أحرار الشام.

ولم تتشكل الفرقة من قوة عسكرية واحدة، بل ضمت عناصر من فصائل المعارضة السابقة في درعا والقنيطرة، ومجموعات مرتبطة باللجان المركزية التي ظهرت عقب اتفاقات التسوية الروسية عام 2018، إلى جانب عناصر ذات خلفيات من أحرار الشام وفيلق الشام، ومجموعات مرتبطة بـ "هيئة تحرير الشام" ومتطوعين جدد من أبناء المحافظة ومجموعات عشائرية.

وكانت اللجان المركزية، ولا سيما في ريف درعا الغربي، وكذلك مجموعات من "هيئة تحرير الشام" قبل حلها، من أبرز المكونات التي دخلت في مفاوضات الاندماج، إذ جرى بحث إدراج مجموعاتها تحت لواء واحد بإشراف العقيد المنشق براء النابلسي والمساعد أول المنشق أحمد القاسم.

كما جرت مفاوضات منفصلة مع اللواء الثامن بقيادة أحمد العودة، الذي أعلن حل نفسه في 13 نيسان 2025 ونقل موارده البشرية والعسكرية إلى وزارة الدفاع، دون أن تتوافر معلومات مؤكدة تثبت انتقال جميع عناصره إلى الفرقة الأربعين كوحدة متماسكة.

وتضمنت التصورات الأولية للفرقة أربعة ألوية موزعة جغرافياً على درعا وريفها الشرقي والغربي والقنيطرة، إضافة إلى تشكيل مرتبط بالاحتياط والسويداء، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن بنية ضمت ثلاثة ألوية وسبع كتائب ونحو أربعين سرية.

غير أن عملية الدمج لم تُنهِ بصورة فورية نفوذ المجموعات المحلية أو شبكاتها العسكرية والاجتماعية، إذ استمرت الخلافات حول الرتب القيادية وتوزيع المسؤوليات ومستقبل العناصر، كما ظلت بعض المناطق تحتفظ بخصوصيتها الأمنية والمحلية.

وفي السويداء، استمرت القوى المحلية الدرزية في الاحتفاظ بنفوذها العسكري والأمني خلال عام 2025، وبقيت مناطق واسعة من المحافظة خارج السيطرة الفعلية للحكومة الانتقالية، مع بروز "الحرس الوطني" المرتبط بالشيخ حكمت الهجري بوصفه المرجعية العسكرية الوحيدة للدروز، إلى جانب هيئات محلية تتولى إدارة الشؤون الأمنية والإدارية.

أما في القنيطرة، فتداخل الحضور الإداري والأمني للحكومة الانتقالية مع المواقع التي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية عقب سقوط النظام، فضلاً عن استمرار واقع الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.

وبذلك، انتقل الجنوب خلال عام 2025 من واقع السيطرة العسكرية والأمنية الذي كان قائماً في عهد النظام السابق إلى واقع تتداخل فيه المؤسسات الحكومية مع التشكيلات المحلية والقوات الإسرائيلية المنتشرة في مواقع جديدة.

أيلول 2025: خريطة الطريق السورية الأردنية الأمريكية بشأن السويداء

في أيلول 2025، اتفقت سوريا والأردن والولايات المتحدة على خريطة طريق لمعالجة تداعيات الأحداث في السويداء التي جرت خلال تموز من العام نفسه، بهدف ما وصفوه دعم الاستقرار ومعالجة تداعيات الأحداث التي شهدتها المحافظة، وتعزيز المسار السياسي والأمني، ومنع انتقال الفوضى والسلاح وشبكات التهريب إلى الأراضي الأردنية.

وجاء هذا المسار في ظل استمرار الخلافات بين دمشق والحرس الوطني الدرزي في السويداء، وتباين المواقف الإقليمية بشأن مستقبل المحافظة وطبيعة إدارتها الأمنية والسياسية.

شباط – تموز 2026: ظهور تشكيلات تعلن مواجهة الوجود الإسرائيلي

مؤخراً، ظهرت تشكيلات مسلحة تحت مسميات مختلفة، أعلنت تبني عمليات ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وقدمت نفسها بوصفها "قوى مقاومة للوجود العسكري الإسرائيلي".

وفي شباط 2026، أُعلن عن تأسيس "حركة ردع الاحتلال"، عبر مشاهدة مصورة نُشرت على مواقع التواصل الافتراضي، قالت إنها تهدف إلى مواجهة الوجود العسكري الإسرائيلي والعمل على إخراج القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها عقب سقوط النظام السابق.

وفي تموز 2026، أُعلن عن افتتاح فرع للحركة في درعا، في خطوة عكست انتقال نشاطها المعلن إلى المحافظة، بالتزامن مع استمرار التوترات الأمنية والتوغلات الإسرائيلية في مناطق من القنيطرة وريف درعا.

كما ظهرت "جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا – أولي البأس" عقب سقوط النظام السابق، وأعلنت تبني عمليات في القنيطرة ودرعا، دون توفر معلومات أوفى عن حجم انتشارها وقدراتها العسكرية أو طبيعة ارتباطاتها التنظيمية.

وفي آب 2026، أعلنت جبهة "أولي البأس" تبني استهداف موقع عسكري إسرائيلي في منطقة حوض اليرموك، إلا أن طبيعة العملية والخسائر التي خلفتها لم تُعلن بشكل رسمي.

وفي السياق ذاته، صنف تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى "أولي البأس" ضمن التشكيلات المرتبطة بإيران على مستوى الدعاية والعمل شبه العسكري، بينما لا تتوفر أدلة كافية لحسم طبيعة تبعيتها أو حجم الدعم الذي تتلقاه.

خلايا داعش تطل في الجنوب السوري وسط عمليات أمنية لملاحقتها

ولم يغب نشاط خلايا مرتزقة داعش عن المشهد الأمني في الجنوب السوري خلال عام 2026، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية، في 9 تموز، تفكيك عدة خلايا في المنطقة الجنوبية واعتقال القيادي فراس الداغر، الذي قالت إنه تولى مواقع قيادية في التنظيم.

وفي 9 آب، أعلنت الوزارة اعتقال خلية مؤلفة من تسعة أشخاص في خان أرنبة بريف القنيطرة، بينهم متزعمها مصعب خليل الشيخ، الملقب بـ "الصيني"، وقالت إن أفرادها تولوا جمع الأسلحة ونقل العبوات الناسفة ومستلزماتها.

وفي 17 أيلول، اندلعت اشتباكات في مدينة الصنمين بريف درعا خلال عملية أمنية استهدفت مجموعة قالت السلطات إنها تتبع لداعش، وأسفرت عن مقتل ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي وإصابة آخرين، فيما أعلنت السلطات في اليوم التالي ضبط أسلحة وذخائر وعبوات ومعدات لتصنيع المتفجرات، وأُلقي القبض في 19 أيلول على وليد الفلاح، أحد متزعمي المجموعة.

وفي 29 أيلول، أكد وزير الداخلية أنس خطاب استمرار العمليات ضد خلايا التنظيم في درعا، واصفاً إياها بأنها مجموعات قديمة وناشطة في المنطقة.

ومؤخراً، في 1 تشرين الثاني، أفادت مصادر محلية برصد تحركات مشتبه بارتباطها بالتنظيم في قرى بارك والجنينة وتيما وعراجة، شمال شرقي السويداء، ما دفع إلى رفع حالة الاستنفار الأمني.

آب – تشرين الأول 2026: تصاعد العمليات الإسرائيلية والاعتقالات

رُصد تنفيذ القوات الإسرائيلية 2176 عملية برية خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني وحتى تشرين الأول الفائت، مقارنة بـ1149 عملية خلال عام 2025 بأكمله، فيما سجل تشرين الأول الفائت وحده 182 عملية، شملت الدوريات والمداهمات والاعتقالات ونصب الحواجز وإقامة مواقع عسكرية.

وفي 29 أيلول 2026، أصدرت جبهة "أولي البأس" بياناً تناول العملية الأمنية التي أعلنت وزارة الداخلية تنفيذها في حوض اليرموك بريف درعا الغربي، والتي قالت خلالها إنها أوقفت ثلاثة أشخاص واتهمتهم بالارتباط بحزب الله والتخطيط لتنفيذ هجمات باستخدام منصات إطلاق صواريخ.

وذكرت الجبهة أن العملية تستهدف عناصرها ومؤيديها في الجنوب، دون أن تعلن بصورة مباشرة أن الموقوفين الثلاثة ينتمون إليها، فيما نفى حزب الله اللبناني أي صلة له بالخلية أو وجود نشاط أمني وعسكري له داخل الأراضي السورية.

ولا تقتصر التحركات الإسرائيلية خلال هذه الفترة على التوغلات المؤقتة، بل تترافق مع أعمال هندسية وتحصينات وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية والمراقبة، ومن أبرزها مشروع "خط سوفا 53" الذي يرتبط بشق الطرق وإزالة الغطاء النباتي وإقامة نقاط مراقبة وتحصينات قرب خط فض الاشتباك.

وتبرر إسرائيل استمرار وجودها العسكري في الجنوب السوري، بما تصفه بالاعتبارات الأمنية ومنع تشكل تهديدات على حدودها، إذ أكد وزير دفاعها يسرائيل كاتس، خلال آب وأيلول 2026، أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من جبل الشيخ والمنطقة العازلة ما دامت هناك، وفق وصفه "تهديدات جهادية"، معتبراً أن وجودها يهدف إلى حماية البلدات والحدود الإسرائيلية.

في المقابل، تؤكد دمشق أن التوغلات والتحركات الإسرائيلية تمثل انتهاكاً للسيادة السورية واتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وطالبت بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، محذرة من أن استمرار هذه التحركات يهدد أمن السكان واستقرار المنطقة.

تشرين الأول 2026: الغارات الأردنية على الجنوب السوري

وشنّت الطائرات الحربية الأردنية، مساء الاثنين 26 تشرين الأول العام الجاري، غارات جوية على مواقع في محافظتي درعا والسويداء جنوبي سوريا، ضمن عملية أطلقت عليها اسم "الردع الأردني – حمود".

وقالت إنها استهدفت مخابئ ومواقع لـ "تنظيمات إرهابية"، على صلة بالهجوم الذي استهدف كنيسة حمود في محافظة الكرك الأردنية يوم الجمعة السابق، مؤكدة مقتل وإصابة عدد من المسلحين وتدمير معداتهم، وأن العملية نُفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية.

في المقابل، أعلنت الحكومة الانتقالية السورية، في بيان نقلته "سانا" في 27 تشرين الأول، أن الغارات نُفذت من دون تنسيق أو إخطار مسبق للجانب السوري، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، مؤكدة فتح تحقيق والتواصل مع عمّان لمتابعة تداعيات القصف.

وبحسب بيانات الإعلامية للجانبين، طالت الغارات مناطق في ريفي درعا والسويداء، بينها اللجاة والشيّاح والمزيريب وناصيب في درعا، والشهباء وتل دلفا والتف وسطح زحانين في السويداء.

وفي 28 تشرين الأول، بحث وزيرا خارجية البلدين تداعيات الغارات، وقال أيمن الصفدي إن العملية استندت إلى معلومات استخبارية ميدانية واستهدفت إحباط تهديدات وهجمات وشيكة، معرباً عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين، واتفق الجانبان على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في تفاصيل العمليات وتداعياتها ووضع آليات للتنسيق الميداني والاستخباري.

الجنوب السوري اليوم: تعدد القوى وتباين الحسابات الإقليمية

حتى 3 تشرين الثاني 2026، لا تزال خريطة النفوذ في الجنوب السوري موزعة بين أطراف متعددة، تختلف طبيعة حضورها وأهدافها من محافظة إلى أخرى.

ففي درعا، تتمتع الحكومة الانتقالية السورية بحضور إداري وأمني، إلا أن وجود مجموعات مسلحة وتشكيلات عسكرية محلية مختلفة وشبكات عشائرية يحد من تأكيد سيطرة أي طرف على حساب الآخر، ولا سيما في مناطق حوض اليرموك وريف درعا الغربي، حيث لا تزال آثار مرحلة الفصائل والتسويات السابقة وخلايا داعش وتشكيلات عسكرية مناهضة لإسرائيل حاضرة في البنية الأمنية والاجتماعية.

وفي القنيطرة، تتداخل مناطق الجولان المحتل والمواقع التي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية عقب سقوط النظام السابق مع مناطق أخرى يوجد فيها حضور إداري وأمني للحكومة الانتقالية، الأمر الذي يجعل المحافظة ساحة مباشرة للتحركات الإسرائيلية والتوترات المرتبطة بها.

أما في السويداء، فلا تزال معظم المحافظة خارج السيطرة الفعلية للحكومة الانتقالية، حيث تتولى القوات العسكرية والأمنية والإدارية المحلية الدرزية إدارة مناطق واسعة، وفي مقدمتها تشكيلات "الحرس الوطني" المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري.

وعلى المستوى الإقليمي، تتعامل إسرائيل مع التحولات الأمنية في الجنوب من زاوية تقول عنها "منع تشكل أي قوة مسلحة" تعدّها تهديداً لحدودها، وتستخدم توصيفات مثل "الجماعات الجهادية" و "التهديدات المسلحة" لتبرير استمرار وجودها العسكري، إلى جانب حديثها عن حماية السكان الدروز.

أما الأردن، فيركز على ما يصفه "منع انتقال الفوضى والسلاح وشبكات التهريب" إلى أراضيه، ويدعم مساراً سياسياً يهدف إلى تعزيز الاستقرار في الجنوب السوري، في إطار خريطة الطريق التي اتفق عليها مع سوريا والولايات المتحدة في أيلول 2025 لمعالجة التوترات في السويداء.

وتكشف هذه التطورات أن التوترات الحالية في الجنوب السوري لا ترتبط بمرحلة ما بعد سقوط النظام وحدها، بل هي امتداد لتحولات عسكرية بدأت عام 2011، وتراكمت عبر مراحل تعدد الفصائل وانتشار التنظيمات الجهادية والتسويات وإعادة تشكيل المجموعات المحلية، قبل أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة من التوتر مع التوسع العسكري الإسرائيلي وظهور جماعات مسلحة تعلن مواجهته.

وبين استمرار التوغلات الإسرائيلية وتعدد القوى المحلية وعدم اكتمال دمج الفصائل السابقة ضمن مؤسسات الدولة، فضلاً عن الخلافات السياسية والأمنية بين دمشق وبعض الأطراف المحلية والتباين الإقليمي بشأن مستقبل المنطقة، يواجه الجنوب السوري تحدياً يتمثل في الانتقال من واقع تعدد مراكز النفوذ إلى واقع موحد يضمن الاستقرار ويحمي السكان.

(أم)

ANHA