الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 3

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، برز خلالها الكرد طرفاً فاعلاً في المشهد السوري، وصولاً إلى نشوء تجربة الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، ثم مرحلة التفاوض مع دمشق بعد سقوط النظام عام 2024، وعملية الاندماج لتنتقل القضية الكردية إلى المسار السياسي والدستوري.

الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 3
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 3
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 3
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 3
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 3
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 3
الأربعاء 2 يلول, 2026   02:30
قامشلو
برفين روج

الكرد في سوريا.. من الثورة إلى الشراكة في بناء الدولة

عندما بدأت الثورة السورية في ربيع عام 2011، كان المجتمع الكردي قد راكم خلال عقود جملة من القضايا المرتبطة بالمواطنة والهوية واللغة والجنسية والملكية والحريات السياسية.

ولذلك جاءت الثورة في وقت كانت فيه القضية الكردية قد تجاوزت المطالبة بمعالجة ملف الجنسية، لتشمل الاعتراف بالهوية الكردية وضمان الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية، إلى جانب المطالب العامة التي رفعها السوريون بالحرية والعدالة وإنهاء الاستبداد.

وفي 7 نيسان 2011، وفي محاولة لاحتواء جانب من المطالب الكردية، أصدر بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 49، الذي منح الجنسية السورية للمسجلين في سجلات الأجانب في محافظة الحسكة، إلا أن القرار لم يشمل مكتومي القيد، وبقيت بذلك فئة من المحرومين من الجنسية خارج نطاق المعالجة.

ومع اتساع الاحتجاجات ووصولها إلى مناطق مختلفة من البلاد، أخذت القوى السياسية الكردية مواقف متعددة من الحراك السوري، إلا أن القضية الكردية أصبحت للمرة الأولى منذ عقود جزءاً أساسياً من النقاش حول مستقبل الدولة السورية وشكلها السياسي والدستوري.

تجربة إدارية جديدة في شمال وشرق سوريا

ومع تحرير مناطق روج آفا من النظام البعثي بعد أن انطلقت ثورة 19 تموز عام 212 من مدينة كوباني، بدأت القوى السياسية والاجتماعية المحلية بتشكيل مؤسسات لإدارة المناطق التي باتت خارج سيطرة الحكومة المركزية.

وتطورت هذه التجربة تدريجياً من مجالس شعبية وهياكل إدارية إلى نموذج أكثر تنظيماً، شاركت فيه قوى كردية وعربية وسريانية ومكونات أخرى، قبل أن يعلن في عام 2014 عن تأسيس الإدارة الذاتية في مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين بصيغتها الأولى.

ولم تقدم هذه التجربة نفسها بوصفها مشروعاً كردياً منفصلاً عن سوريا، بل طرحت نموذجاً لإدارة المناطق المحلية ضمن تصور سياسي يقوم على مشاركة المكونات، وتطوير مؤسسات محلية وإدارة شؤون السكان، مع استمرار الخلاف مع دمشق حول شكل الدولة ومستوى اللامركزية.

وفي السنوات اللاحقة، اتسعت مؤسسات الإدارة الذاتية لتشمل قطاعات مدنية وخدمية وتعليمية وأمنية، وأصبحت تجربة الحكم المحلي في شمال وشرق سوريا إحدى أبرز القضايا المطروحة عند الحديث عن مستقبل الدولة السورية.

الحرب على داعش وصعود قوات سوريا الديمقراطية

ومع تمدد مرتزقة داعش في سوريا والعراق، تحولت مناطق روج آفا إلى واحدة من أهم ساحات المواجهة مع المرتزقة. وفي تشرين الأول 2015 تأسست قوات سوريا الديمقراطية، كتحالف عسكري ضم قوات كردية وعربية وسريانية ومكونات أخرى، وأصبحت القوة الرئيسة التي قادت المعارك ضد داعش في مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا.

وخاضت قوات سوريا الديمقراطية معارك بارزة ضد داعش، كان من أبرزها معركة كوباني 2014 و2015، ثم العمليات العسكرية التي انتهت بتحرير الرقة التي أعلنها داعش عاصمةً لخلافتها المزعومة، وصولاً إلى إنهاء السيطرة الإقليمية لداعش في آخر معاقله في الباغوز عام 2019.

وأدى هذا الدور إلى تحول قوات سوريا الديمقراطية إلى طرف رئيس في المعادلة السورية، كما عزز حضور القضية الكردية على المستويين الإقليمي والدولي.

ولكن صعود القضية الكردية بهذا الشكل لم يرق لتركيا التي كانت تهاجم مشروع الإدارة الذاتية منذ تأسيسه عبر فصائل مسلحة شكلتها ومولتها ووجهتها للهجوم على المناطق الكردية، وعندما فشلت تلك الفصائل في تحقيق مخططاتها، دخلت تركيا بجيشها إلى سوريا وهاجمت هذا المشروع اعتباراً من عام 2016 في ريف منبج والباب، ومن ثم عفرين عام 2018 وسري كانيه وكري سبي/تل أبيض عام 2019، كما واصلت هجماتها بالطائرات المسيّرة حتى وقت قريب.

القضية الكردية في البحث عن حل سوري

خلال سنوات الحرب، لم تعد القضية الكردية منفصلة عن النقاش حول مستقبل سوريا، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة الدستور واللامركزية وتقاسم السلطة والموارد وضمان حقوق المكونات.

وشهدت هذه المرحلة لقاءات ومؤتمرات ومحاولات للحوار بين القوى الكردية والسورية، إلى جانب نقاشات داخل المعارضة السورية وفي المحافل الدولية حول شكل الدولة السورية المقبلة.

وفي الوقت نفسه، أكدت القوى الكردية في مراحل مختلفة أن مطالبها لا تتناقض مع وحدة سوريا، وإنما ترتبط بإعادة صياغة العلاقة بين المركز والمناطق على أساس المشاركة والمواطنة والمساواة.

سقوط النظام وصفحة جديدة

وأدى سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 إلى تغيير جوهري في المشهد السوري، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة أصبحت فيها مسألة إعادة بناء مؤسسات الدولة وعلاقة دمشق بالمناطق والقوى التي كانت خارج سيطرة الحكومة السابقة من أبرز الملفات المطروحة.

وفي هذا السياق، دخلت دمشق وقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في مفاوضات حول طبيعة العلاقة بين الطرفين، وفي 10 آذار 2025، وقع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس الحكومة الانتقالية السورية أحمد الشرع اتفاقاً نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية، وعلى ضمان حقوق الكرد في المواطنة والحقوق الدستورية، إلى جانب وقف إطلاق النار ورفض مشاريع التقسيم. كما نص الاتفاق على دمج المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز ضمن إدارة الدولة.

وكان الاتفاق يمثل تحولاً مهماً، لأنه نقل العلاقة بين الطرفين من واقع الإدارة المنفصلة والتنسيق المحدود إلى مسار معلن نحو دمج المؤسسات ضمن الدولة، مع بقاء ملفات أساسية بحاجة إلى تفاوض وتنفيذ.

من الاتفاق السياسي إلى الاندماج

ولم ينفذ اتفاق آذار 2025 بصورة كاملة ضمن المهلة الزمنية الأولية التي حددها، واستمرت الخلافات حول تفاصيل الدمج وشكل الإدارة ومستقبل القوات العسكرية والأمنية. وفي مطلع عام 2026 تصاعد التوتر العسكري بين الطرفين، قبل أن يعود مسار التفاوض ويقود إلى اتفاقية 29 كانون الثاني.

ومنذ إعلان الاتفاق بدأت عملية تنفيذ أكثر تفصيلاً لمسار دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وفي 20 آب 2026، أعلن مظلوم عبدي أن مرحلة دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية في مؤسسات الدولة السورية قد اكتملت، مشيراً إلى أن المرحلة التالية ستتركز على العمل السياسي من أجل تثبيت حقوق الكرد وبقية المكونات في الدستور السوري.

25 آب 2026.. نهاية مهمة قوات سوريا الديمقراطية كقوة مستقلة

وبعد أيام من إعلان اكتمال مرحلة الدمج، جاءت المحطة الأبرز في 25 آب 2026، عندما أعلن مظلوم عبدي، من قصر الشعب في دمشق، انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، مؤكداً اندماج قواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وجاء الإعلان بعد لقاء عبدي برئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع في دمشق، وفي إطار استكمال مسار الاتفاقات التي بدأت منذ آذار 2025.

واندمجت قوات سوريا الديمقراطية ضمن ألوية الجيش السوري، بينما انتقلت المؤسسات المدنية والأمنية ضمن مسار دمجها في مؤسسات الدولة.

وبذلك أُسدل الستار على مرحلة امتدت لأكثر من عقد، لعبت خلالها قوات سوريا الديمقراطية دوراً عسكرياً وأمنياً وسياسياً بارزاً في شمال وشرق سوريا، في وقت بقي مستقبل الحقوق الكردية والسياسية والدستورية مرتبطاً بالمرحلة السياسية المقبلة.

فواز عثمان: الدستور واللامركزية ضمانة للحقوق ووحدة سوريا

ويرى الباحث في التاريخ والحضارة الكردية فواز عثمان أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على شراكة حقيقية بين مختلف المكونات السورية، وأن الكرد ينبغي أن يكونوا شركاء في بناء الدولة وليس مجرد مكون يطالب بحقوقه.

ويقول عثمان: "المطلوب هو دولة ديمقراطية تعددية لا مركزية تحفظ وحدة سوريا وتضمن مشاركة جميع مكوناتها، كما يمكن الاستفادة من التجربة الإدارية التي نشأت في شمال وشرق سوريا".

وذكر عثمان أن الضمان الأساسي يكمن في دستور ديمقراطي واضح يعترف بالكرد كمكون أصيل من الشعب السوري، ويضمن المواطنة المتساوية والمشاركة السياسية، ويحمي اللغة والثقافة الكرديتين ويمنع التمييز القومي.

وأضاف: "أرى أن اللامركزية المتوافق عليها وطنياً تشكل ضماناً مهماً لمشاركة السكان في إدارة مناطقهم، مع الحفاظ على وحدة الدولة السورية".

الهوية الكردية والهوية السورية

ويرفض عثمان وضع الهوية الكردية في مواجهة الهوية الوطنية السورية، معتبراً أن الاعتزاز باللغة والثقافة الكرديتين يمكن أن يترافق مع الانتماء الكامل إلى سوريا.

ويقول: "هنا لا يوجد تعارض بين الهوية الكردية والهوية الوطنية السورية، يمكن للكرد أن يعتزوا بلغتهم وثقافتهم ويكونوا في الوقت نفسه مواطنين سوريين كاملَي الانتماء. المطلوب الاعتراف باللغة والثقافة الكردية وتعليمهما وحمايتهما، لأن الهوية السورية الجامعة يجب أن تقوم على التنوع لا على إلغاء الخصوصية".

من الإدارة الذاتية إلى العمل السياسي

ومع إعلان انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة في 25 آب 2026، انتقل مركز الثقل في القضية الكردية من البنية العسكرية والإدارية التي تشكلت خلال سنوات الحرب إلى المسار السياسي والدستوري.

ويعني ذلك أن السؤال الأساسي بات متعلقاً بكيفية تثبيت الحقوق التي طالب بها الكرد على مدى عقود ضمن بنية الدولة السورية الجديدة.

وفي هذا السياق، يصبح الدستور المنتظر، وشكل الإدارة المحلية، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية، والمواطنة المتساوية، والمشاركة السياسية، من أبرز الملفات التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.

سوريا الجديدة.. شراكة لا إقصاء

ويؤكد فواز عثمان أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يقوم على إقصاء الكرد أو أي مكون آخر، وأن معالجة القضية الكردية بصورة عادلة يمكن أن تكون عاملاً في تعزيز وحدة البلاد واستقرارها.

واختتم بالقول: "سوريا الجديدة لا يمكن أن تبنى على إقصاء الكرد أو أي مكون آخر، القضية الكردية قضية وطنية سورية وحلها العادل يعزز وحدة البلد واستقرارها، والمطلوب هو شراكة حقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية والديمقراطية ضمن سوريا موحدة، فسوريا تتسع للجميع".

(ح)

ANHA