3 سنوات على 7 تشرين الأول.. كيف أعادت الحرب تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط؟

بدلت عملية 7 تشرين الأول خلال ثلاث سنوات معادلات الردع والنفوذ في الشرق الأوسط، بعد أن تجاوزت حدود غزة وامتدت تداعياتها إلى عواصم إقليمية وممرات بحرية وإيران، لتعيد رسم المشهد الأمني والسياسي في المنطقة.

3 سنوات على 7 تشرين الأول.. كيف أعادت الحرب تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط؟
الأربعاء 7 تشرين الأول, 2026   06:15
مركز الأخبار

لم تكن الحرب التي بدأت في 7 تشرين الأول 2023 مجرد جولة جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم أن عملية حماس على إسرائيل والحرب التي تلته في قطاع غزة شكلا نقطة انطلاقها.

خلال ثلاث سنوات، انتقلت المواجهة من حدود غزة إلى لبنان واليمن وسوريا والعراق، ثم إلى الأراضي الإيرانية، وتحولت من حرب تدور بدرجة كبيرة عبر حلفاء إيران ووكلائها إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران، قبل أن تدخل الولايات المتحدة بثقلها العسكري المباشر في عام 2026.

هذه التحولات لم تحدث دفعة واحدة، لكنها كشفت تدريجياً عن تغير في قواعد الصراع، فإيران التي بنت خلال عقود شبكة إقليمية واسعة، تعتمد على حلفاء مسلحين في أكثر من ساحة، وجدت نفسها أمام خصم إسرائيلي اختار استهداف هذه الشبكة في مراكزها القيادية والعسكرية، وصولاً إلى ضرب العمق الإيراني نفسه.

في المقابل، لم تتمكن إسرائيل من تحويل تفوقها العسكري إلى تسوية سياسية تنهي الحرب أو تمنع استمرار التهديدات الإقليمية.

كانت غزة هي الشرارة، لكن لبنان كان أول مؤشر إلى أن الحرب لن تبقى فلسطينية إسرائيلية، ففي 8 تشرين الأول 2023 فتح حزب الله جبهة الجنوب اللبناني، وربط عملياته بالحرب في غزة، لتبدأ مواجهة استمرت أشهرا قبل أن تتحول في أيلول 2024 إلى حملة إسرائيلية واسعة ضد الحزب.

وفي اليمن، دخل الحوثيون على خط الحرب خلال تشرين الأول 2023، ثم أعلنوا في 31 تشرين الأول إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل.

وفي 19 تشرين الثاني استولى الحوثيون على السفينة "غالاكسي ليدر"، لتنتقل المواجهة من استهداف إسرائيل إلى تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

وهنا ظهرت إحدى أهم نتائج الحرب، فلم تعد الجغرافيا العسكرية محصورة في مناطق الصراع التقليدية، فهجمات الحوثيين فرضت على الولايات المتحدة وحلفائها التعامل مع البحر الأحمر بوصفه جبهة عسكرية، فيما تحول باب المندب إلى ورقة ضغط على التجارة الدولية، تماماً كما أصبح مضيق هرمز لاحقاً إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية في المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

أما إيران، فحافظت في الأشهر الأولى على موقع الداعم والموجه لحلفائها من دون الدخول في حرب مباشرة مع إسرائيل، لكن هذا الخط الفاصل بدأ بالانهيار في 1 نيسان 2024، عندما استهدفت إسرائيل مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق وقتلت سبعة من أفراد الحرس الثوري، بينهم محمد رضا زاهدي.

وبعد أقل من أسبوعين، في 13 نيسان، أطلقت إيران مئات المسيّرات والصواريخ باتجاه إسرائيل، في أول هجوم مباشر واسع من الأراضي الإيرانية على إسرائيل.

كانت تلك اللحظة أهم من حجم الأضرار التي خلفها الهجوم نفسه، فقد أظهرت أن الرد الإيراني لن يبقى بالضرورة عبر حزب الله أو الفصائل العراقية أو الحوثيين، وأن طهران مستعدة للانتقال إلى المواجهة المباشرة عندما ترى أن مصالحها أو قياداتها الأساسية تعرضت لضربة كبيرة.

وفي الوقت نفسه، أظهرت العملية قدرة إسرائيل على العمل ضمن شبكة دفاع جوي إقليمية ودولية واسعة، إذ جرى اعتراض الغالبية العظمى من المقذوفات الإيرانية.

بعد ذلك انتقلت إسرائيل إلى ضرب البنية القيادية لمحور إيران بصورة أكثر مباشرة، ففي 31 تموز 2024 اغتيل إسماعيل هنية في طهران، بعد حضوره مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. وبعد أقل من شهرين، وفي 27 أيلول، قتل حسن نصر الله في ضربة إسرائيلية استهدفت المقر المركزي لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأعلن الحزب رسمياً مقتله في اليوم التالي. ولم يكن مقتل نصر الله مجرد خسارة لقائد عسكري، بل ضربة لواحدة من أهم ركائز النفوذ الإيراني في المنطقة، باعتبار أن حزب الله كان لسنوات القوة الأكثر تنظيماً وتسليحاً ضمن شبكة حلفاء طهران.

ومع تراجع قدرة حزب الله على العمل كقوة ردع مستقلة، وتعرض حماس لضربات عسكرية كبيرة، بدأت إيران تخسر تدريجياً جزءاً من العمق الذي اعتمدت عليه في إدارة صراعها مع إسرائيل، لكن طهران لم تنتقل إلى المواجهة الشاملة فوراً، بل جاء التحول الأكبر في 13 حزيران 2025، عندما شنت إسرائيل هجوماً واسعاً على إيران استهدف منشآت نووية وعسكرية وقيادات عليا، لتندلع أول حرب مباشرة واسعة بين البلدين.

وردت إيران بصواريخ ومسيّرات استهدفت الأراضي الإسرائيلية، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 24 حزيران بعد 12 يوماً من القتال.

هذه الحرب أظهرت الفارق في القدرات العسكرية والاستخبارية بين الطرفين، لكنها كشفت أيضاً حدود القوة الإسرائيلية، فإسرائيل استطاعت الوصول إلى العمق الإيراني واستهداف منشآت وقيادات حساسة، لكنها لم تتمكن من إنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة نهائية، فيما احتفظت إيران بقدرة على إطلاق الصواريخ وإلحاق أضرار داخل إسرائيل.

ثم جاءت حرب 2026 لتدفع المواجهة إلى مستوى مختلف تماماً، ففي 28 شباط شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً على إيران، استهدف مراكز القيادة والمنشآت العسكرية والنووية، وانتهى الهجوم إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، في ضربة غير مسبوقة للنظام الذي قاده منذ عام 1989.

كما تعرضت البنية العسكرية والنووية الإيرانية لأضرار كبيرة، بينما ردت طهران باستهداف إسرائيل والقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة.

وهنا تحولت الحرب من مواجهة حول البرنامج النووي أو نفوذ إيران الإقليمي إلى صراع على قدرة الدولة الإيرانية نفسها على الاستمرار في فرض معادلات الردع التي بنتها خلال العقود الماضية/ ولم يكن مقتل خامنئي مجرد حدث عسكري، بل ضربة سياسية لرمزية النظام ومركزية القيادة التي شكلت أحد عناصر استقراره طوال أكثر من ثلاثة عقود.

لكن خسائر إيران لا تعني أن إسرائيل خرجت من السنوات الثلاث منتصرة بالمعنى الكامل. صحيح أن إسرائيل نجحت في إضعاف حماس وحزب الله، وقتل عدد من أبرز قادة محور إيران، ونقلت المواجهة إلى الأراضي الإيرانية، وأثبتت قدرة استخبارية وعسكرية على العمل في عمق خصومها، كما حظيت في مراحل حاسمة بدعم عسكري وسياسي أميركي مباشر.

إلا أن هذه المكاسب جاءت في ظل حرب طويلة فرضت كلفة اقتصادية وعسكرية وأمنية كبيرة، وأبقت الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت تهديد الصواريخ والمسيّرات.

كما أن إسرائيل لم تحقق حتى الآن هدفاً سياسياً يوازي حجم عملياتها العسكرية. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت وقتل قيادات، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج تسوية سياسية للصراع الفلسطيني، ولا ضمان عدم إعادة بناء التنظيمات التي تعرضت للضربات، ولا إنهاء قدرة إيران على إعادة تنظيم جزء من قوتها العسكرية مع مرور الوقت.

أما إيران، فكانت خسارتها الاستراتيجية أوضح. فقد تضررت شبكة الردع التي بنتها على مدى سنوات، وخسر حلفاؤها قيادات بارزة وقدرات عسكرية، وتعرضت الأراضي الإيرانية نفسها لهجمات متكررة، قبل أن يصل الاستهداف في 2026 إلى رأس النظام.

كما أن اضطرار طهران إلى استخدام أوراق مثل مضيق هرمز يعكس في جانب منه انتقالها من استراتيجية العمل عبر شبكة إقليمية واسعة إلى البحث عن وسائل مباشرة للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل والاقتصاد العالمي.

وفي 2 آذار 2026 أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، في خطوة أظهرت أن الحرب لم تعد تهدد الشرق الأوسط وحده، فالمضيق، إلى جانب باب المندب، أصبحا جزءاً من معادلة الحرب الاقتصادية العالمية، لأن اضطراب الملاحة فيهما ينعكس على النفط والغاز وأسعار الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.

وبعد ثلاث سنوات، تبدو النتيجة الأهم أن الشرق الأوسط خرج من حرب 7 تشرين الأول بميزان قوى مختلف، لكن ليس بسلام أكثر استقراراً، إسرائيل أضعفت خصوماً رئيسيين ونجحت في نقل المعركة إلى قلب إيران، فيما خسرت طهران جزءاً كبيراً من أدوات الردع والقيادة التي بنتها خلال عقود. غير أن أياً من الطرفين لم يحصل على نهاية سياسية حاسمة.

لذلك فإن 7 تشرين الأول لم يكن مجرد تاريخ لبدء حرب غزة، بل نقطة انطلاق لسلسلة من التحولات التي كسرت تدريجياً قواعد الاشتباك القديمة، حزب الله انتقل من جبهة دعم إلى حرب واسعة، والحوثيون نقلوا الصراع إلى الملاحة الدولية، وإيران انتقلت من الحرب عبر الحلفاء إلى الضرب المباشر، ثم أصبحت أراضيها نفسها ساحة حرب مفتوحة. وفي المقابل، انتقلت إسرائيل من احتواء التهديدات على حدودها إلى استهداف مراكز القوة لدى خصومها في بيروت وطهران واليمن.

ولم ينتج هذا التحول حتى الآن نظاماً إقليمياً جديداً، بل ترك المنطقة أمام فراغ أكبر في قواعد الردع والتسويات، وهذا يعني أن السؤال بعد ثلاث سنوات لم يعد فقط من ربح حرب 7 تشرين الأول، وإنما ما إذا كانت المنطقة قادرة على الخروج من منطق الحرب المتسلسلة، بعدما أصبح أي تصعيد في غزة أو لبنان أو اليمن أو إيران قابلاً لأن يتحول بسرعة إلى أزمة تتجاوز حدود الساحة التي بدأ فيها.

(أم)

ANHA