أوجلان.. سلامٌ يحمي القضية- دينا يعقوب

أوجلان.. سلامٌ يحمي القضية- دينا يعقوب
الأربعاء 9 يلول, 2026   02:40

يعيد القائد عبد الله أوجلان تعريف معنى السلام، من إنهاء السلاح إلى بناء دولة ديمقراطية تستوعب الحقوق، فيما تكشف تجارب المنطقة أن نزع السلاح بلا ضمانات سياسية يعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة.

قد يكون أهم ما يميز المسار الذي دفع إليه القائد عبد الله أوجلان في تركيا أنه لم يعد ينظر إلى القضية الكردية باعتبارها معركة ينبغي أن تنتهي بانتصار طرف على آخر، بل باعتبارها قضية سياسية تحتاج إلى حل يحفظ للكرد حقوقهم، ويحمي في الوقت نفسه الدولة التركية من الانقسام والصراع الطويل. وهذه النقلة ليست تفصيلاً عابراً في مسيرته، بل تمثل تحولاً عميقاً في فهم طبيعة الصراع ووسائل الوصول إلى الحل.

فالقائد الذي ارتبط اسمه لعقود بالكفاح المسلح، أظهر خلال السنوات الأخيرة قدرة لافتة على إعادة قراءة التجربة الكردية، والبحث عن مسار مختلف لتحقيق أهدافها. وبدلاً من الدفع نحو إضعاف تركيا أو تفكيكها، اتجه إلى طرح السلام والديمقراطية بوصفهما الطريق الأكثر واقعية لتحقيق الحقوق الكردية. ومن هنا جاءت دعوته إلى إنهاء العمل المسلح والانتقال إلى السياسة، في محاولة لفتح صفحة جديدة لا يخسر فيها الأتراك دولتهم، ولا يخسر الكرد هويتهم وحقوقهم.

وما يحسب لأوجلان في هذا المسار أنه لم يتعامل مع السلام باعتباره استسلاماً كردياً، ولا مع الديمقراطية باعتبارها مجرد شعار. فقد حاول بناء معادلة مختلفة، تقوم على أن يحصل الكرد على حقوقهم من داخل عملية ديمقراطية، وأن تبقى تركيا موحدة وقوية. وبذلك يصبح الاعتراف بالهوية والحقوق الكردية جزءاً من تطوير الدولة التركية، لا مشروعاً لتفكيكها.

ومن هنا لا تكتسب هذه التجربة أهميتها من بعدها التركي فقط، وإنما من الفكرة التي تطرحها حول العلاقة بين القضية القومية والدولة والسلاح. فالانتقال من السلاح إلى السياسة لا يعني التخلي عن القضية، كما أن إنهاء الصراع لا يعني بالضرورة إنهاء المطالب. بل إن الانتقال إلى السياسة قد يمنح القضية فرصة أكبر للوصول إلى نتائج مستدامة، إذا ترافق مع إصلاحات ديمقراطية وضمانات حقيقية للحقوق.

وإذا كانت هذه المعادلة قد بدأت من القضية الكردية في تركيا، فإن السؤال نفسه يطرح في سوريا، حيث تتقاطع القضية الكردية مع مسألة السلاح وبنية الدولة ومستقبلها. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المسار السوري في التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية. فالمطلوب في النهاية ليس بقاء قوة كردية مسلحة خارج الدولة، ولا عودة الدولة إلى إنكار خصوصية الكرد وحقوقهم، وإنما الوصول إلى صيغة تندمج فيها القوات والمؤسسات ضمن الدولة السورية، بالتوازي مع الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية واللغوية للكرد. أي أن يتراجع السلاح لمصلحة السياسة، وأن تتحول القضية الكردية من ملف أمني إلى قضية مواطنة وحقوق وديمقراطية.

لكن المسألة لا تتوقف عند الحالة السورية، فالسؤال المتعلق بمصير السلاح بعد انتهاء الصراع يطرح نفسه في معظم أزمات المنطقة، وإن اختلفت جذوره وظروفه من بلد إلى آخر. وهنا تحديداً تظهر الفروق مع ملفات الفصائل المسلحة في العراق ولبنان وغزة واليمن والسودان وليبيا.

فعملية دمج السلاح أو نزعه في هذه الساحات لا تجري دائماً ضمن مشروع وطني واضح لإعادة بناء الدولة، بل تتداخل فيها حسابات دولية وإقليمية وصراعات نفوذ تتجاوز في كثير من الأحيان مصالح العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين أنفسهم.

في العراق، لا يمكن فصل قضية الفصائل المسلحة عن الصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، وعن موقع العراق في التوازنات الإقليمية. وفي لبنان، أصبح سلاح حزب الله مرتبطاً بصورة كبيرة بالصراع الإيراني الإسرائيلي وبحسابات الأمن الإقليمي، بحيث لم يعد النقاش حول السلاح منفصلاً عن موقع لبنان في هذه المعادلة. أما في غزة، فإن مسألة سلاح الفصائل ترتبط بالحرب الإسرائيلية الفلسطينية، لكنها تقع أيضاً داخل شبكة واسعة من الحسابات الإقليمية والدولية، من دون أن تكون هناك حتى الآن رؤية فلسطينية موحدة ومستقرة لشكل الدولة والنظام السياسي الذي يفترض أن يأتي بعد الحرب.

وفي هذه الحالات، لا يتعلق الأمر بالسلاح وحده، بل بالبيئة السياسية التي جعلت منه جزءاً من المعادلة. وهذه الحقيقة تظهر بصورة أوضح في ساحات أخرى مثل السودان واليمن وليبيا. ففي السودان، أدى الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتحويل التنافس على السلطة إلى حرب تهدد وحدة المجتمع والدولة معاً. وفي اليمن، أنتجت الحرب واقعاً أكثر تعقيداً، مع تعدد القوى المسلحة والسياسية وتباين أجنداتها، إلى جانب التدخلات الإقليمية التي جعلت الصراع اليمني جزءاً من معادلة أمنية أوسع.

وتقدم ليبيا نموذجاً آخر لهذه الإشكالية. فمنذ سقوط نظام معمر القذافي، عجزت الدولة عن احتكار القوة بشكل مؤسسي، واستمر تعدد الجماعات المسلحة والانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب، فأصبح السلاح جزءاً من المعادلة السياسية وليس مجرد أداة عسكرية. ولذلك فإن نزع السلاح وحده لن يكون كافياً ما لم يسبقه أو يتزامن معه اتفاق سياسي يضمن حقوق ومصالح الأطراف المختلفة، ويوحد مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية تحت سلطة مدنية واحدة.

وهذا يقود إلى النقطة الأهم في هذه التجارب كلها: أن مشكلة السلاح لا يمكن فصلها عن شكل الدولة التي سيُسلَّم إليها هذا السلاح. فتجربة ليبيا توضح أن التخلي عن السلاح يصبح أكثر واقعية عندما يشعر الفاعلون بأن الدولة الموحدة قادرة على حماية أمنهم وحقوقهم ومشاركتهم السياسية. ومن ثم، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون إقصاء القوى المسلحة، وإنما تحويلها تدريجياً من قوى عسكرية إلى أطراف سياسية، ضمن عملية DDR حقيقية تقوم على نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. فالوحدة الوطنية لا تُفرض بإلغاء التعدد، وإنما ببناء دولة تستوعب هذا التعدد داخل مؤسساتها.

وبالنظر إلى هذه النماذج مجتمعة، يتضح أن الحسم العسكري لا يستطيع وحده إنتاج استقرار مستدام، لأن هزيمة طرف مسلح لا تعني بالضرورة اختفاء الأسباب السياسية التي أدت إلى ظهوره. لذلك فإن السؤال الأهم لا ينبغي أن يكون فقط: من سينتصر؟ بل: كيف يمكن تحويل القوى المتصارعة من أدوات للحرب إلى أطراف في عملية سياسية تؤسس لدولة واحدة؟

وهنا تبرز فكرة الاندماج وإعادة بناء المؤسسة الوطنية باعتبارها أحد المسارات الممكنة، لكن بشرط ألا تكون مجرد عملية لضم المقاتلين إلى مؤسسات الدولة بصورة شكلية. فالاندماج الحقيقي يحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية واضحة، وإعادة هيكلة مهنية للمؤسسات العسكرية، وضمانات قانونية لحقوق الأطراف المختلفة، وآليات للعدالة والمساءلة والمصالحة. كما يحتاج إلى رؤية متوافق عليها لشكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة، حتى لا يتحول التخلي عن السلاح إلى انتقال مؤقت للصراع من الميدان إلى السياسة.

ومن هنا يعود المسار التركي إلى الصورة من جديد. فتجربة القائد عبد الله أوجلان لا تقدم وصفة جاهزة لهذه الأزمات، لكنها تطرح فكرة تستحق التأمل: أن الانتقال من السلاح إلى السياسة لا تكون له قيمة حقيقية إلا إذا وجد هذا السلاح بديلاً سياسياً قادراً على حماية القضية وأصحابها داخل الدولة.

وهذا هو السؤال الأهم: ماذا سيأتي بعد السلاح؟ فليس كل نزع للسلاح عملية سلام، وليس كل دمج للفصائل مشروعاً لبناء الدولة. إذا كان البديل دولة ديمقراطية، ومؤسسات موحدة، ومواطنة متساوية، وحقوقاً سياسية وثقافية مضمونة، فإن الانتقال إلى السياسة يصبح خطوة تاريخية. أما إذا اقتصر الأمر على إعادة توزيع النفوذ بين قوى إقليمية ودولية، فإن نزع السلاح قد لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بأشكال أخرى.

من هنا تبدو تجربة القائد عبد الله أوجلان مختلفة وجديرة بالتأمل. فالرجل الذي بدأ من السلاح وصل إلى قناعة بأن القضية الكردية لا يمكن أن تجد مستقبلها الدائم عبر الحرب، وأن تركيا الديمقراطية يمكن أن تكون الإطار الذي يحمي فيه الكرد حقوقهم وهويتهم ومشاركتهم السياسية. وهذه ليست خسارة للقضية الكردية، بل ربما تكون إحدى أكثر الطرق واقعية لحمايتها.

فالسلام لا يُقاس بعدد البنادق التي تختفي، بل بما يحل محلها. وحين تحل السياسة والديمقراطية والحقوق محل السلاح، يصبح السلام مشروعاً لبناء المستقبل، لا مجرد نهاية مؤقتة للحرب.

دينا يعقوب:

هي استاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة بدر بالقاهرة، وباحثة متخصصة في العلاقات الدولية، وتحليل السياسة الخارجية، وقضايا الأمن الإقليمي وشؤون الشرق الأوسط.