ثلاثة أنواع من المازوت... هل حُلت أزمة الأسعار أم توزع العبء/ ضياء اسكندر

ثلاثة أنواع من المازوت... هل حُلت أزمة الأسعار أم توزع العبء/ ضياء اسكندر
الإثنين 21 يلول, 2026   07:50

بعد أيام من قرار رفع أسعار المحروقات الذي أشعل احتجاجات ووقفات في مناطق سورية عدة، تتجه الحكومة إلى إعادة تنظيم سوق المازوت عبر طرح ثلاث فئات مختلفة في المواصفات والأسعار. وقد يبدو الإجراء، في ظاهره، محاولة لتخفيف أعباء التشغيل عن بعض القطاعات ومنح المستهلكين خيارات تتناسب مع طبيعة استخداماتهم، لكنه يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام حل حقيقي لأزمة فجّرها رفع الأسعار، أم أمام محاولة لتوزيع عبء الزيادة على شرائح مختلفة من المستهلكين؟

وكانت الحكومة قد رفعت سعر المازوت إلى 175 ليرة، ضمن نشرة أسعار مؤقتة دخلت حيز التنفيذ في 13 أيلول، مبررة القرار بارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، وارتفاع الاعتماد على الاستيراد خلال فترة عمرة مصفاة بانياس. وأكدت وزارة الطاقة أن الأسعار قابلة للمراجعة مع تغير الظروف وتكاليف التوريد.

لكن المواطن الذي فوجئ بارتفاع أسعار الوقود لم ينتظر طويلاً قبل أن يلمس نتائجه في حياته اليومية. فارتفاع كلفة المازوت لا يبقى في محطات الوقود، وإنما ينتقل سريعاً إلى أجور النقل وأسعار السلع وتكاليف الإنتاج، فيما انعكس القرار على حركة نقل البضائع، وسط توقف شبه كامل في بعض المحافظات وإضرابات لعدد من أصحاب الشاحنات، وفق وزارة النقل.

وفي مواجهة هذه التداعيات، يأتي التصور الجديد القائم على ثلاثة أنواع من المازوت: فئة بسعر 115 ليرة للاستخدامات التي لا تتطلب مواصفات مرتفعة، من بينها بعض الشاحنات والآليات، وفئة متوسطة بسعر 150 ليرة للسيارات والباصات التي تتوافق محركاتها مع مواصفاتها، فيما يبقى المنتج الأعلى مواصفة متاحاً بسعر 175 ليرة.

وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة. إذا كان رفع السعر إلى 175 ليرة قد دفع الناس إلى الشوارع، فهل يكفي أن نضع أمامهم فئة بـ 115 وأخرى بـ 150 ليرة لنقول إن المشكلة عولجت؟ ومن هم الذين سيتمكنون فعلاً من استخدام المازوت الأرخص؟ ومن سيبقى مضطراً إلى شراء الفئة الأغلى؟

قد يبدو طرح الفئة الأرخص خطوة إيجابية بالنسبة إلى القطاعات التي تستطيع استخدامها، لكنه لا يعني أن غالبية المستهلكين ستستفيد من خفض السعر. فالفئة ذات الـ 115 ليرة مخصصة لأغراض التدفئة والاستخدام الزراعي، فيما ترتبط الفئة المتوسطة بمدى توافق المحركات معها. وبذلك قد يبقى التخفيض مجرد رقم جذاب على الورق، من دون أن يتحول بالضرورة إلى انخفاض مماثل في كلفة النقل أو الإنتاج.

كما أن تعدد أنواع المازوت قد يضيف تعقيدات جديدة إلى السوق. فبدلاً من منتج واضح السعر والمواصفة، سيصبح أمام المستهلك ثلاثة أنواع تحتاج إلى تعليمات فنية دقيقة ورقابة صارمة. من سيحدد نوع الوقود المناسب لكل محرك؟ ومن سيضمن ألا يُباع المازوت الأرخص على أنه من الفئات الأعلى سعراً؟ ومن سيحمي المستهلك من الوقوع ضحية لخلط الأنواع أو التلاعب بمواصفاتها؟

وتبرز هنا أيضاً مسألة توافق الوقود الأرخص مع المحركات. فإذا استخدمت فئة منخفضة المواصفة في مركبات غير مخصصة لها، فقد يتحول الوفر المفترض إلى أعطال وتكاليف صيانة يتحملها المواطن من جيبه. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل خُفّضت كلفة التشغيل فعلاً، أم جرى نقل جزء من الكلفة من سعر الوقود إلى فاتورة الصيانة؟

كما أن الفارق بين 115 و175 ليرة، أي نحو 34 في المئة، ليس هامشاً بسيطاً يمكن تجاهله. هذا الفارق الكبير قد يشكل حافزاً لإعادة بيع الفئة الأرخص أو استخدامها في غير الأغراض المخصصة لها إذا كانت الرقابة ضعيفة. وستجد محطات الوقود نفسها أمام عبء إضافي يتعلق بتخزين وتوزيع وتمييز ثلاثة أنواع من المازوت، بما قد يزيد تكاليف التشغيل ويفتح الباب أمام مشكلات جديدة في التوريد والتخزين.

لكن النقطة الأهم تبقى في النقل والأسواق. فإذا كانت شريحة واسعة من وسائل النقل مضطرة إلى استخدام فئة الـ 150 أو الـ 175 ليرة، فإن الوفر الناتج عن الفئة الأرخص سيبقى محدوداً، وقد لا يشعر المواطن بأي فرق حقيقي في أجور النقل أو أسعار السلع. وهذا يعني أن الزيادة التي بدأت من محطة الوقود قد تواصل طريقها إلى كل ما يحتاجه المواطن في يومه: من أجرة الحافلة إلى نقل البضائع، ومن تكاليف الإنتاج إلى أسعار المواد في الأسواق.

وعليه، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان وجود ثلاث فئات أفضل من فئة واحدة، وإنما من سيستفيد فعلياً من الفئات الأرخص، ومن سيبقى مضطراً إلى شراء المازوت بسعر 175 ليرة؟ وهل سيكون هذا الفارق كافياً لتخفيض كلفة النقل والإنتاج، أم أن فائدته ستبقى محصورة في قطاعات محددة؟

فالقرار الجديد لا يلغي الزيادة التي أثارت الاحتجاجات، وإنما يُبقي سعر الـ 175 ليرة قائماً، إلى جانب فئتين أرخص ترتبط الاستفادة منهما بشروط ومواصفات محددة. وهذا يعني أن السؤال الحقيقي لم يعد: كم فئة أصبح للمازوت؟ بل: كم من السوريين سيتمكن فعلاً من شراء الأرخص، وكم منهم سيبقى مضطراً لدفع السعر الذي خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً عليه؟

وفي بلد أنهكت فيه الأسعار المرتفعة قدرة الناس على تحمّل أعباء المعيشة، لا يكفي أن تتعدد الخيارات على الورق. المطلوب أن يشعر المواطن بانخفاض حقيقي في كلفة النقل والإنتاج والأسعار. أما إذا بقي المازوت الأغلى هو الخيار الفعلي لمعظم القطاعات، فإن الفئات الثلاث لن تكون سوى طريقة جديدة لتوزيع عبء الزيادة، من دون معالجة أصل المشكلة التي فجّرت الاحتجاجات.