الانتخابات الأميركية الأخيرة ومدى تأثيرها على إيران وأوكرانيا والصين وإسرائيل وسوريا

تكشف الانتخابات النصفية الأميركية عن احتمال تقييد هامش مناورة ترامب دون تغيير المصالح الاستراتيجية لواشنطن، بما يعيد تشكيل حسابات إيران وأوكرانيا والصين وإسرائيل، ويضع الانفتاح على سوريا أمام رقابة وشروط سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة.

الانتخابات الأميركية الأخيرة ومدى تأثيرها على إيران وأوكرانيا والصين وإسرائيل وسوريا
الجمعة 6 تشرين الثاني, 2026   08:00
مركز الأخبار

لا تعني نتائج الانتخابات النصفية الأميركية مجرد تغيير موازين القوى داخل الكونغرس، بل تفتح مرحلة جديدة من التفاعلات بين المؤسسات السياسية، قد تنعكس على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للملفات الدولية وحدود قدرته على تنفيذ سياساته، وتتزامن النتائج مع توترات تشمل إيران وأوكرانيا والصين وإسرائيل ومستقبل سوريا، فهل من تغير قادم؟

إيران: الانتخابات ترفع كلفة استمرار الحرب ولا تنهي المواجهة

يمثل الملف الإيراني الاختبار الأكثر حساسية، بعدما تحولت الحرب إلى قضية داخلية ترتبط بأسعار الطاقة والتضخم وتكاليف المعيشة، وقد أقر نائب الرئيس جيه دي فانس بأن الحرب ساهمت في خسارة الجمهوريين، ما يضع ترامب بين إظهار القوة وتجنب استنزاف رصيده السياسي.

وقد يشدد الديمقراطيون الرقابة على العمليات العسكرية وكلفتها، ويوظفون صلاحيات الإنفاق للضغط على الإدارة، لكنهم لا يستطيعون إنهاء الحرب منفردين، إذ يحتفظ الرئيس بهامش واسع لإدارة العمليات.

وقد تدفع الخسارة الانتخابية ترامب إلى تسريع البحث عن تسوية مع طهران لتخفيف الضغوط الاقتصادية، أو إلى التصعيد لإظهار الحزم واستعادة المبادرة.

وفي المقابل، قد ترى إيران فرصة لتحسين شروط التفاوض، لكنها لا تستطيع افتراض تخلي واشنطن عن احتواء قدراتها النووية والصاروخية ونفوذها الإقليمي.

لذلك، يبدو الجمع بين التهديد العسكري والتحرك الدبلوماسي، وصولاً إلى تفاهمات مرحلية، السيناريو الأكثر احتمالاً.

أوكرانيا: تحسن فرص الدعم من دون ضمان تغيير سياسة البيت الأبيض

تمنح النتائج كييف فرصة لإعادة تنشيط الدعم داخل المؤسسات الأميركية، بعدما واجهت ضغوطاً من إدارة ترامب للقبول بتسوية تنهي الحرب مع روسيا، فالديمقراطيون أميل إلى استمرار المساعدات، خشية أن تضعف مكاسب موسكو الأمن الأوروبي وتشجع قوى أخرى.

ويمكنهم التأثير في الموازنات والمساعدات، ومراقبة أي تخفيف للعقوبات أو تقليص للالتزامات تجاه أوروبا.

لكن ترامب يحتفظ بأدوات واسعة للتحكم في إمدادات الأسلحة والاستخبارات والتفاوض، فضلاً عن الفيتو الرئاسي.

كما لا يتبنى الديمقراطيون موقفاً موحداً بشأن الإنفاق الخارجي، ولا يحظى دعم أوكرانيا بالأولوية لدى جميع الناخبين، لذلك، قد تزداد الضغوط لمنع تنازلات واسعة لروسيا، فيما تستثمر موسكو الانقسام لتحسين موقعها التفاوضي.

الصين: استمرار التنافس مع احتمال تعديل أدوات المواجهة

لا يتوقع أن تغير الانتخابات النظرة الأميركية إلى الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الأبرز، فهناك توافق بين الحزبين على الحد من تفوقها التكنولوجي، ومواجهة توسعها العسكري في المحيطين الهندي والهادئ.

لكن الخلاف قد يظهر في وسائل إدارة المنافسة، فالديمقراطيون يفضلون التنسيق مع الحلفاء، بينما يعتمد ترامب الرسوم والضغوط الاقتصادية المباشرة، وقد يناقش الكونغرس آثارها على الشركات والمستهلكين.

وقد تستفيد بكين من انشغال واشنطن بخلافاتها وتراجع وضوح رسائلها للحلفاء، لكنها لن تعدّ ذلك نهاية للاحتواء الأميركي، خصوصاً في ملفات تايوان والتكنولوجيا والأمن البحري، وقد يتسع التفاوض التجاري بالتوازي مع استمرار التنافس الاستراتيجي.

إسرائيل: تراجع هامش الدعم غير المشروط

تواجه العلاقة الأميركية الإسرائيلية مرحلة أكثر تعقيداً، مع تصاعد الخلافات داخل الحزب الديمقراطي بشأن السياسات الإسرائيلية والحروب في غزة والمنطقة.

وقد تدفع الأغلبية الديمقراطية إلى مراجعة المساعدات وربط شحنات أسلحة بشروط قانونية.

ويرتبط التحول أيضاً بتغيرات في الرأي العام الأميركي، إذ لم يعد الدعم غير المشروط لإسرائيل يحظى بالإجماع السياسي السابق، وقد تزيد كلفة المواجهة مع إيران التحفظ الأميركي تجاه صراعات تخدم أولويات إسرائيل.

ولا يعني ذلك انهيار التحالف، فالتعاون العسكري والاستخباراتي والمصالح المشتركة والدعم الجمهوري عوامل قوية، لكن العلاقة قد تخضع لرقابة أكبر، مع احتمال استخدام المساعدات أداة ضغط، بما ينعكس على حسابات إسرائيل تجاه إيران وسوريا ولبنان.

سوريا: مستقبل الانفتاح الأميركي وحدود دعم المرحلة الانتقالية

وبما يخص سياسة أمريكا حيال سوريا، فقد تتأثر سوريا بنتائج الانتخابات، لكنها تظل حاضرة في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، حيث تعاملت إدارة ترامب مع التحول السياسي في دمشق على أنه فرصة لإعادة تشكيل موقع سوريا إقليمياً بعد تراجع النفوذ الإيراني وانتهاء مرحلة الاعتماد الواسع على موسكو وطهران. لذلك، يمثل الانفتاح على السلطة الجديدة في سوريا جزءاً من تصور لإدماج سوريا في ترتيبات إقليمية جديدة.

وقد تزيد النتائج الرقابة على هذا المسار، فترامب يميل إلى التعامل المباشر مع دمشق وتغليب الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية، بينما قد يطالب الديمقراطيون بربط الانفتاح بمعايير تتعلق بطبيعة الحكم وتوزيع السلطة وحماية المكونات والمحاسبة عن الانتهاكات، وهذا لا يعني رفض الانفتاح، بل تشديد شروطه.

ويبرز ملف إعادة الإعمار بوصفه مجالاً أساسياً للتأثير، فرفع القيود الأميركية يتيح استعادة التمويل والاستثمار والتجارة، لكنه لا يكفي لإطلاق إعادة إعمار واسعة تحتاج إلى ضمانات قانونية ومؤسسات مستقرة وثقة المستثمرين.

ولذلك من الممكن أن تخضع الاتفاقات الاقتصادية لتدقيق أكبر لمنع تحول رفع العقوبات إلى دعم غير مشروط.

ويتجاوز التحدي الاقتصاد إلى مستقبل الدولة، فواشنطن تريد سلطة موحدة، لكنها لا تريد غطاء يعيد إنتاج حكم أمني مركزي يستبعد قطاعات من المجتمع.

وأظهرت أحداث الساحل والسويداء أن توحيد السلطة لا يضمن بناء دولة جامعة، وقد يطالب الديمقراطيون بالعدالة الانتقالية ومحاسبة المنتهكين وضمان مشاركة المكونات وإخضاع الأمن للرقابة، لكن الشروط المتعذرة سريعا قد تعرقل التعافي والاستقرار.

أمنياً، يمثل ابتعاد دمشق عن طهران وتقليص شبكات نفوذها مكسباً لواشنطن، وسيظل أي تفاهم مرتبطاً بمنع عودة التشكيلات المسلحة المرتبطة بإيران ومكافحة "التنظيمات المتطرفة" وضبط الحدود.

وقد يتفق الديمقراطيون مع الأهداف ويختلفون بشأن الوسائل والوجود العسكري، فتقليصه قبل استكمال الترتيبات الأمنية ومكافحة داعش قد يخلق فراغاً تستفيد منه التنظيمات المتطرفة والقوى الإقليمية.

وتؤثر إسرائيل وتركيا أيضاً في حسابات واشنطن، فمن الممكن أن يسعى ترامب إلى دفع دمشق لاتفاق أمني مع إسرائيل، لكن أي تفاهم يتجاهل الانسحاب من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد، وقضايا الجولان والسيادة والضمانات المتبادلة، قد يضعف شرعية الحكومة.

ويفرض النفوذ التركي موازنة علاقات واشنطن مع أنقرة ودمشق وتل أبيب، قد تستمر فيه أمريكا.

تغير في آليات القرار لا في المصالح الأميركية

وبناء على هذه المؤشرات، تكشف نتائج الانتخابات عن تراجع قدرة ترامب على التحرك من دون رقابة سياسية وتشريعية، مقابل احتفاظه بصلاحيات تنفيذية واسعة، وقد يبطئ القرارات ويعزز دور الكونغرس في الحرب والإنفاق والعقوبات.

لكن خسارة الجمهوريين لا تعني عودة السياسة الأميركية إلى نهج الديمقراطيين التقليدي، أو تراجع واشنطن عن التنافس مع الصين واحتواء إيران والتزاماتها تجاه إسرائيل وأوروبا، فهذه الملفات ترتبط بمصالح استراتيجية ومؤسساتية تتجاوز دورة انتخابية واحدة.

والاحتمال الأكثر واقعية هو اتجاه الإدارة إلى مزيد من المناورة الخارجية لتعويض القيود الداخلية، مقابل استخدام الديمقراطيين أدوات الرقابة والتمويل لفرض شروط على قراراتها.

وبالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية، لن تكون الانتخابات ضمانة لمكاسب أي طرف، بل عاملاً جديداً في إعادة حساب المخاطر والفرص، فقد تراهن إيران على تقييد الحرب، وأوكرانيا على الدعم، والصين على الانقسام، وإسرائيل على التزامات واشنطن، فيما تبقى فرصة سوريا محدودة.

(أم)

ANHA