انتخابات الكنيست الإسرائيلي 2026 وتداعياتها على إسرائيل والشرق الأوسط

تكشف نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي والمعطيات الراهنة استمرار حالة عدم اليقين السياسي، دون مؤشرات على تحول جوهري في توجهات إسرائيل الاستراتيجية، إذ يُرجح أن يقتصر تأثير تغيير الحكومة على أساليب إدارة الملفات، ولا سيما فلسطين ولبنان وسوريا والمواجهة مع إيران، إلى جانب طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية.

انتخابات الكنيست الإسرائيلي 2026 وتداعياتها على إسرائيل والشرق الأوسط
الأربعاء 4 تشرين الثاني, 2026   03:50
مركز الأخبار

انتخابات الكنيست الإسرائيلي التي جرت في 27 تشرين الأول 2026، ترى فيها بعض الأطراف السياسية محطة مهمة في تاريخ السياسة الإسرائيلية، مشيرين إلى التغيرات التي أحدثتها في موازين القوى الحزبية، وما أفرزته من تساؤلات بشأن مستقبل الحكومة والسياسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية وانعكاساتها على المنطقة.

وجاءت الانتخابات وسط أزمات داخلية متراكمة وتداعيات الحروب التي شهدتها المنطقة، إلى جانب تصاعد الخلافات بشأن إدارة الصراع الفلسطيني، والمواجهة مع إيران، والتطورات الأمنية في لبنان وسوريا.

وأظهرت النتائج عجز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الحفاظ على الأغلبية البرلمانية التي كان يتمتع بها ائتلافه السابق، مقابل عدم تمكن قوى المعارضة من تحقيق أغلبية مستقلة تتيح لها تشكيل حكومة جديدة، ما أدخل إسرائيل في مرحلة من المفاوضات الائتلافية المعقدة، عززت خلالها الأحزاب العربية والقوى الوسطية موقعها في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة.

وتتجاوز أهمية هذه الانتخابات حدود المشهد الداخلي الإسرائيلي، نظراً لما قد تحمله هوية الحكومة المقبلة من انعكاسات على ملفات المنطقة، وفي مقدمتها فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، فضلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية.

وتطرح السؤال الأبرز: هل سيؤدي تغيير الحكومة إلى تحول جوهري في السياسة الإسرائيلية، أم سيقتصر على تغيير أساليب إدارة هذه الملفات وأدوات التعامل معها؟

نتائج الانتخابات وموازين القوى داخل الكنيست

أظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات بعد اكتمال فرز الأصوات، وستعلن رسمياً اليوم، حصول حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو على 27 مقعداً، بينما حصل حزب يشَر بقيادة غادي آيزنكوت على 21 مقعداً، وحصل تحالف معاً بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد على 12 مقعداً.

كما حصلت القائمة المشتركة على 11 مقعداً، والديمقراطيون والقائمة العربية الموحدة على ثمانية مقاعد لكل منهما.

وبلغ مجموع مقاعد حلف نتنياهو 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً حلف التغيير، فيما حصلت القوائم العربية على 19 مقعداً. وتحتاج أي حكومة إلى 61 مقعداً من أصل 120 لتأمين الأغلبية البرلمانية.

وتكشف هذه الأرقام عن تراجع قدرة نتنياهو على تشكيل حكومة بالاعتماد على حلفائه التقليديين، لكنها لا تعني بالضرورة خروجه الفوري من السلطة.

كما أن المعارضة، رغم تقدمها، تواجه تحديات تتعلق بتباين مواقف مكوناتها من القضايا الأمنية والدينية، وبمدى استعداد بعض أحزابها للتعاون مع القوائم العربية.

من سيشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة؟

يتمحور الصراع السياسي حول ثلاثة اتجاهات رئيسة: استمرار نتنياهو في الحكم من خلال إعادة بناء ائتلافه، أو تشكيل حكومة جديدة بقيادة غادي آيزنكوت، أو التوصل إلى صيغة ائتلافية أوسع لتجنب انتخابات مبكرة.

يمتلك نتنياهو خبرة طويلة في إدارة التحالفات السياسية، إلا أن تراجع حلفه إلى 53 مقعداً يفرض عليه البحث عن شركاء جدد أو إقناع نواب من خارج ائتلافه بالانضمام إليه.

أما آيزنكوت، فيواجه مهمة جمع قوى المعارضة وتجاوز الخلافات بينها، وربما الحصول على دعم الأحزاب العربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وتبدو الأحزاب العربية صاحبة دور محوري في هذه المفاوضات، إذ إن مقاعدها التسعة عشر يمكن أن تغير الحسابات البرلمانية بصورة كبيرة، رغم وجود اعتراضات من أحزاب صهيونية في المعارضة على الاعتماد عليها لتشكيل الحكومة.

وفي ضوء المعطيات المتاحة حتى ساعة اعداد هذا التقرير، لا يمكن الجزم باسم رئيس الحكومة المقبل. فالنتائج الانتخابية لا تمنح أي حلف أغلبية مستقلة، والحسم يتوقف على المفاوضات الائتلافية والتكليف الرسمي بتشكيل الحكومة.

وإذا فشلت هذه المساعي، تبقى احتمالية الذهاب إلى انتخابات مبكرة قائمة.

التداعيات على القضية الفلسطينية

تعد القضية الفلسطينية من أكثر الملفات تأثراً بنتائج الانتخابات، نظراً لاختلاف أساليب الأحزاب الإسرائيلية في إدارة الحرب، مع وجود تقارب بين قوى سياسية رئيسية بشأن استمرار الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية ورفض إقامة دولة فلسطينية وفق الصيغ المطروحة حالياً.

فاستمرار نتنياهو وحلفائه اليمينيين قد يعني المحافظة على السياسات المتشددة تجاه الضفة الغربية والاستيطان ومستقبل قطاع غزة، مع استمرار الخلاف حول إدارة القطاع وترتيبات ما بعد الحرب.

أما تشكيل حكومة برئاسة آيزنكوت فقد يتيح مساحة أكبر لإعادة تنظيم العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وربما مراجعة بعض أساليب إدارة الملف الفلسطيني، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في الموقف الإسرائيلي من الدولة الفلسطينية أو الانسحاب من الأراضي.

وعليه، فإن التغيير المحتمل قد يظهر بصورة أكبر في أسلوب إدارة الصراع والضغوط الدولية، وليس بالضرورة في الأهداف السياسية والأمنية الإسرائيلية الأساسية.

التداعيات على لبنان وحزب الله

يمثل لبنان إحدى أهم ساحات التحدي الأمني للحكومة الإسرائيلية المقبلة، فإسرائيل تعدّ القدرات العسكرية لحزب الله والوجود العسكري على الحدود الشمالية من أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجهها.

ومن المرجح أن يستمر الضغط الإسرائيلي لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، مع استمرار الخلاف حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق الحدودية والترتيبات الأمنية اللازمة لوقف المواجهات.

وفي حال وصول حكومة جديدة برئاسة آيزنكوت، قد تتغير طريقة إدارة الملف اللبناني، خصوصاً من حيث التنسيق مع واشنطن والبحث عن ترتيبات دبلوماسية وأمنية، غير أن ذلك لا يعني التخلي عن المطالب الإسرائيلية المتعلقة بإبعاد التهديدات العسكرية عن الحدود.

وبالتالي، فإن مستقبل الاستقرار في لبنان لن يرتبط فقط بهوية رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل أيضاً بمسار التفاهمات الدولية ومواقف الأطراف اللبنانية والإقليمية.

التداعيات على سوريا

تحتل سوريا موقعاً مهماً في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية بسبب الجولان، والحدود الشمالية، وارتباط الساحة السورية بالتوازنات الإقليمية والنفوذ التركي والإيراني.

ومن المتوقع أن تواصل إسرائيل إعطاء الأولوية لمنع وجود تهديدات عسكرية تراها تُهدّد أمنها مباشرةً، ومراقبة انتقال الأسلحة والقدرات العسكرية إلى حزب الله، إلى جانب متابعة التطورات السياسية والأمنية في جنوب سوريا.

وقد تتيح حكومة إسرائيلية جديدة مجالاً أكبر للتفاهمات الدبلوماسية والأمنية، لكن من غير المتوقع أن يؤدي تغيير القيادة وحده إلى إنهاء التدخلات الإسرائيلية أو التخلي عن المطالب الأمنية المرتبطة بالحدود والجولان، وفق تصريحات سابقة للطرفين في الحملة الدعائية.

وتكمن أهمية الانتخابات بالنسبة إلى سوريا في تحديد ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستواصل الاعتماد بصورة أساسية على الضغط العسكري، أم ستمنح مساحة أكبر للمفاوضات والترتيبات الأمنية.

التداعيات على إيران

يبقى الملف الإيراني من أكثر الملفات التي يوجد بشأنها تقارب بين معظم القوى السياسية الإسرائيلية الرئيسية. فهناك توافق واسع على اعتبار البرنامج النووي الإيراني والصواريخ والنفوذ الإقليمي الإيراني تحديات استراتيجية للأمن الإسرائيلي.

وقد يستمر نتنياهو، إذا بقي في الحكم، في تبنّي سياسة الضغط والردع والتهديد باستخدام القوة العسكرية بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

أما حكومة برئاسة آيزنكوت فقد تعطي أهمية أكبر لإعادة التنسيق مع واشنطن والحلفاء، مع استمرار التركيز على إضعاف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية.

من هنا، فإن التغيير الحكومي المحتمل قد يؤثر في أدوات المواجهة وتوقيتها، لكنه لا يشير بالضرورة إلى تحول استراتيجي في الموقف الإسرائيلي من إيران، وفق ما يراه مراقبون، ووفق ما تتقاطع عليه تصاريح الجانبين خلال حملاتهم الدعائية قبيل الانتخابات، كما أن أي تصعيد بين الطرفين ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان وسوريا والعراق والخليج، وقد يهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله.

الموقف الأمريكي والعربي من نتائج الانتخابات

تتابع الولايات المتحدة نتائج الانتخابات الإسرائيلية بوصفها عاملاً مؤثراً في مستقبل التحالف الاستراتيجي بين البلدين، وفي إدارة ملفات سوريا وغزة ولبنان وإيران، ومن المرجح أن تسعى واشنطن إلى حكومة قادرة على اتخاذ قرارات مستقرة، وتجنب توسع المواجهات الإقليمية، والحفاظ على التنسيق الأمني والعسكري.

أما عربياً، فستراقب مصر وقطر مستقبل الترتيبات المتعلقة بغزة والوساطة، بينما ستتابع السعودية فرص التطبيع ومستقبل المسار السياسي الفلسطيني، كما سيظل الأردن معنياً بالتطورات في الضفة الغربية والقدس والحدود.

ومن المرجح أن تتوقف فرص تحسين العلاقات الإسرائيلية العربية على سياسات الحكومة المقبلة تجاه الفلسطينيين، ومدى استعدادها للتعامل مع المطالب العربية المتعلقة بالاستقرار والتسوية السياسية، وبآخر التطورات العسكرية في إيران.

السيناريوهات المستقبلية والتقدير الاستراتيجي

يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسة للمرحلة المقبلة، الأول، تشكيل حكومة جديدة برئاسة آيزنكوت بدعم من قوى المعارضة، مع احتمال الاستفادة من دعم عربي برلماني.

والثاني، نجاح نتنياهو في إعادة بناء ائتلاف يميني يضمن له الاستمرار في السلطة.

والثالث، فشل المفاوضات والذهاب إلى انتخابات مبكرة، بما يطيل حالة عدم الاستقرار السياسي.

وتشير المعطيات وفق مراقبين إسرائيليين، إلى أن التحدي الأكبر أمام إسرائيل لا يتعلق فقط بتحديد هوية رئيس الحكومة، وإنما بقدرة القيادة المقبلة على إدارة الأزمات الداخلية والخارجية في وقت واحد، خصوصاً الخلافات حول التجنيد الإجباري للحريديم، ومستقبل القضاء، وتداعيات الحروب، والعلاقات مع الولايات المتحدة.

(أم)

ANHA