حلب.. خناق اقتصادي واحتقان شعبي يصل إلى حد الانفجار

تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية ارتفاعًا في نسبة العيش تحت خط الفقر، نتيجة الارتفاع الجنوني لأسعار السلع، وتدني دخل الفرد، ويقول أهالي مدينة حلب إن الاحتقان المعاش الآن في المدينة وصل إلى حاجز الانفجار، أما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية فالوضع مختلف إلى حد ما.

بات العيش في مناطق سيطرة الحكومة السورية يتطلب العمل أكثر من عشرين ساعة ضمن ورديتين لتغطية الاحتياجات المعيشية أو الأساسية للأسرة الواحدة، في حين يعمل المجلس العام لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية على مساندة الأهالي بكافة السبل الممكنة، لتجاوز هذه المحنة الاقتصادية.

هنا نُظهر جزءًا من الواقع الاقتصادي المعاش حاليًا في مناطق سيطرة الحكومة السورية في مدينة حلب، بالاستناد إلى آراء أهالي هذه المدينة، والذين تحفظوا على الإدلاء بأسمائهم أو صورهم خوفًا من تعرضهم للاعتقال من قبل الأفرع الأمنية.

حيث لم تعد المقولة الشعبية السورية "أرخص من الفجل" -كناية على رخص الأسعار- تنطبق هذه الأيام حتى على "الفجل" نفسه، بعد الارتفاع الفاحش في أسعار المواد الغذائية والخضار والفاكهة، وباتت مسألة تأمين المواد الغذائية الأساسية موضوعًا يؤرق الأسرة في حلب.

82% من السكان تحت خط الفقر

 البنك الدولي أصدر تقريرًا عن الدول الواقعة تحت خط الفقر في شهر أيار من عام 2020، حيث تصدرت سوريا القائمة ب 82٪ من سكانها تحت خط الفقر، أي الحد الأدنى من الدخل الذي يستطيع عنده الفرد تحمل تكاليف المتطلبات الدنيا الضرورية للحياة اليومية.

ويتقاضى الموظف العامل في القطاعات الحكومية بسوريا 50 ألف ليرة سورية وسطيًا، أي ما يعادل 18 دولار، حيث يعدّ أدنى مستوى دخل في منطقة الشرق الأوسط، والمنطقة العربية، إن لم يكن بالعالم.

فعلى سبيل المثال، يبلغ الحد الأدنى من الأجور في مصر 115 دولارًا، وفي لبنان 475 دولارًا، أما في الدول الأوروبية كإسبانيا فيبلغ الحد الأدنى للأجور 1180 دولار أمريكي.

500 ألف ليرة شهريًّا للعيش في سوريا

فإذا قارننا ما بين أسعار المواد الاستهلاكية التي تصنع في سوريا من موادّ أولية تأتي من الخارج، سنجد أن كل أسرة سورية مكونة من 5 أشخاص تحتاج إلى 500 ألف ليرة سورية أو ما يعادل 200 دولار أمريكي للعيش وتوفير الاحتياجات الأساسية فقط.

وبالنظر إلى أسعار المواد الأساسية، والـ 500 ألف اللازمة، فيبلغ سعر جرة الغاز 15 ألف ليرة سورية، في حين إن أردت الحصول عليها بشكل نظامي وبسعر أقل من ذلك فقد تنتظر شهرين أو ثلاثة دون الحصول عليها حتى.

بينما يصل سعر الكيلو غرام من مادة السكر إلى 1300 ليرة سورية، ولتر المازوت إلى 450 ليرة سورية.

الأزمة على لسان التجار

تواصلت وكالتنا مع أحد تجار مدينة حلب (م، س) حول الاحتكار الحاصل بالمواد المخزنة وخاصة القطع الكهربائية، فأكد أن الموضوع الأساسي هو أن المواد الأولية وقطع التبديل للآلات تأتي من الخارج بالدولار، وبالتالي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مدروس لمنع الخسارة التي سيعانون منها.

ولفت التاجر (م، س) إلى أنه في حال أمّنت الحكومة كل ما يحتاجون إليه كصناعيين بأسعار مدروسة، ستتمكن من ضبط أسعار السوق وفرض شروطها على الصناعيين.

أما عن موضوع تداعيات قانون قيصر على تجار المدينة، فقد أشار إلى أن جميع القطاعات تضررت، لكن أكثرها تضررًا هو قطاع السيارات وقطع التبديل، والذي لا يوجد بديل عنه في الأسواق غير الأوروبية أو الأجنبية، لأن حتى معامل السيارات السورية تقوم بالتجميع فقط وليس التصنيع.

احتقان شعبي في مناطق الحكومة السورية

كانت ومازالت القبضة الأمنية التي تفرضها مؤسسات الحكومة السورية على أبناء الشعب السوري، واستخدامها قوة السلاح سببًا في اندلاع الاحتجاجات، ودخول الأزمة عامها التاسع ومع تعنت الحكومة في استخدام مثل هذه الممارسات، في ظل تقاعسها أمام تأمين المتطلبات الأساسية، وتوفير ما يحتاج إليه كل مواطن.

أحد مواطني حي صلاح الدين (م، أ) قال أثناء التواصل معه من قبل وكالتنا" نجد الاحتقان المعاش الآن في المدينة قد وصل إلى حاجز الانفجار، فالناس أصبحوا يتحدثون في الشوارع غير أبهين إن اعتقلوا أم لا، لا نريد سوى العيش بكرامة لا أكثر".

وتابع (م، أ)" ازدادت السرقات، والوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، بعضنا ادّخر المال في شبابه ليؤمن مستقبل أولاده، إلا أننا الآن نبيع أثاث البيت للعيش"

وتعليقًا على كلام المواطن (م، أ) عملنا على متابعة الجرائم التي حصلت خلال شهر حزيران في المدينة، فصادفنا العديد من الشكاوى المقدمة إلى الأفرع الأمنية بحسب نشرات الراديو المحلية، بخصوص عمليات نشل للسيارات الخصوصية، وخاصة في منطقة جمعية الزهراء، ما ينذر بازدياد معدل الجرائم في المدينة، إن بقي الحال على ما هو عليه.

إجراءات لتحسين الواقع المعيشي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية

وفي حيي الشيخ مقصود والأشرفية عمل المجلس العام على اتخاذ عدد من الإجراءات لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأهالي بالتنسيق مع المجلس الاقتصادي للأحياء، من خلال افتتاح مراكز تموينية لبيع المواد الأساسية بأسعار منافسة للأسواق، وتوزيع المحروقات عبر مراكز معتمدة.

والمراكز التموينية توزع المواد الأساسية كالسكر والرز والزيت النباتي بأسعار منافسة للسوق تقدر بفارق بين 100- 200 ليرة لكل كيلو، أي أن المواد تباع أرخص من السوق.

وعمل المجلس الاقتصادي أيضًا على تخزين بعض المواد لمنع الاحتكار في حال حدوثه، أو شح المواد نتيجة عدم استقرار الليرة، حيث ستوزع المواد عبر بطاقات تابعة للمجلس الاقتصادي على الأهالي لتطبيق العدل في التوزيع حسب حاجة كل أسرة.

أما المحروقات من الغاز والمازوت فيتم توزيعها بسعر التكلفة، إذ يتم بيع كيلو الغاز بـ 600 ليرة عبر مراكز المجلس بسعر يصل إلى 2700 ليرة للجرة الواحدة، بينما يبلغ سعر كيلو الغاز المنزلي 1200 ليرة في الأسواق، أي 7 آلاف ليرة، أما مازوت التدفئة فيوزع على الأهالي بسعر 190 ليرة للتر، حيث ستحصل كل أسرة بموجب دفترها على 100 لتر، كتوزيع مبدأي لحين تغطية الجميع، استعدادًا لفصل الشتاء القادم.

خناق اقتصادي يساهم بانتشار كورونا

إن العقوبات التي ضيقت على الحكومة السوري أثّرت في كافة المجالات المعيشية في البلاد وخاصة الصحية، في زمن ينتشر فيه فيروس كورونا، ومع أن وزارة الصحة التابعة للحكومة أكدت مرارًا وتكرارًا على تطبيق إجراءات صارمة للتصدي لفيروس كورونا، إلا أنها ظلت حبرًا على ورق.

وعند رصد الحياة اليومية للمواطن السوري في مناطق الحكومة تجد أنه معرض لأن يصاب بفيروس كورونا نتيجة الاختلاط الكبير، والذي يحدث بدءًا من وسائل النقل الداخلي التي لم ترفع تسعيرة الاشتراك، إلا أنها بدلًا من نقل 36 شخصًا تنقل 100 شخص دفعة واحدة، ما يؤدي إلى اندثار شيء يسمى مسافة الأمان.

كما أن تدني مستوى الدخل يجبر الحكومة على السكوت أمام الفساد المنتشر في المؤسسات، والذي بات لا يميز بين العواقب الوخيمة والإجراءات الاحترازية، حتى وإن كانت وسائل التعقيم موضوعة أمام المؤسسات أو الجامعات.

فعند تواصل مراسلي وكالتنا مع أحد موظفي مديرية التربية في حلب، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية وخوفًا من الفصل، أكد الأخير أنه مع الزيارة الأخيرة للوفد الوزاري لحلب تم تعبئة كافة خزانات وسائل التعقيم بالكلور والكحول، وبعد انتهاء الزيارة تم استبدال تلك المواد بخلط الماء بمعطر الأرضيات.

حيث إن الفساد المتغلغل في المؤسسات بات يشكل خطرًا على سير نهج التصدي لانتشار فيروس كورونا، حتى أصبح يهدد الصحة العامة ويضعها قاب قوسين.

ففي آخر تصريح لجهاز الرقابة المالية التابع للحكومة السورية محمد برق لجريدة "الوطن" أكد الأخير أن قيمة المبالغ المكتشفة جراء عمليات الاختلاس والتزوير لعام 2019 قد بلغت 13.5 مليارات ليرة سورية، وفقًا للأرقام الرسمية المعلنة، فكم قيمة الأرقام غير المكتشفة للاختلاسات الحاصلة في سوريا؟؟.

ANHA


إقرأ أيضاً