صراع الأحياء يطرق أبواب الموتى.. 3000 قبر في حمص مهدد بالإخلاء

تنتظر رفات 3 آلاف متوفي في محيط مقبرة الفردوس بمحافظة حمص، أين سيستقر بهم المطاف، بعد انتهاء المهلة المحددة لإخلاء القبور.

صراع الأحياء يطرق أبواب الموتى.. 3000 قبر في حمص مهدد بالإخلاء
الجمعة 30 تشرين الأول, 2026   16:07
مركز الأخبار

تتواصل حالة القلق بين أهالي مدينة حمص بشأن مصير نحو 3000 قبر في أرض ملاصقة لمقبرة الفردوس، بعد إعلان مجلس المدينة منح ذوي المتوفين مهلة ثلاثين يوماً لنقل رفات أقاربهم من الموقع.

وتتعلق القضية بالعقار رقم (1045) المجاور لمقبرة الفردوس، والمعروف لدى الأهالي باسم المقبرة القديمة أو المقبرة رقم (2)، والذي يضم قبوراً جرى تجهيزها خلال سنوات سابقة، قبل أن يتوقف الدفن فيه عام 2018، وينتقل بعدها إلى موقع آخر، وفق توضيحات إمام جامع الزهراء الشيخ سهيل العبد الله ورئيس جمعية النهضة سمير عباس، وذلك لتجنب الخلط بين المقبرة القديمة والموقع المستخدم حالياً للدفن.

وبحسب إعلان صادر عن مجلس مدينة حمص في 20 تشرين الأول الجاري، مُنح ذوو المتوفين مهلة شهر، تنتهي في 20 تشرين الثاني المقبل، لنقل قبور أقاربهم من العقار المذكور، استناداً إلى مخاطبات رسمية بين الجهات المعنية، وذلك بعد مطالبة مالكي الأرض بإخلائها تمهيداً للاستفادة منها واستثمارها، بوصفها ملكية خاصة وفق المعلومات المتداولة حول القضية.

موقع المقبرة وخلفية التوسعة

تقع مقبرة الفردوس في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة حمص، ضمن منطقة حي الأرمن الجنوبي، عند بداية طريق زيدل، بالقرب من حي الزهراء، وعلى أطراف المدينة.

وتُعد من المقابر المعروفة في المدينة، وقد ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بمشاريع توسعة متعاقبة، في ظل الحاجة إلى تأمين مساحات إضافية للدفن.

وتشير تغطيات إعلامية سابقة إلى أن المقبرة شهدت توسعة عام 2013 شملت استخدام جزء من الحديقة العامة المجاورة، المعروفة باسم حديقة الفردوس، فيما طُرحت عام 2019 توسعة أخرى امتدت باتجاه طريق زيدل وصولاً إلى حي الزهراء.

وفي 27 حزيران 2019، نشر مجلس مدينة حمص بياناً أعلن فيه تنفيذ مشروع توسعة مقبرة الفردوس بموجب العقد رقم 47 لعام 2018، وقال حينها إن نسبة الإنجاز بلغت نحو 50 بالمئة، وإن المشروع جاء نتيجة عدم قدرة المقبرة على استيعاب مزيد من القبور.

كما أشار إلى اجتماعه مع جمعية النهضة والمشرفين على المقبرة لمتابعة حفر قبور جديدة.

المشروع حينها أثار مخاوف لدى سكان حي الأرمن الجنوبي من إخلاء أراضٍ أو إزالة منازل لصالح التوسعة، مشيرين إلى أن المشروع شمل أعمالاً لتصوينة المقبرة وطرقات وصالة عزاء، وأن الحاجة كانت قائمة لإيجاد موقع جديد ملحق بها.

واعتراض أهالي المنطقة على مشروع التوسعة، متخوفين من أن المشروع قد يؤدي إلى إزالة منازل أكثر من 12 عائلة، وإن العمل يجري على أرض قالوا إنها ملكية خاصة ولم يصدر قرار باستملاكها، مشيرين حينها إلى أن مالك الأرض أقام دعوى قضائية ضد مجلس المدينة، وصدر قرار عن قاضي الصلح المدني الثاني في حمص بإيقاف تنفيذ المشروع بسبب مخالفة العقد وعدم وجود قرار استملاك، قبل أن يستأنف المجلس القرار.

وفي المقابل، أوضح رئيس مجلس مدينة حمص آنذاك عبد الله البواب في تصريحات إعلامية عدة، أن التوجه إلى التوسعة شمل أراضي محيطة بمقبرة الشهداء كانت تحمل صفة ملاعب رياضية، وقال إن موافقة الاتحاد الرياضي العام أُخذت، وإن إجراءات تغيير الصفة التنظيمية إلى مقبرة كانت تجري وفق المرسوم رقم 5 لعام 1982، مضيفاً أن الأراضي المعنية تخضع لأحكام القانون رقم 9 لعام 1974 المتعلق بالمشيدات العامة.

وأشار حينها إلى أن جداول المسح الفني لعام 2006 أظهرت وجود 16 مقسماً في المنطقة المخصصة للتوسعة، بينها 7 مقاسم تتضمن أسماء شاغلين، كما قال إن الدعوى القضائية كانت لا تزال قيد النظر، وإن المشروع تضمن معالجة مخالفات سكنية وخط للصرف الصحي قبل استكمال الدفن في بعض أجزائه.

موافقات التوسعة في مواجهة إعلان الإخلاء

وتعيد القضية الحالية إلى الواجهة تساؤلات حول طبيعة الموافقات الإدارية التي حصلت عليها الجهات المعنية خلال السنوات السابقة، والجهات التي منحتها، وما إذا كانت تشمل العقار رقم (1045)، وكيف جرى استخدام الأرض للدفن وتجهيز القبور فيها، وما إذا كان ذلك قد تم بموجب موافقات رسمية أم نتيجة توسع خارج نطاق الأراضي المخصصة للمقبرة.

مفاوضات لشراء الأرض وتجنب نقل الرفات

وفي موازاة الإجراءات المعلنة، برزت تحركات أهلية لمحاولة إيجاد حل يحافظ على القبور في مكانها، إذ كان مختار حي الزهراء قد تواصل في وقت سابق مع الأهالي، طالباً منهم نقل رفات ذويهم بناءً على طلب من الجهات المختصة، قبل أن يدعوهم في تسجيل صوتي بتاريخ 29 تشرين الأول الجاري إلى التريث وعدم الإسراع في اتخاذ هذه الخطوة.

وأوضح المختار أن عدداً من أبناء الحي التقوا مالك الأرض وتفاوضوا معه بشأن شرائها، بهدف الحفاظ على القبور الموجودة فيها، مشيراً إلى أن المفاوضات تحتاج إلى بعض الوقت للوصول إلى اتفاق، وأنه سيعلن أسماء الأشخاص الذين تولوا هذه المهمة بعد إنجازها.

وتفتح هذه المساعي تساؤلات حول الجهة التي ستتولى شراء الأرض ومصادر تمويل العملية، وما إذا كانت المفاوضات تتم بالتنسيق مع محافظة حمص ومجلس المدينة ومديرية الأوقاف وجمعية النهضة، أم أنها مبادرة أهلية، فضلاً عن إمكانية تحويلها إلى تسوية رسمية تنهي الإشكالية المتعلقة بملكية العقار واستخدامه للدفن.

وفي ظل استمرار المهلة المحددة في الإعلان، وعدم صدور قرار رسمي مكتوب بتعليق إجراءات الإخلاء حتى الآن، تتزايد أهمية حسم المفاوضات وتوضيح موقف الجهات المعنية، منعاً لوصول الأهالي إلى موعد انتهاء المهلة دون معرفة مصير القبور أو الإجراءات التي ستُتخذ لاحقاً.

أعباء إنسانية ومطالب بحل يحفظ حرمة القبور

ولا تقتصر القضية على خلاف يتعلق بملكية أرض أو استخدامها، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد إنسانية واجتماعية ترتبط بحرمة القبور وحقوق ذوي المتوفين، إذ يرى الأهالي أن نقل رفات الآباء والأبناء والأقارب يشكل عبئاً نفسياً كبيراً على العائلات، فضلاً عن صعوبة تنظيم نقل نحو 3000 قبر خلال فترة زمنية قصيرة، وما يترتب على ذلك من تكاليف وإجراءات.

ويطالب الأهالي بإيجاد حل يحول دون نقل الرفات، سواء عبر شراء الأرض أو تسوية وضعها القانوني أو اتخاذ إجراء يضمن بقاء القبور في مكانها، مع ضرورة مراعاة حقوق ذوي المتوفين وعدم تحميلهم أعباء إضافية نتيجة إشكالات إدارية وعقارية تحتاج إلى معالجة من الجهات المختصة.

وفي حال تعذر التوصل إلى اتفاق بشأن الأرض، تبرز تساؤلات حول الجهة التي ستتولى تنظيم نقل الرفات والإشراف عليه، وآلية توثيق القبور وضمان الحفاظ على هوية أصحابها، والمقابر البديلة التي ستستقبلها، والجهة التي ستتحمل التكاليف المترتبة على هذه العملية، بما يضمن عدم حصول أي خلل أو ضياع لحقوق العائلات.

وبين مهلة الإخلاء التي تقترب والمساعي الأهلية لشراء الأرض، يبقى مصير نحو 3000 قبر مرتبطاً بمدى قدرة الجهات المعنية على معالجة الإشكالية القانونية والإدارية، والتوصل إلى حل يوازن بين حقوق الملكية وحرمة الموتى وحقوق ذويهم، ويجنب العائلات مواجهة تجربة إنسانية قاسية تتمثل في نقل رفات أحبائهم.

(أم)

ANHA