مشروع استبدال المركبات في سوريا بين التحديث ومخاوف فقدان مصادر الرزق

يتحول مشروع استبدال المركبات القديمة في سوريا إلى مصدر قلق لأصحاب سيارات الأجرة والشاحنات، وسط غموض آليات التمويل وارتفاع الأقساط والرسوم، ومخاوف من استحواذ الشركات الخاصة على سوق النقل وإقصاء آلاف السائقين عن مصادر رزقهم.

مشروع استبدال المركبات في سوريا بين التحديث ومخاوف فقدان مصادر الرزق
الجمعة 30 تشرين الأول, 2026   04:38
مركز الأخبار

مع طرح بعض شركات النقل الخاصة أساطيل من سيارات الأجرة العامة والسيارات العاملة عبر التطبيقات، تتزايد مخاوف أصحاب سيارات الأجرة العامة في العاصمة دمشق من إحلال الشركات الخاصة محلهم وفقدانهم فرص العمل، ولا سيما مع استمرار دراسة مشروع استبدال السيارات القديمة الذي طرحته وزارة النقل، وسط غموض يحيط بآليات التمويل والتقسيط وشروط الاستبدال.

وبحسب مصادر من وزارة النقل لوكالتنا ANHA، لا يزال مشروع استبدال السيارات القديمة قيد النقاش والبحث، ويواجه معضلة كبيرة تتمثل في تأمين التمويل اللازم لتقسيط السيارات لأصحاب المركبات القديمة، أو إدخال شركات خاصة تمتلك أساطيل من السيارات الحديثة العاملة بالأجرة، كما هو الحال لدى الشركات التي تعمل وفق التطبيقات وشركات التكسي الصفراء.

وعُقد لأجل بحث المشروع حتى الآن عدة ورشات عمل، من دون التوصل إلى صيغة نهائية حتى الآن.

وأضافت المصادر أن الحديث يقتصر حالياً على محافظة دمشق، على أن يشمل الاستبدال جميع المحافظات لاحقاً، وأن يتناول سيارات الأجرة العامة والسرافيس وباصات النقل الداخلي وباصات النقل بين المحافظات، ولا سيما أن بعض السيارات العاملة في دمشق لنقل الركاب تجاوز عمرها الزمني أربعة عقود، أي أكثر من ثلاثة أضعاف عمرها الافتراضي وفق المعايير العالمية المعتمدة.

وتعمل وزارة النقل على دراسة الملف مع القطاع الخاص، لبحث استبدال سيارات الأجرة والميكروباصات والشاحنات ومركبات النقل بين المحافظات، ولم تُحسم الصيغة النهائية بعد، كما لم يُطرح الملف، وفق المعلومات المتداولة، على مستوى السيارات الخاصة أو بقية المحافظات.

مشروع قيد الدراسة.. ولا قرار إلزامياً حتى الآن

وكانت وزارة النقل السورية قد نفت، في 28 كانون الثاني 2026، صدور قانون جديد يتعلق باستبدال السيارات القديمة أو تحديد المركبات المشمولة بإجراءات إلزامية، موضحة أن ما ورد في تصريح مدير نقل دمشق، مأمون عبد النبي، يندرج ضمن دراسة قانونية لإمكانية استبدال المركبات التي تجاوزت عمرها الافتراضي، وأن الملف لا يزال في مرحلة البحث والتقييم، من دون صدور قانون أو قرار نافذ حتى ذلك التاريخ.

وقالت الوزارة إن أي مقترحات أو مشاريع قوانين تخضع لمراحل تقييم تشمل دراسة آثارها المالية والاجتماعية، ومراجعة المعايير الفنية للمركبات، والتشاور مع الجهات المعنية والمختصين، على أن يُعلن عن أي قرارات رسمية عبر القنوات المعتمدة.

وفي 27 تشرين الأول الجاري، أدرجت وزارة النقل مشروع استبدال مركبات النقل القديمة، بما فيها سيارات الأجرة والسرافيس والشاحنات، ضمن أولوياتها للفترة 2026–2028، إلى جانب تطوير البنية التحتية والتشريعات وإصلاح الإطار التنظيمي للنقل البري. ولم يتضمن الإعلان حسم شروط الاستبدال أو تحديد موعد لبدء تطبيقه.

24 ألف سيارة أجرة وخمسة آلاف ميكروباص في دمشق

وتشير أرقام مديرية نقل دمشق إلى وجود نحو 24 ألف سيارة أجرة عامة تعمل في العاصمة، ونحو خمسة آلاف ميكروباص، تجاوز بعضها العمر التشغيلي، ويعود عمر بعضها إلى عقود مضت.

وتواجه هذه المركبات مشكلات تتعلق بتقادمها الفني، وارتفاع تكاليف صيانتها واستهلاكها للوقود، فضلاً عن تأثيراتها البيئية ومخاوف تتعلق بشروط السلامة والمظهر العام، ومدى ملاءمتها لمتطلبات النقل والسياحة.

وتتجه أنظار أصحاب شركات السيارات إلى المشروع، بوصفه فرصة لتوسيع سوق المركبات الحديثة العاملة بالأجرة.

وحسب رصد مراسلينا، هناك دراسة استبدال قدمته بعض الشركات بالنسبة للسيارات العامة وقدمت بعض المقترحات بهذا الخصوص.

وأوضحت مصادر في وزارة النقل، أن أحد السيناريوهات المقترحة هو "التقسيط" يتضمن تسديد دفعة أولى بقيمة 4800 دولار، وتقسيط بقية المبلغ على مدى سنة، بقسط شهري قدره 741 دولاراً، بما مجموعه 8892 دولاراً، ليصل سعر السيارة مع الدفعة الأولى إلى 13692 دولاراً.

وأضاف نقلا عن الدراسة، أن المبلغ يمكن تقسيطه على مدى سنتين أو ثلاث سنوات، لكن بفوائد أعلى، معتبراً أن القسط الشهري مرتفع، إلا أن احتساب ما يوفره السائق من تكاليف الإصلاح واستهلاك الوقود والزيت وغيرها قد يساعده على تسديد الأقساط.

أما من ليست لديه القدرة على دفع الأقساط، فيمكنه، وفق أحد الخيارات التي طرحتها الشركات، بيع النمرة والاستفادة من مبلغ مالي لشراء سيارة من موديل أقدم، لكنها أفضل من سيارته الحالية.

السائقون يحذرون من الأقساط المرتفعة والبطالة

وتتزايد مخاوف السائقين من غموض مشروع الاستبدال وعدم وضوح شروطه النهائية.

ويرى حمزة أبو مجد، سائق سيارة تكسي من نوع ميتسوبيشي قديمة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، أن الاستبدال مكلف جداً، ولا يمكنه تأمين أقساط تتراوح بين 400 و700 دولار شهرياً، موضحاً أن السيارة الواحدة يعتاش منها أكثر من عائلة، وأن هذه المبالغ مرتفعة جداً، ولا سيما عند احتساب فوائد التقسيط.

ودعا إلى تقسيط المبالغ عبر بنوك معتمدة في سوريا على مدى خمس سنوات، مع تقديم التسهيلات اللازمة لضمان نجاح عملية الاستبدال، محذراً من أن ترك المشروع تحت سيطرة التجار قد يؤدي إلى سيطرتهم على سوق العمل في قطاع السيارات العامة، وانتشار البطالة على نطاق واسع.

من جانبه، يرى السائق غالب أبو جهاد، وهو فلسطيني الأصل يعمل على سيارات أجرة بدمشق منذ 20 عاماً، أن عمله تراجع كثيراً مع انتشار السيارات الحديثة والسيارات العاملة عبر التطبيقات، فضلاً عن انتشار الدراجات النارية التي تنفذ الطلبات داخل العاصمة.

وأشار إلى أن التجار يطمحون إلى الاستحواذ على سوق التكسي، لافتاً إلى أن شركات جديدة تطرح سيارات حديثة، ومنها سيارات تقودها النساء وذات دفع رباعي، وتحصد الحصة الأكبر من العمل، بينما يعاني أصحاب سيارات الأجرة العادية مع شرطة المرور عند التوقف وانتظار صعود راكب إلى التكسي.

رسوم الاستبدال.. عبء إضافي على أصحاب المركبات

ويستند مؤيدو الاستبدال إلى أن السيارات المتقادمة لم تعد تقدم خدمة ترضي المواطنين، وأن صيانتها واستهلاكها للوقود يكلفان أصحابها مبالغ كبيرة.

في المقابل، تبرز مخاوف من إجحاف المشروع بحق مالكي السيارات العامة والخاصة في سوريا، ولا سيما في ظل وجود قانون قديم للاستبدال يرى بعضهم أنه يصب في مصلحة التاجر على حساب مالك السيارة.

ويرى الأستاذ الجامعي في كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة دمشق، أيهم حساني، أن مشروع الاستبدال "مهم وضروري جداً"، لكنه حذّر مما وصفه بهجوم أصحاب الشركات الخاصة للاستحواذ على حصة أصحاب المركبات والحلول محلهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان آلاف الأسر فرص عملها ومصادر دخلها، إذا افترضنا أن كل سيارة تعيل أسرتين فقط.

ولفت إلى ضرورة إعفاء أصحاب السيارات العامة من رسوم الجمارك، البالغة 2500 دولار، ورسم اللوحة، البالغ 600 دولار، ورسم الفراغ، البالغ 150 دولاراً، إلى جانب العمل مع بنوك تمنح قروضاً ميسّرة لاستبدال السيارات.

وأضاف أن تحميل أصحاب السيارات هذه الرسوم قد يعرقل معالجة المعضلة، محذراً من أن تعامل الدولة مع الاستبدال بوصفه مشروعاً استثمارياً يهدف إلى تحصيل رسوم مرتفعة قد يؤدي إلى تعثر المشروع وفشله، ويفتح المجال أمام الشركات للحلول محل أصحاب سيارات الأجرة الصفراء والسيارات العامة.

الشاحنات المتهالكة.. تحدٍّ أكبر أمام الاستبدال

ولا يقتصر ملف استبدال المركبات القديمة على سيارات الأجرة والسرافيس، إذ يشمل أيضاً الشاحنات الكبيرة المتهالكة، التي تواجه تحديات تتعلق بارتفاع أسعار المركبات الحديثة، وتكاليف الاستيراد والرسوم، وصعوبة تحديث الأسطول، فضلاً عن أن تقادمها الفني قد يحد من قدرتها على المنافسة في النقل الإقليمي والدولي، ولا سيما مع وجود دول تفرض معايير فنية وبيئية لا تستوفيها بعض الشاحنات القديمة.

وتثير عملية استبدال الشاحنات تساؤلات بشأن قدرة أصحابها على تحمل تكاليف شراء مركبات حديثة، في ظل ارتفاع الأسعار من جهة، والحاجة إلى معالجة الرسوم الجمركية وغيرها من الأعباء من جهة أخرى، فضلاً عن المصالح التجارية المرتبطة باستيراد السيارات والشاحنات وبيعها، على ما أفاد به بعض المالكين.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة النقل، في 7 حزيران 2026، العمل على إيجاد صيغ تمويل ميسّرة لتحديث أسطول الشحن البري، تشمل قروضاً طويلة الأجل تتراوح بين خمس وعشر سنوات، بما يمكّن أصحاب الشاحنات من اقتناء مركبات جديدة وتسديد أقساطها من عائداتها التشغيلية.

وأكد وزير النقل يعرب بدر أن تقادم نسبة كبيرة من الشاحنات العاملة وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة ينعكسان على كفاءة النقل وقدرة الناقل السوري على المنافسة إقليمياً ودولياً.

وبحسب البيانات التي نشرتها "سانا" عن وزارة النقل، يزيد عدد الشاحنات العاملة التي يتجاوز وزنها الإجمالي 3.5 أطنان على 245 ألف شاحنة، تجاوز عمر نحو 62% منها 20 عاماً، في حين لا تتجاوز نسبة الشاحنات التي يقل عمرها عن عشر سنوات 1% من إجمالي الأسطول، بينما تبلغ نسبة الشاحنات التي يتراوح عمرها بين 11 و20 عاماً نحو 37%.

وتعمل الوزارة على إعداد برنامج تدريجي لتحديث الأسطول الوطني للشاحنات، يستهدف استبدال ما لا يقل عن 10% من الشاحنات سنوياً، لاستكمال عملية التجديد خلال فترة لا تتجاوز سبع سنوات.

وتتراوح أسعار الشاحنات الثقيلة الجديدة المصنعة في الصين، التي تزن 11 طناً فما فوق، بين 60 و75 ألف دولار، بينما تتراوح أسعار الشاحنات الأوروبية والأمريكية من الفئة ذاتها بين 100 و150 ألف دولار، وفق لوائح أسعار حديثة نشرت من الشركات المصنعة وضمن معارض الاليات.

تحديث النقل أم تغيير ملكية سوق الأجرة؟

وبينما تتجه وزارة النقل إلى دراسة تحديث أسطول المركبات القديمة ضمن خطط تطوير القطاع، لا تزال آليات الاستبدال والتمويل وشروط الشراكة مع القطاع الخاص بحاجة إلى حسم، في وقت يحذر فيه أصحاب سيارات الأجرة من أن تؤدي الأقساط المرتفعة والرسوم إلى إخراجهم من سوق العمل لمصلحة الشركات التي تمتلك أساطيل حديثة.

ويطرح المشروع تحديين متلازمين: تحديث المركبات وتحسين السلامة وجودة خدمات النقل، وتأمين شروط تمويل عادلة تتيح لأصحاب السيارات والشاحنات الحالية الاستمرار في العمل، من دون أن يتحول الاستبدال إلى عبء مالي يدفعهم إلى التخلي عن مصادر رزقهم.

(أم)

ANHA