هل ينهي تقارب العسكر والمدنيين صراع السلطة في السودان؟

كشفت تقارير صحفية عن انفراجة قريبة قد تشهدها الأزمة السودانية وذلك بعد مرور عام على الاحتجاجات الشعبية عقب انقلاب المكون العسكري الحاكم على المكون المدني والإطاحة بحكومة عبد الله حمدوك، فهل ينهي التقارب بين الطرفين هذا الصراع؟

هل ينهي تقارب العسكر والمدنيين صراع السلطة في السودان؟
الجمعة 25 تشرين الثاني, 2022   02:33
 القاهرة - محسن المصري

وأعلنت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) السودانية الأربعاء 16 تشرين الثاني أنها توصلت إلى اتفاق مبدئي مع المؤسسة العسكرية يضع ضمانات لتشكيل حكومة مدنية بالكامل.

وحسب وسائل إعلام، جاء في بيان صدر عقب اجتماع المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير "بعد دراسة مستفيضة أقر المجلس المركزي بالإجماع تصوراً بعنوان "نحو عملية سياسية ذات مصداقية وشفافية تنهي الانقلاب وآثاره وتكمل مهام ثورة ديسمبر المجيدة". وكشف البيان عن أن الاتفاق سيوقّع مع المكون العسكري في غضون عشرة أيام فيما يوقع اتفاق تفصيلي ونهائي بعد حوالي شهر.

يأتي هذا فيما حذر خبراء من اجتزاء الأزمة السودانية وتصويرها على أنها مجرد خلاف سياسي بين المدنيين والعسكر.

وشدد الخبراء على ضرورة وجود مراقبة دولية وضغوط من المجتمع الدولي على المكون العسكري الحاكم من أجل الالتزام بتسليم السلطة للمدنيين، محذرين من تحول الاتفاق لهدف شكلي في حد ذاته دون متابعة نتائجه.

تسوية معطوبة

ويرى الباحث السوداني عباس صالح أن الأزمة السياسية في البلاد أعمق من ثنائية عسكري – مدنيين، وبالتالي أي تسوية تقوم على هذا الأساس سوف تؤدي إلى إعادة إنتاج التجربة السابقة، كما ستكرس أيضاً لاستدامة الصراع المؤدي للفراغ السياسي في البلاد.

وقال صالح لوكالتنا "على الرغم من أن "الرباعية الدولية" تعتبر الوسيط بين المكون العسكري والمجموعات المدنية، ولكنها مع ذلك لن تكون ضامناً لتحقيق النجاح أو التسوية المرتقبة خاصة انطلاقها من رؤية تبسيطية ترى أن مجرد الجمع بين شركاء السلطة بعد سقوط البشير كفيل بإنهاء تلك الأزمة، وتستخدم في ذلك الترغيب والترهيب للجمع بين دوائر صغيرة لا يمكنها احتكار الشرعية السياسية والاضطلاع بمهام انتقالية تتطلب شرعية شعبية أوسع وأكبر".

ورأى صالح أن "التسوية التي تعمل الرباعية على إخراجها من خلال شراكة جديدة بين العسكر والمدنيين ستكون تسوية "معطوبة" تحوز على الشرعية من الخارج، ولكن ستغرق في مشكلات وتعقيدات الداخل وأن الفترة الانتقالية ستكون مضطربة على كافة الصعد".

مأزق وجودي

من جانبها، رأت الباحثة المصرية في الشؤون الأفريقية الدكتورة فريدة البنداري، نائبة مدير المركز العراقي - الأفريقي للدراسات الإستراتيجية، أنه بعد ثلاث سنوات ونصف من إطاحة الجيش السوداني بالحاكم السلطوي عمر البشير، استجابة للاحتجاجات الحاشدة، تعمل القيادة العسكرية الحالية والانقسامات بين الفصائل السياسية على تأخير العودة لحكومة مدنية منتخبة".

وقالت فريدة لوكالتنا "إن السودان يعيش الآن في مأزق سياسي وجودي حقيقي، وبالتالي للخروج من هذا المأزق يحتاج إلى تشخيص دقيق لما يحدث خاصة في ظل وجود تحديات اقتصادية أساسية ناجمة عن سنوات من سوء الإدارة عبر ثلاثين سنة ونيف، فضلاً عن أن الاقتصاد انكمش بشكل حاد منذ عام 2015، ولا تزال فرص العمل والسلع اليومية نادرة، وقد بلغ التضخم 400٪ ومن المتوقع أن يتضخم الدين الوطني ستة أضعاف إلى 1.2 تريليون دولار بحلول عام 2025".

وحسب فريدة "على الرغم من الإعلان عن بنود الاتفاق الجديد بين القوى المدنية والمجلس العسكري، إلا أن الوضع في السودان لا يزال شديد التقلب مع إمكانية وجود مسارات متباينة متعددة"، لافتة إلى أن "هذه المسارات ستعتمد على المباحثات التي يجريها القادة العسكريون والمدنيون المعنيون وكذلك ردود الجهات الخارجية الرئيسة".  

وحول مدى إمكانية التزام المكون العسكري باتفاقه مع المدنيين، أكدت فريدة أن "السودان شهد أكثر من انقلاب للمكون العسكري على المرحلة الانتقالية، ولم يكن انقلاب 25 أكتوبر الذي أطاح بحكومة حمدوك أول انقلاب للمكون العسكري على المرحلة الانتقالية، فقد سبق وحدث انقلاب بعد مجزرة فض الاعتصام أمام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، عندما استولى العنصر العسكري على السلطة".

وأشارت إلى أن "هذا المشهد يسلط الضوء على عدم التزام الجيش بالتحول الديمقراطي خاصة أن الحكومات العسكرية قادت السودان منذ الاستقلال عام 1956، ما عدا 10 سنوات، لذا فإن التخلي عن هذا الأمر صعب".

تحديات صعبة

ورأت فريدة أن "هناك تحديات تواجه إتمام هذا الاتفاق؛ أهمها وجود أزمة ثقة وقليل من الألفة بين القادة المدنيين والعسكريين، كما يواجه التحالف المدني الذي يعكس خلفيات متباينة الكثير من الانقسامات والاتهامات بأنه لم يمثل بشكل كافٍ مصالح المناطق الطرفية في السودان، كما أن الانتقال إلى الحياة المدنية يشوبه التعقد والصعوبة بسبب التنافس داخل قطاع الأمن السوداني، لا سيما بين القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان حميدتي".

واعتبرت فريدة، أن وجود فصائل أمنية مسلحة متعددة تمارس السلطة المنفصلة عن النظام هو برميل بارود لعملية الانتقال من الحياة العسكرية إلى الحياة المدنية.

وتوقعت الباحثة المصرية أن يؤدي اقتراح مشاركة الجماعات المتمردة التي بقيت في الحكومة بعد الانقلاب، والأحزاب السياسية من خارج قوى الحرية والتغيير التي شاركت في كتابة مسودة الدستور، والجماعات النقابية والاحتجاجية كمكونات داخل تشكيل النظام السياسي الجديد لانتقادات من جماعات الاحتجاج.

الضغط الدولي

وحول مدى احتمالية نجاح الاتفاق، شددت أن الضمانات لنجاح أي اتفاق سوداني، هو مشاركة دولية منسقة ومستدامة وعالية المستوى، لافتة إلى أن كلمة وزير الخارجية الأميركية، أنتوني بلينكن تمثل نموذج الضغط الدولي، إذ قال في تغريدة على تويتر في وقت سابق "إن انقلاب الجيش السوداني على حكومة بقيادة مدنية تقويض لتطلعات الشعب السوداني الديمقراطية "، وفي نفس الوقت دعت 13 دولة و الاتحاد الأوروبي والآلية الثلاثية، إلى ضرورة تشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية في السودان، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لإجراءات استثنائية فرضها قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان.

وأضافت "تحيي هذه الردود مجتمعةً، بعض الآمال بإرغام المؤسسة العسكرية على البعد عن المشهد السياسي في الدولة والسماح بعودة الحكومة المدنية إلى السلطة بطريقة سلمية".

وشددت على ضرورة قيام الجهات الداعمة للانتقال الديمقراطي في السودان، سواء في الداخل أو الخارج، ببذل جهود أكبر من مجرد السعي لإعادة الوضع القائم السابق من أجل معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمظالم المناطقية التي هي أساس الأزمة السياسية في البلاد؛ ولكن الأكثر إلحاحاً هو اتخاذ خطوات جريئة لوضع العلاقات المدنية العسكرية على مسار جديد.

(ي ح)

ANHA