​​​​​​​زيارة رئيسي هل هي استباق لعودة سوريا للبيت العربي؟- فرح صابر

​​​​​​​زيارة رئيسي هل هي استباق لعودة سوريا للبيت العربي؟- فرح صابر
الأربعاء 3 مايو, 2023   04:04

يتوجّه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا اليوم، في زيارة سيلتقي خلالها الرئيس السوري بشار الأسد، وهي أول زيارة لرئيس إيراني إلى سوريا منذ أن اندلعت الثورة السورية عام 2011، وتكتسب زيارة رئيسي إلى دمشق أهمية بالغة نظراً للتطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

واللافت أن أجندة الوفد لن تقتصر على الجانب السياسي بل يحتل الاقتصاد فيه دوراً كبيراً، إذ يرافق الرئيس الإيراني وفد اقتصادي كبير.

المصالحة السعودية الإيرانية والتغير الجيو استراتيجي في المنطقة

وتُظهر جميع المؤشرات أن الزيارة الحالية تأتي في ظل المصالحة السعودية – الإيرانية التي أضفت أجواء إيجابية على المنطقة، بدءاً من اليمن، ومروراً بلبنان، ووصولاً إلى سوريا.

فاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران، وحدوث انفراجة فيما يتعلق بفك العزلة المفروضة على النظام السوري مهّدا الطريق إلى الزيارة، وأيضاً يمكن إدراج الزيارة في سياق محاولة إيران لضبط إيقاع تحرك النظام السوري المتسارع بعد أن انهمرت عليه دعوات العودة الى الصّف العربي، ولا ينكر أن الإيرانيين يحاولون أيضاً استثمار الانشغال الروسي في اوكرانيا لتعزيز مكاسبهم في سوريا التي يُعّد الروس فيها اللاعب الرئيسي الذي يوفر الحماية الدولية للنظام في وجه العزلة الدولية والعقوبات الخانقة التي يفرضها المجتمع الدولي.

أهداف إيران في سوريا

حسب التسريبات، فمن المتوقع أن تتم مناقشة عدد من المحاور التي تهم الطرفين، لا سيما الجانب الإيراني تحديداً، فالزيارة لن تكون تقليدية، إذ سيتخللها توقيع العديد من البروتوكولات ومذكرات التفاهم، إذ تأمل إيران أن تستثمر في مساعدتها للنظام السوري، وتشير التقديرات إلى أنها صرفت حتى الآن أكثر من 20 مليار دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية، وإذا ما تم تطبيع علاقات سوريا مع الدول العربية، فمن المؤمل أن تبدأ مرحلة الإعمار في سوريا والتي ستتطلب مئات الملايين من الدولارات، وتسعى إيران إلى أن يكون لها نصيب كبير في حملة الإعمار القادمة، وأن يدفع نظام الاسد فاتورة الدعم العسكري والمالي التي قدمتها طهران.

 كما تريد الأخيرة تموضعاً عسكرياً واستراتيجياً يعزز موقعها في الإقليم، وأن يكون لها موطئ قدم استراتيجياً على البحر المتوسط، وتضع إيران عينها على حقول النفط والغاز والفوسفات والاتصالات، وأشارت بعض المصادر إلى أن إيران حصلت على 5000 هكتار من الأراضي الزراعية في سوريا مقابل سداد الديون التي في ذمة نظام دمشق.

أيضاً من المسائل المهمة التي تركز عليها طهران في علاقتها مع دمشق، الإبقاء على ما يسمى محور المقاومة موحداً في وجه التحديات التي تواجهها في المنطقة، إذ تعد طهران هذا المحور أحد أدواتها الجيواستراتيجية للتمدد في المنطقة وفرض هيمنتها السياسية والعسكرية عليها، ومن الجهة الأخرى، فإن دعم هذا المحور، لا سيما الدعم العسكري للنظام السوري، يضع في يد إيران ورقة ضغط مهمة في مواجهة خصومها التقليديين في الغرب، وتحديداً في المفاوضات النووية مع الأميركيين. وبالنتيجة فإن سقوط النظام في سوريا سيكون بداية لانهيار هذا المحور.

روسيا وتعزيز مكاسبها الاستراتيجية

بالنسبة للدور الروسي، فإن موسكو منخرطة بشكل عميق في الأزمة السورية، منذ أن دخلت قواتها إلى أراضي سوريا بطلب رسمي من النظام، ومنذ البداية فكرت موسكو في حلحلة الأزمة السورية. وتحاول روسيا إشراك إيران مع تركيا لمناقشة الموضوع السوري. إذ تحاول موسكو استثمار العلاقات القائمة بين طهران وأنقرة لإشراك إيران في تهدئة مخاوف تركيا، التي تعد القضية السورية أحد شواغلها الإقليمية المهمة. ففي كانون الماضي دعت موسكو إلى اجتماع لوكلاء وزراء الدفاع في روسيا وسوريا وتركيا، هدفها تطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة، وتضمّن الاجتماع دعوة لإيران لتكون الطرف الرابع لحضور الاجتماع القادم في موسكو. وفي اجتماع يوم الخامس والعشرين من نيسان الماضي في موسكو، حضرت إيران الاجتماع رسمياً، إلى جانب الأطراف الثلاثة، وتأمل موسكو من تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق تهدئة المخاوف التركية من الأوضاع في الشمال السوري، والسماح لتركيا بإنشاء منطقة عازلة بعمق أربعين كيلومتراً في جوارها الجغرافي مع سوريا، ووضع الإدارة الذاتية بين كماشتي النظام في دمشق وأنقرة. ولهذا تُلحّ موسكو في الضغط على النظام في سوريا لتطبيع العلاقات مع أردوغان، وبالطبع فإن بوتين في سعيه هذا يريد أن تكون إيران وسيطاً مع روسيا لتطبيع العلاقات بين الأسد وأردوغان. وتُهيئ موسكو الأجواء للقاء مرتقب ترتب له موسكو بين الرئيسين التركي والسوري، وهذا أيضاً يعزز موقع أردوغان الداخلي وهو مقبل على انتخابات رئاسية فرصة فوزه فيها على المحك في مواجهة معارضة محتشدة ضده. وفوز أردوغان يعد مكسباً مهماً لبوتين، الذي يعاني في حربه التي طالت في أوكرانيا. كذلك فإن تطبيع العلاقات بين سوريا وتركيا يعزز من المكاسب الاستراتيجية لموسكو التي حققتها من تدخلها في سوريا. ويبدو أن المساعي الروسية أثمرت في إنجاح لقاء نواب وزراء خارجية سوريا وتركيا وإيران الذي استضافته العاصمة الروسية. ولكن السؤال الجوهري، هل تنجح زيارة رئيسي في تعزيز المكاسب الإيرانية في سوريا في خضم رياح التغيرات العاصفة التي تهز المشهد السوري على جميع الجبهات، لا سيما من جهة ترتيبات إعادة سوريا إلى البيت العربي، الذي يحاول أن يسحب سوريا نحوه، وهو ما لا ترغب به طهران مطلقاً لأنه سيقضم من جرف مكاسبها السياسية والاستراتيجية التي نسجتها طوال سنوات الأزمة السورية التي تبدو وكأنها باتت تشرف على حلٍ قد يبدو مقبولاً من جميع الأطراف.

الأكاديمية في جامعة بغداد الدكتورة فرح صابر