أردت أن نكتب الأخبار معاً – بريتان إيرلان 

أردت أن نكتب الأخبار معاً – بريتان إيرلان 
الجمعة 8 آب, 2025   07:25

كنت أرغب أن أجمع بعضاً من حجارة بحيرة وان، وأسقيها بقطرات من مائها، وأضعها في قارورة، ثم أسلك الطريق المؤدي إلى قرية خَجَة خاتون. أن أصل إليكِ، كما كان قلبي دوماً يتوق. كنت أتمنى أن أضع تلك الحجارة فوق ترابك، وأسقيها بماء البحيرة، كما رغبتِ أنتِ. أن ألمس شعركِ كما يُلمَسُ الورد، خصلةً خصلة. أن أكون رفيقتكِ، كما التقت أشعة شمس تندورك. أن يلتقي شوقكِ إلى وان، مع شوقي إليكِ.

نعم، أختي العزيزة دنيز فرات... كما كنا دوماً، نحن بعيدتان مرة أخرى، تفصلنا حدود، ولا يمكنني أن أصل إلى حجارة بحيرة وان، ولا أن أحقق أمنية قلبكِ الصغير الكبير.

آخر مرة تحدّثتُ فيها معكِ، طلبتِ مني أن أحتفظ بذكراكِ، وكان ذلك في مطلع تموز 2014، حينها كنتِ حزينة، متعبة. كما لو أنكِ شعرتِ أن اللقاء القادم لن يأتي، وأنكِ سترحلين... لكنني لم أعلم أنها المرة الأخيرة التي سأراكِ فيها. ذهبتُ نحو وان، وأنتِ بقيتِ في حرارة مخمور.

في آب 2014، حلّت المجزرة على شنكال، اجتاح داعش مخمور، وكان صوتكِ الأخير صدىً لنساء شنكال، ونداءً لمقاومة الكريلا هناك. كنتِ تتحدثين على الشاشات، توصلين صوت النساء.

كان لكِ حلم... أن يُهزم داعش، أن تتغير عقلية السلطة، وأن تتحرر النساء. ذلك الحلم صار واقعاً، خطوةً خطوة. تحرر شنكال ومخمور. وبعدكِ، بدأتُ أنا أيضاً العمل الصحفي. قالت والدتكِ: «ليحمل أحدهم كاميرا دنيز»، فبدأنا أنا وبِنَفش. ورغم كل الصعوبات، ما زلتُ أعمل حتى اليوم في مهنة الصحافة، وسأتحدث عنكِ بلغتكِ، كصحفية، عما جرى بعدكِ.

دنيز، بعدكِ، تحررت مخمور، تحرر شنكال، واستعادت نساء شنكال قوتهن، دافعن عن أنفسهن، وخلعن ثياب السواد، وتألّقن كطائر الطاووس. كثيرات منهن أصبحن صحفيات، سرن على دربكِ، ودرب صديقتكِ نوجيان إرهان، وكتبن عن آلام ومقاومة نساء شنكال.

تحررت كوباني، وكسر الشباب الكردي الحدود، ورفعوا راية الحرية. توحّدت قلوب الكرد، وتشاركوا الأمل. النساء أشعلن مجدداً شعلة المقاومة، أصبحن رمزاً للحرية والأمل في العالم. ضفائرهن السوداء التي صفعت وجه داعش، كانت صفعة لعقلية الذكورة، وعكست صورة المرأة للعالم أجمع. قوتهن، بوعيهن وسلاحهن، تحوّلت إلى رمز لحرية المرأة. داعش وحلفاؤه الذين قالوا "كوباني ستسقط"، غرقوا في الظلمة، ونحن خرجنا إلى النور.

نار مقاومة روج آفا امتدّت إلى روجهلات كردستان. جينا أميني قُتلت على يد شرطة الأخلاق، فقط لأن شعرها كان ظاهراً. لكنها، للمرة الأولى، أضاءت شعلة الحرية في روجهلات. النساء صرخن: كفى! وانطلقت انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية". نساء روجهلات، كنساء شنكال والرقة، مزّقن ستار السواد، ورفعن رؤوسهن. مقاومتهن، مثل خصلات شعرهن المبعثرة في الريح، انتشرت في كل أصقاع الأرض. من روجهلات إلى روج آفا، من باكور، من تركيا إلى أوروبا وأمريكا، من أفغانستان إلى الهند... النساء صرخن بصوتٍ واحد: المرأة، الحياة، الحرية. هذه الكلمات الثلاث، التي انبثقت من فكر القائد عبد الله أوجلان، صارت أساس نضال حرية المرأة في العالم.

دنيز، مرّت تسع سنوات، ومقاومة عظيمة تشكّلت... لكن العقلية الذكورية الرجعية ما تزال مستمرة. في أفغانستان، في إيران، في سوريا، في المخيمات، في السويداء، في العراق... مستمرة.

النظام الرجعي سلّم سلطته للمسلحين. في أفغانستان، حكمت طالبان. في سوريا، التنظيمات التي ورثت داعش تولّت السلطة. يحاولون من جديد أن يُلبسوا النساء السواد.

بعد تسع سنوات، تعافت شنكال، لكن في سوريا، تُقتل نساء علويات، كما الإيزيديات، على يد القتلة أنفسهم، ويُهجّرن. ونحن نكتب من جديد، نصرخ في آذان العالم.

اليوم، في السويداء، هناك شنكال أخرى. هؤلاء المسلحون، الذين ترعرعوا في حضن النظام الرجعي، يقتلون النساء كل يوم، يهجّرونهن.

لكن مقاومة النساء الكرديات أصبحت نهراً لا يجف. اليوم، النساء الدرزيات يقاومن، الأمهات الدرزيات لا يسلّمن بناتهن، ويدافعن عنهن حتى النفس الأخير. يرفعن راية YPJ على جباههن. نساء المخيمات يقلن: "لن تستطيعوا محو وجودنا"، النساء الأفغانيات يقلن: "نحن هنا"، النساء الهنديات في وجه العنف والاستعباد يقلن: "المرأة، الحياة، الحرية"، والنساء الكرديات يرسلن رسائلهن إلى القائد.

ما أسعدني، أن رغبتكِ الكبرى قد تحققت أخيراً. القائد أطلق نداء "السلام والمجتمع الديمقراطي". هذا الحلم العظيم دخل قلوبنا جميعاً. في 27 شباط، نُشرت رسالته، واستمعنا لها من قامشلو. كان يوماً بارداً، لكن قلوبنا كانت دافئة. اليوم، نسمع أخبار القائد، الآلاف يرغبون بلقائه، الآلاف من الصحفيين يرغبون بالحديث إليه.

قال القائد: القرن الحادي والعشرون سيكون قرن النساء، وقال الآن: "يجب أن تتقدّم النساء". أي أن مسؤوليتنا أصبحت أعظم، ومقاومتنا أعمق بعدك.

كنتُ أرغب أن أكتب إليك، أن أقرأ لك، أن نناقش معاً، أن نكتب الأخبار معاً، أن نعيش هذا الحنين سوياً. اليوم، نحن كصحفيات نسير على طريقك وطريق رفيقاتك، وسنواصل المسير. سأذهب يوماً إلى البحيرة، وأجلب حجارتها وماءها إليكِ، وأقول لكِ: لقد انتصرت الشعوب والنساء اللواتي كنتِ بانتظارهن.