إشكالية دمج قسد والجيش السوري- ضياء اسكندر

إشكالية دمج قسد والجيش السوري- ضياء اسكندر
الأحد 31 آب, 2025   05:45

في بلد مزّقته الحروب وأنهكت جسده المجازر، وُلد اتفاق 10 آذار من رحم الدم، في محاولة من سلطة دمشق خداع المجتمع المحلي والدولي، على أنقاض مجازر الساحل، التي وُجهّت فيها أصابع الاتهام إلى الحكومة نفسها.

ولصرف الأنظار عن تلك المجازر، والتغطية عليها، كان لا بد من خلق حدث سياسي واجتماعي، والترويج لاتفاق يوهم الرأي العام بأنها خطوة نحو الوحدة الوطنية، بينما في الواقع كانت مجرد ستار يخفي نوايا الهيمنة والسيطرة لسلطة دمشق وداعميها، ويحوّل الانقسامات العميقة إلى أداة لتبرير المزيد من الإقصاء والتمييز.

وكان ذلك بأن يلتقي مظلوم عبدي مع أحمد الشرع، لتوقيع اتفاق، بدا لأغلب السوريين أنه بداية لوحدة وطنية؛ جيش واحد، وعلم واحد، وحكومة واحدة، إلا أن ما ظهر في العلن، كجسر نحو الوحدة، كان في جوهره مجرد قناع هشّ يخفي وراءه صدوعاً أعمق من أن ترممها البيانات، والتصريحات.

الثقة، الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني، كانت الغائب الأكبر في هذا المشهد، بعدما تراكمت الانقسامات منذ عهد الأسد وتفاقمت الجراح خلال سلطة الشرع، حتى أصبحت فكرة دمج قوات سوريا الديمقراطية بالجيش الوطني ومؤسسات الإدارة الذاتية في أطار الدولة، أشبه بمحاولة خياطة نسيج ممزق بلا خيط. فالحكومة الانتقالية تسعى لدمج قسد كأفراد يتم توزيعهم على خريطة البلاد، بينما تعتبر قسد وجودها ككتلة عسكرية متماسكة أمراً جوهرياً وان الدمج يعني الشراكة وليس حل، وترى في أي محاولة لتفكيك هذه الكتلة تهديداً لبقائها، لا خطوة نحو الوحدة على الأقل في المرحلة الأولى، ريثما تتعزز الثقة.

ليأتي إعلان الشرع الدستوري بعد أيام قليلة من توقيع الاتفاق، ليقلب الطاولة على ما تم التوصل إليه ويطيح ببنوده، بعد أن أسفر عن خطاب مركزي لا يعترف بالتعددية، كاشفاً عن نوايا السلطة الانتقالية ومثيراً الشكوك حول مصداقيتها.

ومع تشكيل حكومة 29 آذار، التي هيمن عليها الطابع الإسلامي وأُقصيت فيها باقي المكونات، بدأت ملامح المشروع السياسي تتضح بشكل أوضح. لم تتحقق الوحدة الوطنية، بل غطّت شعاراتها على واقع هيمنة فعلية، وانعكس هذا التوجه سريعاً على الأرض، إذ شهدت مناطق جرمانا والأشرفية في صحنايا، ثم السويداء، موجة من المجازر والانتهاكات والجرائم التي حملت بصمات وزارتي الدفاع والداخلية، لتؤكد أن ما يُفرض بعيد تماماً عن تطلعات السوريين، ويدفعهم نحو مزيد من الانقسام والريبة.

إن أي حديث عن دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري لا يمكن اختزاله في مجرد اتفاق سياسي أو خطوة عسكرية، بل يتطلب مساراً طويلاً من الاعتراف المتبادل وتوفير ضمانات واضحة.

وعلى سلطة دمشق أن تبدأ بالاعتراف العلني والرسمي بالدور الحاسم الذي قامت به قسد في مواجهة الإرهاب، لا سيما تنظيم داعش. ليس بوصفه مجاملة سياسية، بل كخطوة جدية نحو ترسيخ سردية وطنية شاملة، تعترف بتضحيات جميع السوريين دون تمييز على أساس الانتماء.

لكن هذا الاعتراف وحده لا يكفي، إذ يجب أن يترافق مع ضمانات قانونية ودستورية تُترجم عملياً، من خلال تعديل الإعلان الدستوري المؤقت، ليشمل حقوق جميع المكونات في شمال وشرق سوريا، بما يضمن المساواة الكاملة أمام القانون.

فمشروع الدولة الجديدة لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء أو الهيمنة، بل يجب أن يقوم على التعددية والاعتراف المتبادل، عندها فقط يمكن أن تتشكل الثقة، ليس كشعار أو وعد زائف، بل كنتيجة طبيعية لتنفيذ التزامات ملموسة تثبت أن الدولة جادة في الاحتواء لا في التذويب.

وفي هذا الإطار، يبرز بندان أساسيان من اتفاق 10 آذار كمدخل لا غنى عنه لأي مسار دمج واقعي؛ الأول يتعلق بالاعتراف بالمجتمع الكردي كمكوّن أصيل في الدولة السورية، وضمان حقوقه الدستورية والمواطنة الكاملة، لجانب ضمان حقوق جميع المكونات السورية بعيدا عن التفرد، والثاني يضمن عودة المهجّرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من قبل الدولة.

فالبند الأول يعيد الاعتبار لشريحة طالما عانت التهميش، ويمنحها مكاناً طبيعياً في نسيج الوطن، بينما يعيد البند الثاني الثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها، لا على تهجيرهم أو التخلي عنهم.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن تحقيق هذا الدمج والمشاركة دون حوار وطني شامل، يجمع ممثلين عن قسد، والجيش الحالي، والمكونات المجتمعية الأخرى، ويطرح رؤية مشتركة لسوريا المستقبل، تكون فيها الدولة قوية بوحدتها لا بتفردها، وتكون فيها المؤسسة العسكرية انعكاساً لتنوع المجتمع السوري، لا أداة لفرض إرادة طرف على آخر.

ويجب أن يُفضي هذا الحوار، وفقاً للقرار الأممي 2254، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثّل جميع الأطياف، قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية بروح توافقية تضمن الحقوق وتعيد الاعتبار للمواطنة الجامعة.

فمن غير حكومة كهذه، تبقى كل محاولات الدمج شكلية، وتظل الثقة مجرد شعار مؤجل، لا يتحقق إلا حين يشعر الجميع بأنهم شركاء حقيقيون في بناء الدولة، لا مجرد ملحقين بها. وإلا سيبقى الدمج مجرد ورقة تفاوضية تُستخدم عند الحاجة، وتُركن عند أول خلاف.