6 أيار 1916... مجزرة العثمانيين بحق الأحرار العرب – رؤوف كاراكوجان

6 أيار 1916... مجزرة العثمانيين بحق الأحرار العرب – رؤوف كاراكوجان
الثلاثاء 6 مايو, 2025   05:01

رغم أن احتلال الدولة العثمانية للمنطقة العربية وهيمنتها التي امتدت لقرون قد انتهت بهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، فإن طموحها لم ينتهِ بعد.

منذ أوائل القرن السادس عشر حتى انهيار الإمبراطورية عام 1918، ظلت رقعة واسعة من الجغرافيا العربية، بما في ذلك شبه الجزيرة العربية، تحت سيطرة العثمانيين. ورغم أن الشعوب العربية ثارت في وجه هذه السيطرة كلما أتيحت لها الفرصة، فإن كل هذه الثورات انتهت بالقمع وسفك الدماء والمجازر.

عند التعمق في التاريخ العثماني تجاه العرب، يمكن الكشف عن العديد من الممارسات التي ترقى إلى حد الإبادة الجماعية. أول مجزرة كبرى كانت ضد العلويين العرب، ونفذها السلطان سليم الأول (المعروف بـ"ياووز"). أثناء حملته على مصر، وعند دخوله حلب، اعتبر العلويين تهديداً محتملاً، فاستدعى علماء الدين في تلك الفترة واستحصل على فتوى تجيز له "قتل العلويين باسم الدين". وتشير مصادر عديدة إلى أنه نصب كميناً لوجهاء العلويين في حلب، وقطع رؤوسهم، وبدأ بذلك مجزرة منظمة ضدهم.

وفقاً للروايات، قام سليم الأول بترحيل نحو نصف مليون من قبائل التركمان إلى الساحل السوري، وقتل ونفى العديد من العلويين العرب، مما أدى إلى تهجيرهم من موطنهم. وكان يُطلق على العلويين حينها لقب "سوريك"، أي "من يُطارد أمام الخيول". واستغل علماء الدين السُنة هذه المجازر، فأصدروا الفتاوى، ونُفذت مذابح بحق العلويين في حلب، وهرب الباقون إلى الجبال، حيث تم تعقبهم وقتلهم في الأرياف. نتيجة لهذه المجازر، أصبح العلويون أقلية في سوريا. ومن خلال التشجيع على هذه الممارسات، قام السنة في العراق بمجازر مماثلة، حيث قتل معظم الرجال، واغتُصبت النساء، وتم الاستيلاء على الممتلكات.

أما الحملات العثمانية على اليمن فقد كانت دامية أيضاً. ففي عام 1538 قادها سليمان باشا، وفي 1569 سينان باشا، وفي 1830 محمد علي باشا، وجميعهم جعلوا من اليمن ساحة حرب دامية، حتى أن الأغاني الشعبية ما زالت تحكي عن الذين ذهبوا إلى اليمن ولم يعودوا.

لم تكن شبه الجزيرة العربية أفضل حالاً من اليمن. فقد قام أبناء والي مصر العثماني محمد علي باشا، توسن وإبراهيم باشا، بمجازر أشد فظاعة في صحاري الجزيرة العربية. هاجموا الأسر السعودية والوهابيين، وقتلوا أغلب السكان، وأسقطوا الحكم السعودي، واصطحبوا الأمير وأفراد أسرته إلى إسطنبول، حيث تم عرضهم أمام العامة، ثم أُعدموا بقطع رؤوسهم.

ابتداءً من عام 1758، عُرف أحمد باشا الجزار بلقب "جزار الإبل" بسبب قتله 70 قافلة عربية مع جمالهم، وذكرت المصادر العربية والعثمانية أنه كان شخصاً قاسياً ووحشياً، خاصة تجاه العشائر العربية المحلية.

وفي سنوات الدولة العثمانية الأخيرة، قام أعضاء جمعية الاتحاد والترقي بواحدة من أفظع المجازر في ولاية الشام. إذ لم يتردد جمال باشا، أحد قادة الجمعية، في استخدام أساليب وحشية لقمع أي شكل من أشكال المقاومة.

لقد أثرت الحركات القومية التي نشأت في أوروبا على شعوب الشرق الأوسط، وخاصة العرب، في وقت مبكر. وكانت دمشق وبيروت والقاهرة مراكز التنوير. وقضت سنوات انهيار العثمانيين على الحركات القومية العربية. وقد كانت الحملات العثمانية على المناطق العربية من أكثر الفصول دموية في تاريخ العرب، إذ لم تُمارس ضدهم حتى في الحملات الصليبية مثل هذه الوحشية. وأكمل جمال باشا آخر هذه الفصول الدامية في سوريا.

في عام 1915، عُيِّن جمال باشا حاكماً عسكرياً للبنان وسوريا، وكانت مهمته الأساسية قمع القومية العربية بالقوة. كان يمتلك صلاحيات مطلقة عسكرياً وإدارياً، نظراً للأهمية الاستراتيجية للمنطقة في نظر العثمانيين والعالم العربي. فقد كانت دمشق وبيروت مركزين رئيسيين للتنوير العربي، ما جعلها هدفاً أساسياً للقمع.

بوصفه من أبرز أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، كان جمال باشا الخيار المثالي لتنفيذ السياسات المركزية في الجغرافيا العربية. وبدأ بعمليات الإعدام بحق القوميين العرب. وفقاً لإحدى الروايات، "كان لا يتناول إفطاره صباحاً إلا بعد أن يُعدم عشرين قوميّاً عربيّاً". وتشير بعض المصادر إلى أنه كان يضع شخصين أو ثلاثة في صف واحد ويطلق عليهم النار من الخلف لتوفير الذخيرة. وقد ذكر المؤرخ التركي مراد برداقجي هذه الادعاءات أيضاً. ولهذا أُطلق عليه بين العرب لقب "جمال السفاح" أو "السفاح".

لقد كانت القومية التركية التي مثلها جمال باشا بمثابة خنجر مغروس في قلب التنوير العربي في دمشق وبيروت. واتخذ إجراءات صارمة لقمع القومية العربية، وزادت المصاعب التي فرضتها الحرب العالمية الأولى من القمع والجوع والفقر. (وقد صرّح رئيس الجمهورية اللبنانية خلال خطاب الاستقلال أن 1.5 مليون شخص تأثروا بالمجاعة، محملاً الدولة العثمانية المسؤولية. فردّ عليه المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر جليك، رافضاً الاتهام ومهيناً للرئيس اللبناني). وجراء الضرائب الباهظة المفروضة خلال الحرب، توفي 40 ألف شخص في لبنان وسوريا.

نظم جمال باشا شبكة استخبارات واسعة لمراقبة الناس وترهيبهم، ومنع الأصوات المعارضة من الظهور عبر فرض الرقابة التامة على الصحافة. وبينما كانت أنظار العالم مشغولة بالحرب، بلغت وحشية جمال باشا ذروتها في سوريا ولبنان. وأثارت هذه الممارسات غضباً شديداً بين السكان المحليين، فيما كانت تُبرر من قبل الدولة العثمانية على أنها محاولات "لحماية السلطة المركزية".

وكانت مجزرة 6 أيار 1916 من آخر هذه المحاولات لقمع اليقظة العربية. ووفقاً للمصادر التاريخية، بدأت الأحداث بإصدار أوامر باعتقال 33 من القوميين العرب، وتم القبض على 21 منهم ومحاكمتهم في محكمة عسكرية أقيمت في بلدة عالية، الواقعة اليوم ضمن الأراضي اللبنانية، والتي تقطنها أغلبية درزية. وحُكم عليهم بالإعدام.

نُصبت أعواد المشانق في ساحة "المرجة" بدمشق وساحة "البرج" في بيروت لإعدام هذه النخبة من القوميين العرب، ومنهم مثقفون وسياسيون وصحفيون ونواب سابقون وكاهن مسيحي. وقد أُعدموا شنقاً، وصدر حكم بالإعدام غيابياً على من لم يُعتقل. ولا يزال يوم 6 أيار 1916، المعروف بـ "يوم الشهداء"، محفوراً في ذاكرة العرب، لما له من دلالة وطنية وسياسية كبيرة.

كانت دمشق وبيروت من أوائل المدن التي شهدت التنوير، وبزوغ الفكر القومي العربي. أما الذين أُعدموا، فقد كانوا من نخبة المثقفين ورواد الفكر. وكان الهدف من ذلك إخماد القومية العربية بقطع رأسها. وقد أقدم جمال باشا على هذه المجازر بحجة الحفاظ على البنية المركزية للدولة العثمانية ونشر القومية التركية، وسعى لفرض اللغة والثقافة التركية على العرب.

لكن هذه الإعدامات لم تؤدِ إلى خضوع الشعب، بل أثارت فيه روح المقاومة والوعي. وأحدثت هذه الأحداث صدمة عميقة في وجدان العرب، ولم تُنسَ قط. بل كانت شرارة لانطلاق حركة "النهضة" العربية، وتركت تصوراً عاماً لدى العرب بأن "الأتراك احتلوا أراضيهم 400 عام، واستنزفوا خيراتهم، وقتلوا زعماءهم، وأفسدوا دينهم (من خلال فرض فكرة العلمانية)". وبعد إعدامات 6 أيار، اندلعت بعد شهر فقط، في 10 حزيران الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين. وكانت لبنان وسوريا من أبرز ساحات القتال ضد العثمانيين، وانتهت بهزيمتهم النهائية في عام 1918.