نظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ هي عنصرُ الحلِّ الرئيسيِّ في العصرانيةِ الديمقراطية

عدَّ القائد عبد الله أوجلان في معرض حديثه عن حل العصرانية الديمقراطية في أزمة الشرق الأوسط، أن الظواهر الاجتماعية مرنة، ولَطالما توجدُ احتمالاتُ الحلِّ التعدديِّ حتى في أكثرِها تأزماً، بينما تنبعُ المشكلةُ من مدى ارتباطِ المخططاتِ التي ستُسنَدُ الحلول إليها بالحقيقةِ الاجتماعية،

نظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ هي عنصرُ الحلِّ الرئيسيِّ في العصرانيةِ الديمقراطية
الإثنين 6 كانون الثاني, 2025   03:00
مركز الأخبار

ذكر القائد عبد الله أوجلان في المجلد الخامس وفي معرض الحديث عن "حل العصرانية الديمقراطية في أزمة الشرق الأوسط " أن الظواهر الاجتماعية مرنة، ولَطالما توجدُ احتمالاتُ الحلِّ التعدديِّ حتى في أكثرِها تأزماً. بينما تنبعُ المشكلةُ من مدى ارتباطِ المخططاتِ التي ستُسنَدُ الحلولُ إليها بالحقيقةِ الاجتماعية. إذ يستحيلُ قياسُ الظواهرِ الاجتماعيةِ أو ربطُها بالقواعد والقوانين كأيةِ ظاهرةٍ فيزيائيةٍ أو كيميائية.

ويتابع "فالمجتمع هو الذي يُحَدِّدُ الفردَ المتمتعَ بالحقيقة. حيث لا يُمكنُ فهمُ أيِّ فردٍ أو مُنادٍ بالحقيقةِ بالتغاضي عن المجتمعيةِ التي ينتمي إليها. لذا، ورغمَ كونِ السوسيولوجيا علماً متأخراً، إلا إنها تحتلُّ صدارةَ العلومِ التي تشعرُ مِراراً بتكريسِ قُدُراتِها وكفاءاتِها. فمن دونِ فهمِ المجتمعاتِ لا يمكنُ صياغةُ حلولٍ ذاتِ مستوى عالٍ من الحقيقةِ بصددِ القضايا التي تعاني منها. هذا وثمة حاجةٌ أكبر لإدراكِ المجتمعاتِ للحقيقة، في سبيلِ التمكنِ من استيعابِ الأزماتِ الاجتماعية. فلحظاتُ الأزمةِ هي لحظاتُ تضعضُعِ المجتمعات. وبالتالي، هي اللحظاتُ التي تتعرضُ فيها حقائقُها للتغير. وعليه، فمن المحالِ طرحُ بدائل صائبةٍ في الحلّ، ما دامَ العجزُ يطغى على التحليل. فما سيُحَدِّدُ الحلَّ في المحصلة هو مستوى الحقيقةِ التي يَشتملُ عليها. وبتعبيرٍ آخر، ما يُحَدِّدُ النجاحَ في الممارسةِ الاجتماعيةِ هو مدى قوةِ الحقيقةِ التي تحملُها بين ثناياها. أما الحقيقةُ بذاتِها، فهي مدى قدرةِ التعبيرِ عن قوةِ المعنى والحياة، اللتَين تحتويهما الظاهرةُ الاجتماعية".

وبخصوص الرأسمالية يشير القائد إلى أنه "يغدو الجزمُ بمصيرِ الحداثةِ الرأسماليةِ ضمن ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ أمراً سهلاً، على هدى النقاشاتِ والنزاعاتِ الدائرةِ بصددِ الحداثة. إذ تشيرُ كلُّ التحليلاتِ التي صِغناها إلى استحالةِ تحديدِ هذا المصيرِ تلقائياً. بل لن يتحققَ تجاوزُ الحداثةِ الرأسمالية، إلا بمشاريعِ حداثةٍ بديلةٍ أقوى من حيث عزيمتِها بشأنِ الحقيقة. وهذا ما لن يتحققَ إلا بقيامِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ بعرضِ قوةِ الحلِّ التي تتحلى بها مقوماتُها الأساسية، وذلك بتوجيهِ انتقاداتِها إلى مرتكزاتِ الحداثةِ الرأسماليةِ الرئيسة، وبتوحيدِ تلك الانتقاداتِ مع انتقاداتِها بشأنِ عجزِ الثقافةِ التقليديةِ والاشتراكيةِ المشيدةِ والحركاتِ الأيكولوجيةِ والفامينيةِ عن تخطي الحداثةِ الرأسماليةِ رغمَ مناهَضتِها إياها".

وبخصوص الحل جاء في تقييمات القائد ما يلي: "وإذ ما قمنا بتكييفِ كلِّ ما ذُكِرَ بشأنِ هذه المواضيع، وإسقاطِه على الأزمةِ الاجتماعيةِ التي يعانيها الشرقُ الأوسط، فسنتمكنُ من الجزمِ بماهيةِ احتمالاتِ الحلّ:

أولاً، نظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ هي عنصرُ الحلِّ الرئيسيِّ في العصرانيةِ الديمقراطية. ففيما عدا نظريةِ الأمةِ الديمقراطية، ما من نظريةٍ اجتماعيةٍ قادرةٍ على إعادةِ توحيدِ صفوفِ المجتمعِ البشريِّ العالميِّ وإحيائِه ضمن أجواءٍ مفعمةٍ بالحرية، بعدَما قَطَعَت نظريةُ الدولةِ القوميةِ للحداثةِ الرأسماليةِ أوصالَه كالقَصّاب. فالنظرياتُ الاجتماعيةُ الأخرى لا تستطيعُ من حيث معناها أنْ تذهبَ أبعد من أداءِ دورٍ هامشيٍّ إزاء القضايا الراهنةِ العالقة. أما النظرياتُ الليبراليةُ الرأسمالية، فهي غيرُ قادرةٍ على فعلِ شيء، عدا ما يُشبهُ مُداواةَ المريضِ بالسرطانِ البيولوجيِّ بإعطائِه أدويةً لإطالةِ عمرِه؛ بدلاً من تأمينِ الشفاءِ العاجلِ للمجتمعِ من خلالِ حلِّ الأمراضِ المزمنةِ والسرطانيةِ التي سَلَّطَتها الرأسماليةُ على البشرية. بمعنى آخر، فجميعُ الحلولِ التي تقترحُها تلك النظريات، إنما تُفاقِمُ من القضايا وتُطيلُ من عمرِ الحداثةِ الرأسمالية. فمجتمعُ الشرقِ الأوسط، الذي أنشأَ حياةً مؤطَّرةً بتكاملٍ ثقافيٍّ يمتدُّ على مدى التاريخ، بل يَعودُ إلى ما قبل عشراتِ آلافِ السنين؛ قد قُطِّعَت أوصالُه في غمارِ لهيبِ الحربِ العالميةِ الأولى على يدِ قوى الحداثةِ الرأسماليةِ الأشبَه بالقَصّاب؛ ليُترَكَ بعدَها لإنصافِ الوحوشِ المسماةِ بالدولِ القومية.

وفعلاً، وباعتبارِ الدولِ القوميةِ أكثرَ الحالاتِ العينيةِ لـ"اللوياثان" الذي يَرِدُ ذِكرُه في الكتابِ المقدس، والذي يُطابَقُ بينه وبين الدولة؛ فإنها لَم تتخطَّ إطارَ تمزيقِ وابتلاعِ الحقائقِ الاجتماعيةِ عن طريقِ ممارساتِ الكذبِ المسماةِ بالسياسةِ الداخليةِ والخارجية. أما الشيءُ الذي أَطلَقوا عليه اسمَ "المجتمعِ القوميِّ الحديث"، فما كان إلا امتداداً للثقافةِ المجتمعية، ذات الزخمِ الكبيرِ من إرثِ التاريخِ المتكامل، على طاولةِ الإبادةِ والإنكار، بعدَ تشريحِها وتقطيعِها إرباً إرباً.

وهكذا عدّوا أنفسَهم ناجحين بقدرِ قيامِهم بتقطيعِ وإنكارِ وإبادةِ التاريخِ والثقافةِ المجتمعية. بمعنى آخر، فالدولُ القوميةُ التي أدت دورَ القَصّابِ لدى الحداثةِ الرأسمالية، اعتَبَرَت نفسَها موفقةً وسعيدةً إزاء أسيادِها الجدد، توازياً مع نجاحِها في إنكارِ الماضي وإبادتِه، وفي إحلالِ العقلياتِ الاستشراقيةِ والمؤسساتِ العميلةِ للنظامِ محلَّه. أما انقساماتُ الدولةِ القوميةِ خلال القرنِ الأخيرِ على صعيدِ ثقافةِ الشرقِ الأوسط، والممارساتُ المسماةُ بالسياسةِ الداخليةِ والخارجية؛ فهي عموماً عبارة عن حملاتِ إبادة. فما فُرِضَ بدءاً من الذهنيةِ وحتى عالَمِ الاقتصاد، إنما هو تمزيقٌ للواقعِ المتكامل، ومَضغٌ له من قِبَلِ عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية، كي يغدوَ جاهزاً للبلع. والأحداثُ الجاريةُ في عراقِ اليومِ لوحدِها حافلةٌ بالعِبَرِ من أجلِ تقييمِنا للقرنِ الأخير.

ونظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ، بحسب القائد عبد الله أوجلان، تعني قبلَ كلِّ شيءٍ وقفَ حركةِ تمزيقِ الوحدةِ الثقافيةِ وتقطيعِها على نمطِ القصّاب. أي أنها تعني وقفَ الدولتيةِ القومية، والتخطيطَ للعالَمِ الذهنيِّ اللازمِ لعودةِ البدءِ بالوحدةِ المتكاملة. وتُضفي نظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ قيمةً مبدئيةً على توحيدِ العالَمِ الثقافيِّ للشرقِ الأوسطِ تحت مصطلحِ "اتحاد الأمم الديمقراطية"، وتُنيطُه بالأولوية. أي أنه يتحتمُ على عالَمِنا الثقافيِّ المُنشَأِ على مرِّ عصورِ التاريخِ قاطبة، والذي يتميزُ بالتكاملِ والوحدةِ بكلِّ ما تشتملُ عليه من تنوعٍ وفير؛ أنْ يرصَّ صفوفَه ويوحدَها في كنفِ هذا المصطلحِ كبديلٍ للحداثةِ الرأسمالية. فلنُلقِ نظرةً خاطفةً على القرنِ الأخير: لقد تحوَّلَ المجرى صوبَ الانقسامِ المستمر.

ويرى القائد، بأن ذهنية الأمةِ الديمقراطيةِ تُشَكِّلُ الإطارَ الأكثر توحيداً للشعوبِ والثقافاتِ المتميزةِ بالغنى الكبير، والممتدةِ من آسيا الوسطى حتى بلادِ الهند. علماً أنّ الثقافاتِ والشعوبَ الآهلةَ في هذه المناطقِ طالما عاشت سويةً على مرِّ التاريخِ في كنفِ إمبراطورياتٍ وأسقُفٍ سياسيةٍ مشتركةٍ من النوعِ الكونفدراليّ، متمكنةً بذلك من الحفاظِ على وجودِها وخصوصياتِها، حتى وإنْ ليس بالدرجةِ المُثلى. ولا مهربَ لهذه المجتمعاتِ من المزيدِ من الانحلالِ والغرقِ في غمارِ التصارع، ما دامت الذهنيةُ الدولتيةُ القوميةُ قائمة، سواء بطرازِها الدِّينَويِّ أم القومويِّ العلمانيّ.

ثانياً، الاقتصادُ الكوموناليُّ الديمقراطيُّ هو سبيلُ الحلِّ الأمثل لتَمكينِ بعثِ الحياةِ الإنسانيةِ مجدداً داخل المجتمع، الذي صَيَّرَته الرأسماليةُ حشداً من العمالِ العبيدِ والعاطلين عن العمل، حصيلةَ نزعةِ الربحِ الأعظم لديها. إذ ظلَّ الاقتصادُ على مرِّ التاريخِ ظاهرةً تتحققُ عن طريقِ الكومونات. ولا يُمكنُ تَصَوُّرُ اقتصادٍ من دونِ كومونات. بل حتى إنّ المصدرَ الأُسَّ لمعنى كلمةِ الاقتصادِ هو "قانون كومونة العائلة". أي أنّ مفادَه هو تدبيرُ شؤونِ إعاشةِ العائلةِ بوصفها كومونة. فطرازُ نشوءِ المجتمعِ هو من جذورِه على شكلِ كومونة. والتاريخُ لا يَشهَدُ اقتصاداً بدَأَ مع الفرد. أما الاقتصادُ الخاصّ، فلَم يتعرفْ عليه التاريخُ والمجتمع. فهو وحشٌ أَفرزَته الرأسماليةُ بما يُعادِلُ وحشيةَ الدولةِ القوميةِ بأقلِّ تقدير. 

عندما نتحدثُ عن الاقتصادِ الكوموناليّ (التشاركيّ)، فإننا لا نحصرُه في عدةِ مجالاتٍ فقط. بل علينا تصوُّره بأنه يشملُ جميعَ الساحات؛ من الزراعةِ إلى الصناعة، ومن الخدماتِ إلى العلمِ والمِهَنِ الحرة. ويُعَدُّ الاقتصادُ الكوموناليُّ نظاماً يجبُ تطويرُه بالتوازي في المدينةِ والقرية.

لن تستطيعَ مجتمعاتُ الشرقِ الأوسطِ الراهنة أن تَنفُذَ من الأزمةِ الخانقةِ التي تعاني منها، إلا بمقدارِ تحقيقِها التحولَ الكوموناليَّ في المناحي كافةِ، وعلى رأسِها الكوموناتُ الاقتصادية. أي، ما مِن مَخرَجٍ من دونِ كومونة. وليس بمقدورِ التقاليدِ التاريخيةِ والثقافيةِ تخصيصُ حيزٍ لها أو تأمينُ سيرورتِها في اليومِ الحاضر، إلا بالحياةِ الكومونالية.

ثالثُ عاملِ حلِّ رئيسيٍّ للعصرانيةِ الديمقراطيةِ، بحسب القائد، هو الصناعةُ الأيكولوجيةُ ضد الصناعويةِ الرأسمالية. بالإمكانِ تعريفُ الصناعويةِ بأنها قيامُ الرأسماليةِ بالتوظيفِ اللا محدودِ للتقدمِ التقنيِّ في خدمةِ ميولِ الربحِ الأعظم لديها. فكيفما أنّ نزعةَ الربحِ الأعظم أعادت تنظيمَ الدولةِ في هيئةِ الدولةِ القوميةِ بصفتِها وسيلةَ السلطةِ القصوى، فقد نظَّمَت التحصنَ التقنيَّ أيضاً في هيئةِ الصناعويةِ كتعبيرٍ عن الاستخدامِ الهادفِ إلى الربحِ الأعظم. يكمنُ الخطرُ الأصلُ للصناعويةِ في تحويلِها المجتمعَ المتميزَ بعالَمِه العامرِ بالحيويّةِ والعواطفِ إلى روبوتٍ ومقبرةٍ للآلاتِ الميكانيكية. لذا، يستحيلُ على أيِّ مجتمعٍ أن يستمرَّ بحياتِه مفعمةً بالعواطفِ السليمة، ما لَم يُكبَحْ لجامُ الصناعوية. في حين أنّ تحويلَ المجتمعِ إلى آلةٍ يفضي بعد مرحلةٍ معينةٍ إلى دمارِ المجتمع. أما نزوعُ الرأسماليةِ إلى بلوغِ أقاصي الصناعوية، فيُشكِّلُ جانبَها الذي قد يَكُونُ أشدَّ فتكاً من الحربِ حتى. فقد باتَ العالَمُ منذ الآن على عتبةِ التحولِ إلى أسيرٍ بيَدِ الوسائلِ الافتراضيةِ والمدنِ المنقطعةِ عن البيئةِ الطبيعية. والصناعويةُ هي ما يُمَكِّنُ من تضخّمِ المدنِ بالطرازِ السرطانيّ. لقد صارت المدنُ وحوشاً تبتلعُ كوكبَنا. فرغمَ عدمِ وجودِ أيِّ معنى اجتماعيٍّ للمدنِ التي يبلغُ تعدادُها مليونَ أو عشرةَ ملايين نسمة، ورغمَ عدمِ نبوعِ مثل هذه المدنِ من أيةِ حاجة؛ فلا معنى لتضخّمِها بالنمطِ السرطانيِّ سوى أنه مؤشرٌ على المرض".

(م ش)