ما العقد الاجتماعي الذي يعد في شمال وشرق سوريا

تتوجه الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا نحو إقرار عقد اجتماعي بمثابة دستور، تخوله مواده الـ 93 المدونة في المسودة التي لا تزال تصاغ، للعب دور رئيس في التحول الديمقراطي في سوريا والشرق الأوسط، عبر نظام ديمقراطي يلبي تطلعات المكونات، وحلول القضايا العالقة.

منذ مدة يتم الحديث عن عقد اجتماعي يصاغ لشمال وشرق سوريا، سيحدد من خلاله شكل ونظام الإدارة في المنطقة، وطبيعة عملها وعلاقاتها داخلياً وخارجياً، وتبين رؤاها السياسية مما تشهده البلاد، في مواكبة لكل التطورات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي تمر بها. فما هو العقد، وما الذي دعا إليه، وما المراحل التي قطعها، مضمونه، وما أهميته لأهالي شمال وشرق سوريا؟

العقد الاجتماعي هو مجموعة من القوانين والمواد والبنود التي يتفق عليها الناس من أجل تنظيم مجتمعهم بالشكل الأمثل والمراد، بعيداً عن الفوضى، والخروقات، ولتوفير حياة آمنة وسالمة للجميع على رقعة جغرافية معينة، للحد من أي خروقات، وأي تجاوزات.

كما ويوضح العقد الاجتماعي طبيعة وعلاقة المجتمع مع المجتمعات المجاورة، ويحدد واجبات وحقوق كل فرد من أفراد هذا المجتمع على حد سواء، ضمن مجتمعه.

في شمال وشرق سوريا وبالرغم من وجود ميثاق للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، المستمد من العقد الاجتماعي الذي أعلنت من خلاله الإدارة الذاتية ضمن المقاطعات الثلاث (الجزيرة، كوباني، عفرين) عام 2014، إلا أنها تبحث اليوم تعديل صياغة العقد وإقراره من جديد لكامل مناطقها.

ظهرت بوادر الحاجة لتعديل وإعادة صياغة العقد الاجتماعي، مع توسع المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية من مرتزقة داعش، ورغبة أبناء المناطق المحررة بالاقتداء بنموذج الإدارة الذاتية في المقاطعات الثلاث، ومع ازدياد المجالس المدنية والإدارات في تلك الجغرافية، ولا سيما بعد عقد مجلس سوريا الديمقراطية لسلسلة اجتماعات جماهيرية موسعة في شمال وشرق سوريا.

وشغل ضرورة إعادة صياغة العقد الاجتماعي، أحد أهم المخرجات التي خرج بها مجلس سوريا الديمقراطية في مؤتمره الوطني لأبناء الجزيرة والفرات الذي عقد في الـ 25 من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بعد أن انتهى من ورشاته الحوارية واجتماعاته الموسعة في الداخل والخارج، مع ممثلين عن القوى والأحزاب السياسية، وشخصيات مستقلة، وشيوخ ووجهاء العشائر.

وتنفيذاً لمخرجات المؤتمر الوطني لأبناء الجزيرة والفرات، قرر المجلس العام في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إعادة صياغة العقد الاجتماعي، وشكل المجلس لجنة مصغرة مؤلفة من 30 شخصاً، في اجتماعه الذي عقد في الـ 15 من تموز/يوليو العام الفائت، لإعادة صياغته، ومناقشته وصياغته ضمن لجنة موسعة مؤلفة من 158 عضواً وعضوة، ليكون فيما بعد بمثابة ميثاق رئيس، ونقطة لبناء القوانين المستقبلية للمؤسسات.

تقول في هذا الصدد الرئيسة المشتركة للمجلس العام للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، سهام قريو "كان من الضروري الخروج بهذا القرار تلبية لمخرجات المؤتمر الوطني لأبناء الجزيرة والفرات، ولتفادي الأخطاء التي ظهرت في الميثاق الذي أعد على عجالة في ظل ما كانت تمر به المنطقة لدى تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا".

وعملت اللجنة المصغرة المؤلفة من 30 عضواً وعضوة، على مدار 5 أشهر منذ الـ 15 من تموز/يوليو العام الفائت على إعادة صياغة العقد الاجتماعي، الذي كان معداً كميثاق للمجلس العام للإدارة الذاتية، والتي اعتبرت المرحلة الأولى لإعادة الصياغة.

ودخلت إعادة صياغة العقد الاجتماعي مرحلتها الثانية اعتباراً من الـ 11 من كانون الأول/يناير العام الفائت، عندما بدأت اللجنة المصغرة بطرح آخر ما صاغته، على اللجنة الموسعة المؤلفة من 158 عضواً وعضوة، من "عرب، كرد، سريان، شركس، أرمن، شيشان، وغيرها" ممثلين عن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، والأحزاب السياسية، وتنظيمات نسوية، وأخرى شبابية، وحقوقيين، ومؤسسات المجتمع المدني وفعاليات مجتمعية متفرقة في المنطقة.

انتهت المرحلة الثانية من صياغة العقد يوم السبت الفائت من الأسبوع الجاري، بعد انعقاد أربع جلسات خلال كانون الأول/ديسمبر من العام الفائت، وكانون الثاني/يناير وشباط/فبراير العام الجاري، بفاصل زمني قُدِرَ بما يقارب الـ 20 يوماً بين الجلسة والأخرى.

شهدت المرحلة الثانية والتي اعتبرت الأصعب من بين المراحل السابقة والقادمة، في جلساتها الـ 4 نقاشات مستفيضة حول بعض المصطلحات، والتسميات، والبنود والمواد المدرجة في مسودة العقد الاجتماعي المعاد صياغتها، حسب ما أشار إليه المشاركون في اللجنة الموسعة.

وتمخض عنها توافق المكونات في الدرجة الأولى، وموافقة المشاركين بالإجماع على الصيغة النهائية للعقد المعاد صياغته، والدخول للمرحلة الثالثة من إعادة الصياغة.

وهذا ما أكدته في لقاء لوكاتنا السياسية وعضوة اللجنة المصغرة لصياغة العقد، عبير حصاف، عن دخول إعادة صياغة العقد الاجتماعي مرحلة جديدة بعد انتهاء اللجنة الموسعة عبر 4 جلسات من مناقشة المسودة المقدمة من اللجنة المصغرة.

وكشفت السياسية عبير حصاف في نهاية الجلسة الرابعة لوكالتنا عن المرحلة الجديدة، قائلة "المرحلة الجديدة هي طرح ومناقشة هذا العقد الذي انتهينا من صياغته في اللجنة الموسعة، مع أكبر قدر وعدد ممكن من شرائح المجتمع في شمال وشرق سوريا، والمؤسسات والتنظيمات الموجودة في المنطقة".

مضيفة، أنه عقب طرحه ومناقشته في المرحلة الجديدة، ستعاود اللجنة الموسعة الاجتماع في جلسة أخرى لمناقشة ما تقدم خلال الطرح، وستنتهي تلك الجلسة بالخروج بالصيغة النهائية مرفقة بالآراء والمقترحات إلى المجلس العام للإدارة الذاتية للمصادقة عليه والتي ستكون المرحلة الأخيرة، دون أن تكشف عن موعد بدء المرحلة الجديدة.

ويضم العقد الاجتماعي الذي تعاد صياغته، إلى جانب ديباجة العقد 4 أبواب رئيسة هي "المبادئ الأساسية، الحقوق والحريات، تنظيم المجتمع، الأحكام العامة"، ويتفرع عن الأبواب الـ 4 الرئيسة 93 مادة حول "شكل ونظام إدارة شمال وشرق سوريا، وهيكلية مؤسساتها، آلية تنظيم المجتمع والانتخابات، رؤيتها لمجتمع شمال وشرق سوريا بمختلف مكوناته، موقف شمال وشرق سوريا حيال مستقبل سوريا، رؤيته للأحزاب والتنظيمات السياسية، اللغات المعتمدة، رؤيته للمرأة، رؤيته لحضارة وثقافة المنطقة، للدفاع، للبيئة والاقتصاد، التربية والتعليم، الرقابة وآلية المعالجة.

وقال السياسي من المكون الشيشاني في مناطق الإدارة الذاتية، والمشارك كأحد أعضاء اللجنة المصغرة كامل اختا "العقد يمثل مختلف المكونات، وهناك توافق كبير على حقوق جميع المكونات".

مضيفاً "من الديباجة وصولاً للبند الأخير، هناك مراعاة لحقوق جميع المكونات، وثقافتهم، ومشاركتهم ضمن نظام الإدارة، وهيكلياتها".

وترى الرئيسة المشتركة للمجلس العام للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا سهام قريو في العقد الذي يصاغ، على أنه ضمان للحقوق الثقافية للمكونات المتعايشة في شمال وشرق سوريا، وسيدفع لتكون المنطقة نقطة تحول لحل الأزمة السورية، بعد أن كانت المنطقة ومكوناتها مهمشة طيلة عمر الحكومات الحاكمة، قبيل الأزمة السورية.

(أم)

ANHA


إقرأ أيضاً