من 15 آب إلى 2026.. تحوّل مسار القضية من السلاح إلى السياسة والدستور

يعكس المسار الممتد من 15 آب 1984 إلى "نداء السلام والمجتمع الديمقراطي" في 2025 أكثر من مجرد انتقال بين تاريخين؛ فهو يعكس، وفق هذا المسار، تحوّلاً في طبيعة القضية نفسها، من الحرب والسلاح إلى السياسة والقانون والدستور، ومن البحث عن الحسم العسكري إلى السعي نحو صيغة للحل السياسي.

من 15 آب إلى 2026.. تحوّل مسار القضية من السلاح إلى السياسة والدستور
السبت 15 آب, 2026   02:30
مركز الأخبار

في 15 آب 1984، بدأ حزب العمال الكردستاني (PKK) كفاحه المسلح في شمال كردستان وتركيا فيما عُرف بـ (قفزة 15 أب)، لتدخل القضية الكردية في تركيا مرحلة طويلة من الكفاح المسلح امتدت لعقود.

وبعد 42 عاماً، ومع حلول ذكراها اليوم، انتقلت القضية إلى مرحلة جديدة تتركز على الحوار والحل السياسي والحقوق القانونية والدستورية، ضمن إطار "نداء السلام والمجتمع الديمقراطي" وما تبعه من القانون الإطاري في تركيا.

البدايات

تعود جذور الحركة التي قادت لاحقاً إلى تأسيس حزب العمال الكردستاني (PKK) إلى بداية سبعينيات القرن الماضي، حين ظهرت مجموعة من الشباب بقيادة عبد الله أوجلان، وانخرطت في النشاط السياسي داخل تركيا. وفي 27 تشرين الثاني 1978، عقدت المجموعة مؤتمرها التأسيسي الأول في قرية فيس التابعة لناحية لجه في آمد، حيث أُعلن رسمياً عن تأسيس حزب العمال الكردستاني.

وبعد استشهاد القيادي حقي قرار في 18 أيار 1977، تصاعدت داخل المجموعة النقاشات حول جدوى العمل المسلح وضرورته، في ظل تصاعد التوتر والمواجهات السياسية، ولا سيما مواجهات حلوان وسويرك بين عامي 1978 و1980، التي أصبحت من المحطات المؤثرة في توجه الحركة نحو الخيار المسلح.

ومنذ صيف عام 1979، بدأت الحركة العمل على تطوير قدراتها العسكرية، والسعي إلى تحويل نشاطها المسلح إلى نمط من حرب المجموعات، كما أرسلت عدداً من كوادرها إلى فلسطين ولبنان لتلقي تدريبات سياسية وعسكرية.

غير أن انقلاب 12 أيلول 1980 في تركيا أدى إلى تأجيل إطلاق الكفاح المسلح، في وقت كانت فيه أعداد من كوادر الحركة قد وقعت بالفعل في أيدي السلطات التركية. وقد شكّل الانقلاب نقطة تحول حاسمة في مسار البلاد، إذ أعقبه حل عدد من الأحزاب والنقابات والمؤسسات السياسية، واعتقال أعداد كبيرة من المعارضين، وفرض إجراءات أمنية وقمعية واسعة طالت مختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية.

وسبق الانقلاب تصاعد حاد في أعمال العنف والاستقطاب السياسي، بما في ذلك أحداث ومجازر دامية، من بينها مجزرة غمغم (مرعش) وأحداث الأول من أيار، في أجواء أسهمت في تعميق حالة الخوف والاستقطاب وانعدام الثقة داخل المجتمع.

وجاء الانقلاب كذلك في سياق إقليمي ودولي اتسم بالتوتر، في ظل الحرب الباردة وموقع تركيا الاستراتيجي بوصفها عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالتزامن مع تحولات إقليمية كبرى، من بينها الثورة الإيرانية والاحتلال السوفييتي لأفغانستان واستمرار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

وفي أعقاب الانقلاب، تعرض المعتقلون في السجون التركية لظروف قاسية وممارسات تعذيب وقمع واسعة، وأصبح سجن آمد رقم 5، أحد أبرز المواقع التي شهدت مقاومة المعتقلين المنتمين إلى حزب العمال الكردستاني.

وفي هذا السياق، برز اسم مظلوم دوغان، الذي اعتقلته السلطات التركية عام 1979، أي قبل الانقلاب العسكري، وعُرف بموقفه الصلب خلال محاكمته أمام المحكمة العسكرية، حيث أطلق عبارته العبارة الشهيرة: "المقاومة حياة، والاستسلام موت"، وفي 21 آذار/ 1982، أضرم دوغان النار في جسده داخل السجن احتجاجاً على ظروف الاعتقال والممارسات القمعية والتعذيب الذي تعرض له المعتقلون، لتتحول خطوته لاحقاً إلى رمز للمقاومة في سجون تركيا.

وبعد ذلك، أعلن عدد من رفاقه وكوادر حزب العمال الكردستاني، وهم كمال بير، ومحمد خيري دورموش، وعلي جيجك، وعاكف يلماز، "صيام الموت"، في 14 تموز 1982، احتجاجاً على ظروف السجن وسياسات القمع والتعذيب. وتحولت هذه الإضرابات والمقاومة داخل السجون إلى محطة بارزة في تاريخ الحزب، وأسهمت، في تعزيز التوجه نحو استئناف العمل المسلح، وصولاً إلى إعلان الكفاح المسلح في 15 آب 1984.

ويكتسب 15 آب 1984 أهميته في هذا السياق بوصفه نتيجة لمسار سياسي وعسكري طويل بدأ في سبعينيات القرن الماضي، وتداخلت فيه عوامل داخلية وإقليمية، وصولاً إلى انتقال الحركة من النشاط السياسي والتنظيمي إلى مرحلة الكفاح المسلح المفتوح.

الاستعداد لـ 15 آب

بعد المؤتمر الثاني لحزب العمال الكردستاني، الذي عقد في صيف 1982، باشرت مجموعات من الحزب بداية شهر أيلول من العام نفسه بالتحرك نحو المناطق الحدودية والاستعداد للعودة إلى شمال كردستان.

وفي 24 تشرين الثاني 1982، فقد 8 من مقاتلي المجموعة التي كانت بقيادة شاهين كلافوز (ريبر) حياتهم غرقاً في نهر هيزل أثناء عودتهم إلى كردستان بسبب الفيضانات.

ومع بداية 1983، أقيمت معسكرات على جانبي نهر زاب، واستمرت الاستعدادات للكفاح المسلح، وفي اجتماع عقد بين 16 و18 حزيران 1984 في خنيرة بجنوب كردستان، اتخذ ستة أعضاء من اللجنة المركزية لحزب العمال الكردستاني قرار تأسيس قوات تحرير كردستان (HRK) التي ستتولى تنظيم حرب الكريلا. وفي تموز، أُبلغت مجموعة أوسع من الكوادر بالقرار، كما حُددت أماكن وتواريخ العمليات.

15 آب 1984.. بداية مرحلة جديدة

وفق الخطة الموضوعة، كان من المقرر تنفيذ عمليات متزامنة في 15 آب 1984 في ثلاث مناطق: أروه (دهي) في سيرت، شمزينان في هكاري، وجولميرك في وان، إلا أن العملية في جولميرك لم تنفذ في ذلك اليوم.

وفي أروه (دهي)، قادت وحدة "14 تموز" العملية بقيادة معصوم قورقماز (عكيد)، بينما قاد عبد الله إكينجي العملية في شمزينان ضمن وحدة "21 آذار".

وفي صباح 15 آب، وصلت مجموعة (دهي) إلى موقعها، وبعد الاستعدادات الأخيرة نفذت العملية، ومع تلاوة بيان عبر مكبر صوت المسجد، أُعلن تأسيس قوات تحرير كردستان (HRK)، واستهدفت العملية المخفر والبنك وبعض الرموز التابعة للسلطات التركية، قبل أن تغادر المجموعة المنطقة.

أما في شمزينان، فاندلعت اشتباكات عنيفة بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني والقوات التركية، وشارك المقاتلون في إعلان تأسيس قوات تحرير كردستان وتوزيع منشورات.

ومنذ ذلك الوقت أصبح يوم 15 آب نقطة تحول في تاريخ الحركة الكردية، وليس مجرد عملية عسكرية، إذ إنها نقلت القضية الكردية إلى مستوى جديد من الحضور السياسي والاجتماعي والإقليمي لاحقاً.

من "72 ساعة" إلى 42 عاماً

لم تبق عمليات 15 آب داخل حدود تركيا، إذ وصلت أخبارها سريعاً إلى وسائل الإعلام الدولية، وكانت هيئة الإذاعة البريطانية BBC، وإذاعة صوت أميركا، وإذاعة إيران من بين المؤسسات الإعلامية التي نقلت أخبار العمليات في وقت مبكر، كما تناولتها وسائل إعلام أوروبية.

في المقابل، لم ينشر الإعلام التركي أخبار العمليات حتى 18 آب 1984، أي بعد ثلاثة أيام، بينما حدد رئيس النظام التركي كنعان إيفرين في 12 أيلول مهلة 72 ساعة لملاحقة الأشخاص الذين حملوا السلاح ضد سلطة الدولة وتسليمهم للقضاء.

الصراع يغير المجتمع والسياسة

خلال العقود التالية، لم تعد القضية الكردية محصورة في بعدها العسكري، بل أصبحت عاملاً حاضراً في السياسة التركية والشرق الأوسط، وأسهمت في تشكّل وعي سياسي مشترك داخل الشعب الكردي، بعد عقود من الانقسامات السياسية والاجتماعية والعشائرية والدينية.

كما برز دور المرأة بصورة أكبر في الحياة السياسية والاجتماعية المرتبطة بالحركة الكردية، وتحولت مشاركتها ومقاومتها إلى أحد الجوانب البارزة في هذا المسار.

وبمرور الوقت، أصبح من الصعب، قراءة التطورات السياسية في تركيا وسوريا والشرق الأوسط من دون أخذ القضية الكردية في الاعتبار.

من سوريا إلى إمرالي

في 9 تشرين الأول 1998، غادر القائد عبد الله أوجلان سوريا بعد تصاعد الضغوط الدولية على البلد المضيف، وتنقل لاحقاً بين عدد من الدول الأوروبية، قبل أن يُعتقل عبر مؤامرة دولية في 15 شباط 1999 وينقل إلى تركيا.

وفي إمرالي، صدر بحقه في البداية حكم بالإعدام، قبل أن يتحول الحكم إلى السجن المؤبد المشدد. غير أن وجوده في السجن تزامن أيضاً مع دعوات إلى وقف الصراع والبحث عن مسار للسلام، وهو ما شكّل لاحقاً أحد مسارات التحول من المواجهة العسكرية إلى الحوار السياسي.

محاولات الحوار قبل المرحلة الحالية

إن مساعي السلام والحوار المرتبطة بالقائد عبد الله أوجلان ظهرت في مراحل عدة، أبرزها 1993، 1999، 2009، و2013–2015.

لكن هذه المسارات لم تؤدِّ إلى حل دائم، جراء تهرب السلطات التركية وإخلالها بالتعهدات وفق حركة حرية كردستان التي عبّرت مراراً عن رؤيتها حول فشل تلك المراحل، وهو ما أعاد طرح السؤال حول كيفية الانتقال من مجرد وقف القتال إلى معالجة الأسباب السياسية والقانونية والدستورية للقضية.

وهنا تبرز أهمية المرحلة الراهنة، التي لم يعد السؤال فيها، مقتصراً على "هل تتوقف الحرب؟"، وإنما يمتد إلى سؤال آخر: كيف يمكن تحويل وقف الصراع إلى حل سياسي دائم يضمن الحقوق الديمقراطية والسياسية واللغوية والدستورية؟

27 شباط 2025.. دعوة جديدة للسلام

وفي ظل هذه التطورات، شهد الشرق الأوسط منذ الحرب الروسية–الأوكرانية، مروراً بهجوم حركة حماس في 7 تشرين الأول 2023 وما أعقبه من حرب إسرائيلية على قطاع غزة، والتصعيد بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، وصولاً إلى سقوط نظام البعث في سوريا، إلى جانب الإضرابات وحالة الاحتقان السياسي والاجتماعي المتصاعدة داخل تركيا، تحولات إقليمية وداخلية متسارعة أسهمت في إعادة صياغة المشهد السياسي والأمني، ودفعت نحو وقف مسار المواجهة المسلحة والبحث عن مسارات سياسية وقانونية لحل القضية، لذلك وجّه القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط 2025، نداء جديداً تحت عنوان "السلام والمجتمع الديمقراطي"، لتفتح مرحلة سياسية جديدة.

وبعد الدعوة، عقد حزب العمال الكردستاني مؤتمره الـ 12، واتخذ قراراً بإنهاء الكفاح المسلح وحل نفسه، وإعلان الانتقال إلى مرحلة جديدة.

وفي 11 تموز 2025، أقدمت مجموعة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني في السليمانية على حرق أسلحتها خلال مراسم، في خطوة قُدمت بوصفها فعلاً رمزياً في إطار الدعوات إلى وقف الحرب والانتقال نحو السياسة الديمقراطية.

ثم، في 5 آب 2026، أُنشئت آلية سياسية بمشاركة الأحزاب السياسية في البرلمان التركي، في خطوة عُدّت مؤشراً على دخول القضية الكردية إلى مساحة أوسع من النقاش البرلماني.

القانون الإطاري.. هل تبدأ مرحلة الحل السياسي؟

في المرحلة الحالية، تبرز مسألة مشروع القانون الإطاري "تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي"، المؤلف من 12 نقطة. حيث حظي المشروع بموافقة 467 نائباً في البرلمان التركي، ومن المقرر أن يناقش في الجمعية العامة للمجلس، وفي حال إقراره ينتقل إلى المرحلة التشريعية التالية.

وبحسب الخطة الواردة، بعد تقرير وتصديق مجلس الأمن القومي التركي (MGK)، يتولى رئيس الجمهورية تنفيذ القانون.

ويعد الحزب المشروع بوصفه إحدى الخطوات القانونية في مسار "السلام والمجتمع الديمقراطي"، ووصف القائد عبد الله أوجلان الذي يدير المفاوضات مع الدولة التركية، هذه الخطوة بداية لمسار أطول، وقال: "مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة".

من 15 آب إلى اليوم.. ماذا تغير؟

بعد 42 عاماً على 15 آب 1984، تغيرت طبيعة الأسئلة المطروحة حول القضية الكردية، ففي البداية كان المشهد مرتبطاً بالصراع المسلح والمواجهة مع الدولة التركية، بينما أصبحت النقاشات الحالية تدور بصورة أكبر حول الحوار، والحقوق السياسية، والحقوق اللغوية، والضمانات القانونية والدستورية، ومستقبل العلاقة بين الكرد والدولة التركية.

ويبقى التحدي الأساسي أمام المرحلة الجديدة هو الانتقال من القرارات والحوارات إلى خطوات سياسية وقانونية قابلة للتنفيذ، بما يمنع عودة الصراع ويضع أساساً لحل دائم.

(أم)

ANHA