القائد عبد الله أوجلان: الهدف الأساسي هو بناء مجتمع ديمقراطي

أكد القائد عبد الله أوجلان خلال رسالة إلى مؤتمر السلام والاندماج الديمقراطي، أن الانتقال من الكفاح المسلح إلى سلام دائم يتطلب تحولاً سياسياً وقانونياً ومؤسساتياً ومجتمعياً طويل الأمد، وشدد على أن الهدف الأساسي من هذا التحول هو بناء مجتمع ديمقراطي.

القائد عبد الله أوجلان: الهدف الأساسي هو بناء مجتمع ديمقراطي
الثلاثاء 29 يلول, 2026   16:07
مركز الأخبار

بعث القائد عبد الله أوجلان برسالة إلى مؤتمر السلام والاندماج الديمقراطي المنعقد اليوم، في العاصمة البريطانية لندن، والذي ينظمه مركز الشؤون الكردية، جاء فيها:

"إن الدعوة إلى السلام والمجتمع الديمقراطي التي أعلنتها في 27 شباط 2025 فتحت باباً أمام مرحلة جديدة. وقد دعم حزب العمال الكردستاني PKK))، والسياسة الديمقراطية، والأحزاب الممثلة في البرلمان التركي، والمجتمع التركي عموماً، هذه الدعوة. والآن حان الوقت للتقدم عبر هذا الباب المفتوح. إن المواضيع التي ستناقشونها في المؤتمر هي بالضبط قضايا هذه البداية. وستناقشون كيفية تحول الانطلاقة السياسية إلى سلام دائم، بالاستناد إلى التجارب الدولية والمنظورات الكردية. وهذه النقاشات هي التطبيق العملي لهذه الدعوة.

السلام لا يتحقق بمجرد اتفاق أو قانون. إلقاء السلاح هو نقطة بداية. أما ما يجعله دائماً فهو بناء المجتمع. والانتقال من الكفاح المسلح إلى سلام دائم يتطلب تحولاً سياسياً وقانونياً ومؤسساتياً ومجتمعياً طويل الأمد. والهدف الأساسي من هذا التحول هو بناء المجتمع الديمقراطي. ومن وجهة نظري، الثورة ليست تفاوضاً على السلطة، بل هي التحول من خلال البناء. والحرية التي يتم الحصول عليها عبر العنف ستتحول خلال فترة قصيرة إلى نقيض للقيم التي يُخاض النضال من أجلها. فلا السلام القائم على الاحترام، ولا الديمقراطية والحرية، يمكن أن تكون دائمة من دون ذلك؛ فلا الديمقراطية ولا السلام المجتمعي يمكن أن يتجذرا تحت ظل السلاح.

إن العلاقة الممتدة لألف عام بين الكرد والترك، والكرد والفرس، والكرد والعرب، ليست علاقة تقوم على العداء المتبادل، بل هي جدلية بُنيت، رغم ما شهدته من صعود وهبوط، على التضامن. واليوم يمكن تجديد هذه العلاقات من خلال الاندماج الديمقراطي، من دون استيعاب أو انفصال. والحلول الانفصالية لا تتوافق مع حقيقة هذه الجغرافيا، لأن الشعوب والثقافات والمعتقدات تعيش معاً في هذه الجغرافيا. كما أن قانون الأخوة يقوم على أسس تاريخية وسوسيولوجية.

ولا يمكن حل علاقة الكرد بالترك والفرس والعرب والشعوب الأخرى التي تعيش على هذه الأرض من خلال رسم الحدود. فهناك ملايين الكرد يعيشون في المدن الكبرى في بلدان المنطقة. وعلى سبيل المثال، القول: "ليذهب الكرد إلى الشمال، وليذهب الترك إلى الجنوب"، لا يتوافق لا مع التقسيمات التاريخية ولا مع العلاقات الاجتماعية.

الاندماج هو عكس الاستيعاب. فالاستيعاب يذيب ويزيد العداء، بينما الاندماج يحقق الوحدة ويبني السلام. وهذا يتيح للمجتمع الديمقراطي الحفاظ على وجوده والمشاركة طوعاً في الجمهورية الديمقراطية ضمن إطار الحقوق الجماعية.

إن حزب العمال الكردستاني التي أسستها ظهرت كنضال وجودي وفق ظروف عصرها. وقد أثبت وجود الكرد وكسر سلسلة الإنكار. وفي عالم 2025، أصبح الشعب الكردي حقيقة تاريخية لم يعد بالإمكان إنكارها. ولذلك، فإن المهمة التاريخية لحركتنا قد اكتملت. وكما هو حال كل بنية ثورية، ينبغي لها، عندما تكمل مهمتها، أن تتحول إلى شكل جديد. فالحلّ ليس نهاية أو استسلاماً، بل انتقال إلى مرحلة جديدة من التاريخ. وإذا أصررنا على الشكل القديم، فإن أكبر الخسائر ستلحق بالشعب الكردي.

ينبغي من الآن فصاعداً عدم تمجيد السلاح، بل ينبغي بناء المجتمع. لقد حلت السياسة الديمقراطية محل استراتيجية حرب التحرر الوطني. وسلاحنا الأقوى هو الكلمة والقانون والمجتمع المنظم.

ولا يمكن أن تقوم سياسة ديمقراطية إلا على أساس طبيعي. وعلى هذا الأساس، لا ينبغي الاكتفاء بإلقاء السلاح، بل ينبغي في الوقت نفسه إزالة العنف والتهديد بالحرب بشكل متبادل.

إن تركيا التي يشارك فيها الكرد بوعي ديمقراطي ستصبح بالفعل جمهورية ديمقراطية. وفي تركيا والشرق الأوسط، لا يتمثل الهدف في التقسيم، بل في بناء ديمقراطية حقيقية معاً.

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن طريق الخروج من الأزمات في إنشاء دول قومية جديدة تهدم الحدود، بل في إحياء النقاط المشتركة بين الشعوب، أي في الحوار الاندماجي وبناء المجتمع الديمقراطي القائم على الكومينات.

ولا يمكن للانطلاقة السياسية أن تتحول إلى سلام دائم بقرار من طرف واحد فقط. ومن أجل الاندماج، هناك حاجة إلى خطوات مشتركة وتفاهم والاعتراف بآلام بعضنا البعض. وإذا لم تُؤمّن العملية باتفاقات قانونية، فلن تتجاوز هدنة قصيرة الأمد. والسلام الدائم هو انتشار السياسة الديمقراطية في الحياة اليومية، والأحياء والمدن والمؤسسات.

ومن دون القانون، لا يمكن للوجود أن يحصل على مكانة قانونية، ويبقى النضال الديمقراطي بلا أساس. والضمان الضروري هو الاعتراف بالمجتمع الديمقراطي، وتطوير اللغة والثقافة بحرية، وتوسيع قانون الإدارة المحلية، واستكمال المواطنة الدستورية الأساسية مع المواطنة الحرة. ولا يمكن إعادة بناء القانون القومي المركزي والأحادي الجانب من خلال الإصلاحات الدستورية والقانونية، من دون ذلك لن تُبنى الثقة. وإذا لم تصبح الجمهورية ديمقراطية، فلن يتحقق الاندماج الديمقراطي.

ينبغي أن يتمكن الأشخاص الذين خاضوا الكفاح المسلح من العودة إلى الحياة السياسية والمدنية، وينبغي أن تتاح لهم فرصة تحمل المسؤولية ضمن السياسة الديمقراطية. وعندما تكتمل العملية، سيصبح هؤلاء الرفاق مراكز للنقاش الديمقراطي والقانون والحياة المدنية. ومن خلال الاندماج الديمقراطي، سيصبحون جزءاً من المجتمع، وسيكونون فاعلين في عصر خالٍ من العنف والسلاح.

إن أشكال المشاركة التي ستُنجز التحول من سياسة الصراع إلى السياسة الديمقراطية لا تقتصر على السياسة التمثيلية والانتخابات فقط. فالكومينات، ومجالس الأحياء والمدن، والتعاونيات، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، والإدارات المحلية، هي جذور هذا التحول. والسياسة الديمقراطية هي كل أشكال التنظيم والنشاط الهادفة إلى تسييس المجتمع.

وينبغي للترتيبات الدستورية والمؤسساتية أن تعالج التعددية السياسية والإقليمية واللغوية والثقافية، لا من خلال مشروع الأمة الأحادية، بل من خلال تصور ديمقراطي للأمة. والأمة الديمقراطية هي نموذج سياسي تتشارك فيه الهويات المختلفة حقوق المساواة والحرية والوحدة. فالاختلافات اللغوية والدينية والثقافية والإقليمية هي ثراء. وقد أدى فرض التجانس إلى خلق أزمات في هذه المنطقة، بينما يشكل الاعتراف بالتعددية الأساس الدستوري للحل.

ولأن الوجود يتجسد في اللغة والثقافة، فإن الاعتراف بالوجود يتطلب إزالة العقبات التي تعترض التعليم والتطور الثقافي.

وفي الحل المستدام، لا تكتفي الإدارات المحلية بتقاسم الأعباء مع المركز، بل تنظم أيضاً وجود المجتمع من خلال إدارات محلية ديمقراطية. والتنظيم الاجتماعي الديمقراطي يعمل مع الدولة القومية تحت المظلة السياسية نفسها، من خلال المشاركة المباشرة للمجتمع. ولا تكمن أهمية الحل في السلطة المركزية، بل في القانون والتنظيم الديمقراطي المحلي. وإن بناء المجالس في مجالات التعليم والصحة والثقافة والاقتصاد والسياسة يحيي الخلايا الأساسية للمجتمع الديمقراطي.

المرأة، والأقليات القومية، والمجتمع المدني، والإعلام، ليست قضايا مؤجلة ليتم "حلها لاحقا"، بل هي عناصر فاعلة في العملية الراهنة. فقضية المرأة هي القضية الأساسية للمجتمع الديمقراطي. وحرية المرأة والوعي الإيكولوجي هما ركيزتا بناء المجتمع الديمقراطي. وينبغي أن تصبح الهويات والمعتقدات والمجموعات الاجتماعية المختلفة مواضيع للعمل المجتمعي. ومن دون مشاركتها الفعّالة، لن يترسخ الإصلاح القانوني ولن يتحقق التوافق المجتمعي.

إن دعوتي إلى شعوب تركيا وإلى هذا المؤتمر هي: الهدف ليس التقسيم، بل بناء ديمقراطية حقيقية معاً. ولم تعد القضية الكردية مجرد قضية شعب واحد، بل هي قضية المستقبل المشترك لتركيا والشرق الأوسط. وما يُنتظر منكم هو نقل هذا التحول والمقاربات النظرية إلى الميدان، وربط التجربة الدولية بالأساس التاريخي للوحدة في هذه المنطقة.

إذا لم تُحل القضية الكردية، فلن يكون من الممكن بناء مستقبل أكثر هدوءاً وأماناً وقابلية للحياة للجميع في الشرق الأوسط.

يتقدم العملية من خلال خطوات مشتركة، وضمانات قانونية، وتنظيم ديمقراطي لكل مكونات المجتمع. وعلى عتبة عصر جديد، لا يتمثل الهدف الأساسي في هدم الدولة، بل في بناء المجتمع الحر.

هذه العملية ليست ضد أي مجموعة، وليست من أجل مجموعة بعينها. إنها دعوة إلى الدعم والعمل المشترك لكل من يؤيد الحل والسلام والقيم الديمقراطية.

مع التحية والاحترام،

عبدالله أوجلان

إمرالي".

(ف)