حصيلة 20 عاماً من ديكتاتورية أردوغان ونضال الحرية

فهيم إشيك

عقب انتخابات 2002 في تركيا بدأت مرحلة جديدة في السياسة التركية. فحتّى ذلك الحين كان تأثير الكَمالية قوياً في حكم البلاد. وكان الجنود هم من يتحكّمون بالسياسة ويرون أنفسهم أصحاباً للدولة. وقد أحدثت الأزمة الاقتصادية عام 2001 شرخاً في هذه المرحلة. بقيت غالبية الأحزاب في ذلك الوقت تحت بند 10 بالمائة في الانتخابات، وكان هذا البند قد وُضع من أجل الكرد. تخطّى حزب رجب طيب أردوغان هذه النسبة، وتغيّر الحكم. لكن رجب طيب أردوغان لم يستطع تولّي منصب رئاسة الوزراء؛ لأنه كان مُداناً من قبل محكمة الدولة. لذا كان عبد الله غول رفيق أردوغان هو من تولّى منصب أول رئيس للوزراء في هذه المرحلة.

بعد الانتخابات خرج أردوغان في جولة دوليّة. زار خلالها أمريكا وعدداً من الدول الأوروبية، وقد استُقبل أردوغان في حوالي 60 دولة كرئيس للوزراء. كانت هذه رسالةً إلى حكّام تركيا. رأى السياسي الكمالي دينيز بايكال الذي كان زعيماً لحزب الشعب الجمهوري آنذاك أنّ هذا الوضع يشكّل خطراً على المستقبل. ومهّد الطريق لأردوغان باتفاقية سرّية. ولم يُعرف مضمون اجتماع أردوغان ودينيز إلى الآن. عقب هذا الاتفاق، تمت إعادة الانتخابات في مدينة سيرت في باكور كردستان وبعد عدّة أشهر سلّم عبدالله غول رئاسة الوزراء لأردوغان. وتولّى هو منصب وزير خارجية البلاد.

أخفى أردوغان وجهه الحقيقي في البداية

كان أردوغان خلال ولايتيه الأولى والثانية ذو سياسةٍ ليبراليّة. لم يكن يُظهر جانبه الإسلامي كثيراً. وقد طوّر في تلك الأثناء علاقاته مع أمريكا والدول الغربية من ناحية، ومع الدول العربية من ناحية أخرى. وهذا ما عزّز من نفوذه أمام الكماليين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أصحاباً للدولة. كما ازداد داعموه أيضاً مع مرور الوقت.

  تفكير أردوغان والكماليين بشأن حزب العمال الكردستاني هو ذاته

حاول الكماليون كثيراً عزل أردوغان من منصبه. إذ قام الجيش بتحذير أردوغان عدّة مرات، وقد وُصف هذا التحذير بانقلاب ما بعد الحداثة. وكلّما حاول الجيش، تحرّك أردوغان كليبراليٍ ديمقراطيٍ أكثر، وأخفى أجندته الحقيقية وجانبه الإسلامي أكثر. ولم يتوافق تفكيره مع تفكير الكماليين سوى في السياسة المنتهجة ضد حزب العمال الكردستاني. هو أيضاً كان يصعّد الحرب. ولكنه اختلف مع الكماليين حول بعض النقاط في هذه السياسة. هو كان يرى الكرد كجزءٍ من المسلمين وأراد أن يوحدهم كأمةٍ مسلمةٍ تحت راية الإسلام. في تلك الولاية لم ينتهج تجاه القوميات الأخرى أية سياسةٍ إسلامية. إلّا أنّ سياسته تجاه الكرد كانت إسلامية. لم يبدِ الكماليون أية ردة فعلٍ على هذه السياسة. هم أيضاً كانوا متفائلين في هذه السياسة. كانوا يظنّون أنّه كلّما ابتعد الكرد عن أفكارهم القومية أكثر كلّما ضعُف حزب العمال الكردستاني أكثر. 

صحيحٌ، أنّ هذه السياسة عزّزت حزب العدالة والتنمية بين الكرد، لكنّها لم تضعف حزب العمال الكردستاني. أو بعبارةٍ أخرى، تجمّع الكرد الدولتيون حول حزب أردوغان أكثر. ولم ينتصر أردوغان ضد حزب العمال الكردستاني، مهما فعل في إطار هذه السياسة ومهما اتّخذ من خطوات. وهذا ما أضعف موقفه أمام الكماليين. مما أجبره على إطلاق عمليات اللقاءات المباشرة مع حزب العمال الكردستاني. وكانت لقاءات أوسلو عام 2009 نتيجة سياسة هذه المرحلة.

ظهور السياسة الإسلامية بعد "الربيع العربي"

ظهر بكل وضوحٍ في أوسلو أنّ مشكلة أردوغان ليس الوصول للحل. فقد كان يستخدم الكرد كأداةٍ لتعزيز موقفه ونفوذه كلّما تصاعدت حدّة لهجة الكماليين ضده. عدا عن هذا فقد بدأ بانتهاج سياسته الإسلامية وإظهارها شيئاً فشيئاً. وتعدّ سياسة العثمانية الجديدة إحدى مخرجات تلك السنوات. كما وُضعت السياسة الاحتلالية على الأجندة التركية شيئاً فشيئاً بعد عام 2009.

إن خبير سياسة العثمانية الجديدة هو في الأساس السياسي الإسلامي، أحمد داوود أوغلو. الذي نشر طريقة وأسلوب هذه السياسة باسم "العمق الاستراتيجي". وليستطيع أردوغان النجاح في هذه السياسة قام بضمّ أحمد داوود أوغلو لحزبه وجعله وزيراً للخارجية بعد مدّة. تولّى عبدالله غول منصب رئاسة الوزراء. وهذا ما عزز من نفوذ أردوغان أمام الكماليين أكثر من السابق. مما أدى لتخليه عن وجهه الليبرالي والديمقراطي وانتهاج السياسة الإسلامية المتشدّدة. كما ظهر في هذه المرحلة أيضاً تحالفه مع الإخوان المسلمين.

شكّل انطلاق الربيع العربي عام 2010 في تونس فرصةً لأردوغان. ولكنه انتهز فرصته هذه بعد بدء الأزمة السورية. وقد كانت علاقة أردوغان ببشار الأسد قبل بدء الأزمة السورية كعلاقةٍ عائلية. إذ أراد أردوغان قطع الطريق أمام حزب العمال الكردستاني عن طريق الأسد. ولكن بعد الربيع العربي، قام هذه المرّة باستهداف الأسد. كان يظنّ أنّ بشار الأسد سيسقط خلال بضعة أشهر وستقع سوريا تحت حكم الإخوان المسلمين كما في مصر. وأنّه سيكون بهذا قادراً على تنفيذ سياسة العثمانية الجديدة بشكلٍ أسهل مع حلفائه الإخوان المسلمين. كما آمن بالتغيير في مصر أيضاً. كان يرى حلم ولاية العثمانيين عن طريق مشاعر الإخوان المسلمين. أراد أن يتجمّع العالم العربي بأسره تحت راية الأتراك مرةً أخرى بالطرق والأساليب الإسلامية.

التغييرات في روج آفا أحبطت حساباتهم

 لم تتوافق حسابات المنزل مع حسابات السوق. تحرّك كرد روج آفا بسياسةٍ واعية وعزّزوا نفوذهم أكثر. بدأ أردوغان بإجراء محادثاتٍ ولقاءاتٍ أخرى مع حزب العمال الكردستاني بهدف قطع الطريق أمام تقدّم الكرد. وكانت مرحلة الحل في عام 2013 نتيجة هذه السياسة. كان يريد ضمّ كرد روج آفا وجمعهم تحت راية العثمانية الجديدة عن طريق المحادثات مع حزب العمال الكردستاني.

واتضح في اللقاءات التي عقدت في جزيرة إمرالي أن روج أفا هو خطٌ أحمرٌ بالنسبة لحزب العمال الكردستاني والقائد عبدالله أوجلان أيضاً. اتّبع النشطاء السياسيون في روج آفا سياسة القائد أوجلان. لم يقطعوا الطريق بوجه العلاقات، لكنهم لم يخضعوا لتأثير أردوغان. كما تعزّزت السياسة المدنيّة في تركيا وباكور كردستان مع مرور الوقت. وكشفت نتائج انتخابات السابع من حزيران عام 2015 أنّه سيكون للكرد تأثيرٌ في إدارة تركيا مستقبلاً. وهذا ما أرعب جميع أطراف الدولة. وسعى الجميع معاً لقطع الطريق أمام حزب الشعوب الديمقراطي. وقاموا كأول خطوةٍ بإطلاق الحرب ضد الكرد من جديد. ثم أعادوا إجراء الانتخابات وعاد أردوغان إلى الحكم مرةً أخرى.  

شنّوا الحرب ضد الكرد في كلٍّ من باشور وروج آفا معاً. ولم يقوموا بإيقاف الحرب والهجمات ضد كلا جزئي كردستان حتى الآن. ولنتذكّر أيضاً ضعف الإخوان المسلمين في تركيا بعد إسقاط محمد مرسي. مما أدى إلى لجوء أردوغان هذه المرّة إلى القوات الجهادية الأخرى. وقد قام بتدريب هذه القوات بعد عام 2011. كما عزّز علاقاته ومشاريعه مع داعش بعد احتلال الموصل. وقد استفاد من جميع القوى الجهادية وعلى رأسها داعش في الحرب ضد الكرد. إذ استخدمهم جميعاً في الحرب ضد الكرد من جهة وضد سوريا من جهةٍ أخرى. كما انتهزت الدولة التركية الفرصة من الصراعات الدولية واحتلّت عفرين عام 2018 وكري سبي وسري كانيه عام 2019. غضّت كلٌّ من أمريكا وروسيا الطرف عن الدولة التركية وتجاهلت عمليات الاحتلال هذه ولم تمنعها. فيما لم يخضع لا مقاتلو روج أفا ولا كريلا حزب العمال الكردستاني لهذا، وواصلوا مقاومتهم ضد الهجمات الاحتلالية بلا هوادة.

تواجه تركيا عواقب وخيمة للحرب

لكن هذه السياسة العنصرية المتعصبة قضت على تركيا. إذ تواجه الدولة التركية الآن عواقب وخيمة للحرب. انهار الاقتصاد التركي، يعاني الناس من غلاء المعيشة. معدّل البطالة آخذٌ بالارتفاع. هذه العواقب ترعب أردوغان والذين يعدّون أنفسهم أصحاباً للدولة أيضاً. وكلّما خافوا أكثر لجأوا إلى تكثيف هجماتهم أكثر. إنهم يقومون في تركيا وباكور كردستان بزجّ السياسيين في السجون. ويشنّون كل أشكال الهجمات على الجزأين الآخرين من كردستان. وتسبّبوا باستشهاد العشرات من الكوادر والقياديين في روج آفا وشنكال وكوادر حزب العمال الكردستاني. أسباب هذه الهجمات واضحةٌ للغاية. السبب الرئيسي هو حماية كيان الدولة المحتلة التي لا ترغب بانهيار هذا النظام التركي المتعصب. والسبب الآخر هو فشل نظام أردوغان الديكتاتوري والفردي.

بعد معاهدة لوزان، بنت الدولة التركية نفسها على أساسي القومية الواحدة، والراية الواحدة. وانتفض الكرد على هذه السياسة الاستعمارية. ولكنهم لم ينتصروا فيها. لم يُشهد أي تحركٍ أو نشاطٍ كردي حتّى الستينات. إذ نشط الكرد في المجال السياسي مرةً أخرى بعد عام 1960. وقد تعزّزت السياسة الكردية اليسارية بعد السبعينات 1970. وقد أحدثت هذه السياسة تأثيراً فعّالاً على نضال الحرية الكردية. فيما بدأت مرحلة الحرب العسكرية المسلّحة بعد عام 1980. وتعدّ التسعينات 1990 مرحلة النضال الجماهيري.

تلقّى أردوغان الدعم من العنصريين

كثّفت الدولة الضغط، كلّما أرادت عرقلة النضال. وصول أردوغان للحكم هو نتيجة هذه السياسة الاستعمارية. كانت الدولة على علم بعقلية أردوغان وسياسته الإسلامية. أي بعبارةٍ أخرى كانوا يعلمون ما هو هدفه. لكنهم أرادوا البحث عن فسحة من الأمل عن طريق أردوغان بسبب فشل السياسة المنتهجة ضد الكرد. ولهذا دعموا أردوغان مرةً أخرى بشدّة عند إطلاقه لحربٍ عنيفةٍ ضد الكرد عقب عام 2015، وذلك عن طريق حزب الحركة القومية الفاشي وقوميي الأرجينكون. انتهت هذه السياسة أيضاً. ولكن ظهر أمرٌ آخرٌ في هذه السياسة وهو مكتسبات أردوغان. استغلّ أردوغان ضعف الحركة الكمالية وعزّز نظامه الفردي. 

يعلم أردوغان ومحيطه هذا. أي أنهم على علمٍ بمكاسبهم. وليحموا هذه المكاسب فإنهم يظهروها أكثر بارتباطٍ بين العثمانية الجديدة والميثاق الملّي. ويريدون احتلال روج أفا وباشور كأول خطوةٍ في الميثاق الملّي. إنهم ينفّذون سياستهم على هذه الأسس. وهم بحاجةٍ أكبر إلى الحرب في ظلّ هذه السياسة. كما أنهم يسعون للتسبّب باندلاع حربٍ أهليةٍ من ناحية وخلق فتنةٍ وعداء بين الكرد والعرب من ناحيةٍ أخرى. وهم يستخدمون جميع الطرق والوسائل لتحقيق هذه الأهداف.  

تحرّكوا مع الجميع من أجل مصالحهم

والعلاقات مع إسرائيل هي خير مثالٍ على هذه الأساليب. انتهج أردوغان سياسةً معاديةً لإسرائيل منذ حوالي 15 عاماً. وعاش أزمةً بارزةً مع شمعون بيريز في دافوس عام 2009. وتوقفت العلاقات بين الدولتين لفترةٍ طويلة.

كما تواجهت الدولتان مرةً أخرى عام 2010 بسبب ذهاب سفينة مرمرة إلى غزّة وشنّ إسرائيل هجوماً عليها. مما أسفر آنذاك عن مقتل تسعة أشخاص على متن هذه السفينة. ووصف أردوغان هذا الهجوم بإرهاب الدولة. وبسبب هذه الحادثة لم يقتصر الأمر على قطع العلاقات الدبلوماسية فقط بل توقفت العلاقات العسكرية أيضاً. لكن ما هو الوضع الآن؟ زار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تركيا في التاسع من آذار المنصرم. ويُقال أنه تم توقيع عددٍ من الاتفاقيات العسكرية والتجارية مع إسرائيل.

شهد أردوغان الأمر ذاته مع دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد توقفت العلاقات بين تركيا والإمارات بعد الانقلاب العسكري الذي وقع في 15 تموز عام 2016. كما تذرّعوا بالحصار المفروض على قطر ووصفوا الإمارات بالعدو. كما اتّخذت كلُّ من تركيا والإمارات العربية المتحدّة موقفاً متعارضاً في الانقلاب في مصر، الحرب في ليبيا. تغيّر الموقف الآن ضد الإمارات أيضاً. فقد زار ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان تركيا في 24 من تشرين الثاني المنصرم. كما زار أردوغان الإمارات في الرابع والخامس من شباط المنصرم ووقّع العديد من الاتفاقيات الجديدة معها.

كما يعمل أردوغان على توطيد علاقاته مع المملكة العربية السعودية أيضاً. وقد كانت الخطوة الأخيرة التي اتّخذها، إغلاق قضية جمال الخاشقجي. إذ استخدم أردوغان هذه القضية كسيفٍ ضد المملكة العربية السعودية. لكنها أغلقت هذه القضية الآن وسلّمت الملف للمملكة. ويُقال أنها حققت مصالح خاصة من المملكة العربية السعودية للقيام بهذا. وسنرى ما هي هذه المصالح في المستقبل.

كما يرغب أردوغان بعد الأزمة الأوكرانية بتحسين علاقاته مع أمريكا والدول الأوربية أيضاً. وروسيا هي التي تقف عقبةً بوجه أردوغان في هذا الصدد. إذ أنّ أردوغان لا يريد إغضاب بوتين. صحيحٌ أنه يدعم أوكرانيا، ولكنّه لا يتحرك كعدوٍ ضد روسيا. وهذا ينطبق على الدول المنضمّة للناتو.

إنّ السياسة المصلحيّة هي أكثر ما تبرز في هذه الإجراءات. إنّ أردوغان في حقيقته لا يتحرّك بطريقة ممنهجة ومعينة. إنّه يقدّم التنازلات لمحيطه فقط ليتمكّن من الحفاظ على حكمه. ويُظهر هذه الإجراءات كنجاحٍ في السياسة الداخلية. وهي في حقيقتها بعيدةٌ كل البعد عن النجاح إنها استسلامٌ مباشر. لكن هذه الحقيقة لا تصل للشعب. وسبب هذا واضح؛ أنّه الديكتاتورية الفردية. إذ أنّ الديكتاتورية الفردية تسيطر على جميع مفاصل الدولة بدءاً من البرلمان، القانون، والصحافة وانتهاءً بالاقتصاد وتتحكّم بها. كما أنّ هناك ضغوطٌ كبيرةٌ على الشعب. صحيحٌ أنّ الشعب يبدي سخطه حيال هذا، لكن هذا السخط لم يصل لحدّ إسقاط نظام الديكتاتورية الفردية.

لم يرضخ الكرد للاستبداد يوماً

هنا ينبغي أن نتحدّث عن حقيقةٍ أخرى أيضاً، وهي موقف الكرد.

لم يرضخ الكرد لاستبداد الدولة التركية يوماً. لقد دفعوا ثمناً باهظاً لكنهم لم يتخلّوا عن نضال الحرية. وينعكس هذا في الهجمات على روج آفا، باشور كردستان والنضال السياسي في باكور كردستان أيضاً.

تواصل الدولة التركية هجماتها على مناطق الكريلا في باشور كرستان منذ أكثر من عام. كما استخدمت في هذه الهجمات الأسلحة الكيماوية والثقيلة. ولم تنتصر رغم كل إمكانياتها التقنية. قطعت مقاومة الكريلا الطريق على الجيش التركي. ويريدون اليوم كسر مقاومة الكريلا عن طريق الحزب الديمقراطي الكردستاني. كما يتدخّلون في الشؤون العراقية الداخلية من أجل هذا. كما أنهم يقومون بالاستفزازات. أي أنهم يلعبون بالنار وإن حقّقوا ما يريدون فإنهم لن يضمّوا كردستان فقط بل المنطقة بأسرها. ولكن ومهما كانت الظروف فإن الحقيقة هي أنّ أردوغان لم يستطع القضاء على الثقل العسكري الكردي. كما انتصر الكرد على الصعيد السياسي أيضاً. واحتفالات نوروز هي الدليل على هذا الانتصار. لقد خرج ملايين الأشخاص في باكور كردستان لساحات الاحتفال في نوروز 2022. ويُقال أنّ هناك 10 ملايين شخص على الأقل احتفلوا بنوروز في باكور كردستان ككل. وهذا بلا شك انتصارٌ لا مثيل له أمام كل هذا الضغط والظلم. كما أنّ هناك حمايةٌ جوهريةٌ كبيرةٌ في روج آفا ضد هجمات الدولة التركية وهذا ما كبت مشاعر أردوغان. 

انتهى عهد أردوغان

لا شكّ أبداً، أنّ أردوغان قد وصل لنهاية عهده. لم يبق إلى جانبه الآن أحدٌ من رفاقه الأوائل. وانشق حزبان آخران من حزبه. إذ يعمل العديد من مواليه القدماء أمثال عبدالله غول، علي باباجان، أحمد داوود أوغلو على عدم بقائه على الحكم. وأصبح من الواضح أنّه لن يتمكّن من البقاء في الحكم. كما يتصاعد نضال الحرية الكردية، النضال الديمقراطي في تركيا وباكور كردستان. وربما تكون المشكلة الأكبر، المعارضة الكمالية. ولا تزال الأطراف الكمالية وعلى رأسها الائتلاف القومي الذي يتزعّمه حزب الشعب الجمهوري تخشى تغييراً جوهرياً. إنهم يعارضون أردوغان ولكن ليست لديهم أيّة برامج في إطار الحل الديمقراطي للقضية الكردية. كما تواصل بعض الأطراف العنصرية في هذا الائتلاف عداءها للشعب الكردي. وهذه أكبر فرصةٍ أمام أردوغان. إذ أنّه يستفيد من هذا الأمر.

في الختام، لقد حدثت الكثير من الأشياء في تركيا خلال العشرين عاماً الماضية. ولاشكّ أن الفاعل الأكبر في هذه المرحلة هو رجب طيب أردوغان. كما أنّه أكبر مثالٍ على السياسة المصلحية. فشلت هذه السياسة، ولكن سياسة العثمانية الجديدة لا تزال على أجندته. لم يتخلَّ عن هذه السياسة القذرة والاستعمارية مهما فشل.

وإن لم تكن هذه السياسة الاستعمارية قد نجحت ولم تصبح دول الشرق الأوسط مستعمراتٍ لدى الدولة العثمانية مرةً أخرى، فإن الفضل الكبير في هذا يعود للكرد. أضعفت المقاومة الكردية، الكمالية. وهذا قدّم فرصةً لأردوغان للوصول إلى الحكم. والأن تُنهي المقاومة الكردية سياسة أردوغان الاستبدادية. ينبغي ألّا ينسى العالم والشعوب المختلفة في الشرق الأوسط هذا الأمر. قدّم الكرد تضحياتٍ كبيرة وهذه التضحيات لن تفيد الكرد فقط. ولهذا على جميع الأطراف أن تأخذ هذا الأمر بالحسبان.