الانتخابات العراقية .. تشرذم وطائفية وولاءات خارجية 2

الأحزاب والكيانات الموجودة في العراق طائفية مختلفة الولاءات، تسعى لتطبيق سياسة داعميها في العراق، إلا أن الشيعة رغم الاختلاف بينهم ربما سيتوجهون نحو حكومة أغلبية سياسية يستغنون بها عن أي تمثيل سني وكردي حقيقي يكون مؤثراً في صناعة القرار النيابي للسنوات الأربع القادمة.

الانتخابات العراقية .. تشرذم وطائفية وولاءات خارجية 2
السبت 12 مايو, 2018   01:15

السيناريوهات والانعكاسات المحتملة للانتخابات والخريطة السياسية

مركز الأخبار / يحيى الحبيب

تشهد الساحة العراقية خريطة متغيرة من التحالفات والانسحابات استعداداً للانتخابات البرلمانية المقررة في 12 مايو/أيار الجاري. هذه الانتخابات تأتي فيما تتواتر التصريحات السياسية في العراق، عن تلقي القوائم الانتخابية دعماً من دول الجوار، بل تعدى الأمر لأكثر من ذلك وهو في فرض شخصيات سياسية بعينها واستبعاد أخرى.

الشيعة .. مشاريع وخيارات متعددة

لمعرفة مآلات ومحاولة استقراء نتائج هذه الانتخابات علينا معرفة ولاءات هذه الكيانات والأحزاب في ظل التوتر الإقليمي والدولي، فمن خلال النظر في جل الأحزاب والكيانات التي تتبع للتحالف الوطني أو ما يسمى البيت الشيعي فيتبين بدون أي شك بأنها توالي إيران، إلا أن رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي ومن خلال تحالفاته وتقرباته من واشنطن والغرب ودول الخليج تحول إلى صداع كبير للإيرانيين، ونظراً لأن اللاعب الأقوى على الساحة العراقية هي الولايات المتحدة فإنها تعول عليه كثيراً.

وفي المقابل اللاعب الذي لا يستهان به على الساحة العراقية إيران، قامت بتشجيع عدد من حلفائها في العراق على التنسيق لضمان منع رئيس الوزراء حيدر العبادي من الحصول على ولاية ثانية.

وبحسب مراقبين فإن زعيم منظمة بدر، هادي العامري هو المرشح الذي سيحظى بدعم إيران بعد الانتخابات المنتظرة ليكون مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء وذلك عبر دعمه عن طريق المرجعية التي أصبحت بالنسبة للشيعة بعد الاجتياح الأميركي صاحبة الدور الكبير في تعضيد حكم المكون الذي يدين لها بالولاء.

ولا يزال الفاعل الدولي والإقليمي كما هو مع تغيير بسيط في الدور الإقليمي، فالولايات المتحدة الأمريكية هي اللاعب الأقوى، وإيران تليها مع نفوذ أكبر، أما الدول العربية فيقتصر دورها على  اهتمام خجل.

ويمكن من خلال النظر في المعطيات السياسية أن نستنتج انشطار الكتل الكبيرة إلى تحالفات أقل استيعاباً، فالتحالف الوطني تمحور حول ما يزيد عن أربعة تحالفات كبيرة، وكذلك الحال مع تحالف القوى الذي تمفصل إلى تحالفين كبيرين وأخرى أقل استيعاباً وكذا الحال مع التحالف الكردستاني الذي انشطر بعد الاستفتاء.

هناك فرصة كبيرة لإنهاء التحالف الوطني، وقد تكون تحالفات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المسمار الأخير في نعش التحالف الوطني. ويمكن أن لا تكون هذه التحالفات نهائية، إذ من الممكن أن نرصد انسحابات طالما توفر السقف القانوني.

ولكن إيران لا تزال تمسك بخيوط الكيانات والأحزاب وتعول في القادم من الأيام على تحالف الفتح مع إبقاء صلتها بالعبادي وتناور به إن كسب الجولة القادمة بدعم أمريكي وغربي وعربي.

التنافس الكبير سيكون بين تحالف النصر برئاسة العبادي ودعم الغرب له وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وبين تحالف الفتح المبين برئاسة هادي العامري ودعم إيران وولاية الفقيه له. مع اعتبار كون فرص العبادي ستكون أوفر حظاً من العامري.

وستدفع إيران بالمالكي وربما الحكيم إلى ضرورة دعم تحالف الفتح المبين ودعم شخصية هادي العامري كمرشح لرئاسة الوزراء في الدورة البرلمانية المقبلة لتفويت الفرصة على المشروع الأمريكي في العراق.

ويمكن أن يكون الخصام الظاهر بين العبادي والمالكي تنافساً مسيطراً عليه من قبل حزب الدعوة وبالتالي ستكون رئاسة الوزراء القادمة حصراً لحزب الدعوة وهنا يمكن أن تكون الخطة البديلة لإيران إذا ما فشل العامري بالوصول إلى الحكم.

سناريوهات التحالفات النهائية لتكوين الحكومة بين الأحلاف تواجه تحديِّ خطير وفاصل وتتمفصل حول اتجاهين الأول ويعد فرصة أن يكون التحالف بعيداً عن التخندقات الطائفية والعرقية في استدراك المشهد الأول، والاتجاه الثاني أن تنجح إيران بجمع أشلاء التحالف الوطني وتشكيل حكومة أغلبية على أساس طائفي، وهنا تكون إيران قد ضمنت أن يكون العراق حديقة خلفية لها ولا اعتبار بأي مؤثر دولي أو إقليمي غير إيران.

السنة .. افتقار لمكامن القوة وتشرذم سياسي على مدار أعوام

أما بالنسبة لوضع السنة في هذه العملية السياسية فهم يفتقرون إلى وجود أحزاب سياسية وآلية مؤسّسية جادّة لتحقيق تمثيل أوسع.

كما افتقر سنة العراق إلى راعٍ إقليمي لمشروع يعيد ترتيب أوراق “البيت السني” ويجمعهم على مشروع واحد، وكل أشكال الدعم السابقة والمراحل الانتخابية المختلفة كانت توجه لأشخاص بناءً على توصيات دولية وإقليمية. ولكن برز في الآونة الأخيرة محاولات إقليمية وبتوصية دولية لإعادة إحياء مشروع سني يفرض نفسه واجهة سياسية على الساحة العراقية يجمع أقطاب العمل السياسي الموالي والمعارض ويقرب وجهات النظر بينهما عسى تفلح المقاربة في الرؤى في بلورة رؤية سنية استراتيجية.

ويواجه التمثيل السني في العراق تحدي عزوف الناخبين في محافظات الوسط والشمال عن المشاركة في الاستحقاقات الوطنية.

ويستنتج مراقبون إلى أنه لن تزيد نسبة التمثيل السني في هذه الانتخابات عما هي عليه الآن وهو يشغل قرابة 50 مقعداً نيابياً، وفق معطيات ضعف المشاركة السياسية وغياب المشروع السني الفاعل وتأخر رعاية إقليمية للفواعل السنة المتخاصمين، وسيكون عليها انتظار ما يقرره الفاعل السياسي الشيعي وتوجهاته للمرحلة المقبلة.

وفي ظل حالة التشرذم السني والكردي قد يمضي البيت الشيعي نحو حكومة أغلبية سياسية يستغني بها عن أي تمثيل سني وكردي حقيقي يكون مؤثراً في صناعة القرار النيابي للسنوات الأربع القادمة، إلا أن يكون للفاعل الدولي رأي آخر في فرض معادلات تتناسب ومصالحه الاستراتيجية في المنطقة.

الكرد .. تشرذم سياسي وخلافات مع الشيعة وتقارب مع السنة

بعد تداعيات الاستفتاء والخلاف مع الأحزاب الشيعية بدأت تظهر بوادر تباعد كردي شيعي وخاصة بعد الشعور الكردي بأن التحالف مع الطرف الشيعي لم يُساهم في تطبيق الدستور والذي يضمن المصالح الكردية، وفي مقابل ذلك هناك دعوات لتقارب كردي سني في المرحلة القادمة، في حال فشل رئيس الوزراء الحالي “حيدر العبادي” في قيادة المرحلة القادمة بطريقة تتجاوز الطائفية وتقود العراق للدولة المدنية كما يسوق لها في  خطاباته.

ويرى بعض الساسة الكرد بأن استفراد الطرف الشيعي بالحكم أدخل العراق في مشاكل داخلية وخارجية ودوامة من العنف، وقد يكون التقارب الكردي السني طريقاً ناجحاً لإنهاء هذا الاحتكار للسلطة كخطوة مرحلية لتجاوز  الأزمات التي تعصف بالعراق بسبب الإدارة الفاشلة للأحزاب الشيعية الحاكمة القريبة من إيران، وهذا السيناريو يعتمد على الدعم الإقليمي والقبول الدولي لتحقيقه في المستقبل وخاصة بوجود مخاوف كردية وسنية مشتركة من سياسات بغداد الحالية وامتعاضاً من الطرفين فيما يتعلق بعدم نزع سلاح الفصائل والميليشيات المسلحة وإعادة النازحين إلى مناطقهم قبل موعد الانتخابات.

الانتخابات العراقية والصراع الإقليمي والدولي

وتترافق الانتخابات العراقية في ظل توتر إقليمي ودولي وفي هذا السياق أشار الدكتور عمر عبد الستار في مقال له "ارتبط العراق منذ آب 2014، بالتحالف الدولي ضد داعش، الذي لم يضم إيران، وبمحور إيران الإقليمي منذ 2005.

وكما السنة والكرد، يقف العبادي ومعه المالكي والعامري والصدر والحكيم بين أمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، على أبواب انتخابات 2018 البرلمانية، وهم يواجهون مفترق طرق تاريخية، لم تواجههم منذ انتخابات 2005.

فقد تأتي انتخابات 2018 بالعبادي في ولاية ثانية، لعله يمنع ظهور داعش، ويرفع واقع العراق إلى دستوره، ويمنع الحشد الشعبي من التواجد في محافظات العرب السنة والمناطق المتنازع عليها ومن عبور الحدود، ويقطع ارتباط العراق بهلال إيران.

أو قد يفشل العبادي في الفوز في ولاية ثانية، فيأتي رئيس وزراء (العامري)، وهذا قد ينقل العراق من خطة دعم العبادي المتبعة أمريكياً إلى خطة أخرى قد تفتح على العراق باباً لخروج الحكومة من حزب الدعوة، الذي قد يكسر احتكار إيران للقرار السياسي في العراق، أو قد يفجر صراعاً بالوكالة بين حلفاء إيران وحلفاء الولايات المتحدة في العراق.

وربما يجد العرب السنة، في هذه الانعكاس المحتمل، فرصة  تشبه فرصة الكرد في  عراق ما بعد تحرير الكويـت، فيملؤون فراغ محافظاتهم  بانتخاب جسم سياسي سني، منعاً لظهور داعش من جديد، كما أشار إلى ذلك المعهد الأوروبي للسلام شباط 2017، وتقرير اوليبراتيبت هادلي، أيلول 2016.

لكن هذا الانعكاس المحتمل لنتائج الانتخابات القادمة، قد يتطلب قراراً شيعياً صعباً، يقتضي سحب الحشد الشعبي من محافظات العرب السنة والمناطق المتنازع عليها، أو المواجهة بين حلفاء الولايات المتحدة، المحليين، ومليشيات الحشد الشعبي. ومن مقتضيات هذا الانعكاس المحتمل، أن يتحرر إقليم كردستان من غربته بين 15 محافظة غير منتظمة خاصة بعد فشل الاستفتاء، بفدرلة محافظات العرب السنة.

من شأن هذا الاحتمال أن ينتصر نموذج العراق الفيدرالي نسبياً على النموذج المركزي، وينشأ تقارب سني كردي من جهة، وصراع شيعي شيعي محتمل بين شيعة الدولة وشيعة البيت الشيعي الموالي لإيران من جهة أخرى،، في ظل بوصلة تعمل بالضد من أحزاب الإسلام السياسي السني والشيعي.

(ح)

ANHA