الفرمان الـ 74.. شنكال تتوّج تاريخاً من الإبادات وتعيد تشكيل قضية المجتمع الإيزيدي

يتحول المجتمع الإيزيدي، بعد تعرضه للفرمان الـ 74 بقضاء شنكال في الـ 3 من آب 2014، تدريجياً من مرحلة مواجهة آثار الإبادة الجماعية والمطالبة بالاعتراف الدولي بها، إلى مرحلة ترسيخ حضوره السياسي والإداري، والسعي لتحقيق العدالة، وكشف مصير المفقودين، وضمان عدم تكرار ما تعرض له.

الفرمان الـ 74.. شنكال تتوّج تاريخاً من الإبادات وتعيد تشكيل قضية المجتمع الإيزيدي
الإثنين 3 آب, 2026   02:45
مركز الأخبار
دوغان جيهان

شكل احتلال مرتزقة داعش لمدينة الموصل في حزيران 2014 نقطة تحول مهدت للهجوم على قضاء شنكال، بعد أن استولى على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية، وأعلن في 29 حزيران 2014 ما أسماه "الخلافة".

وبعد أسابيع، وفي فجر الثالث من آب 2014، شن مرتزقة داعش هجوماً واسعاً على قضاء شنكال، ارتكبوا خلاله إبادة جماعية بحق المجتمع الإيزيدي، عُدت "الفرمان الـ 74" في تاريخه.

وينظر الإيزيديون إلى هذه الإبادة بوصفها الحلقة الأخيرة في سلسلة "الفرمانات" التي تعرضوا لها عبر تاريخهم، ويطلقون عليها اسم "الفرمان الرابع والسبعون".

الإيزيديون... تاريخ طويل من الاضطهاد

يُعرف الإيزيديون بوصفهم أحد المكونات الأصيلة في كردستان، وقد تعرضوا على مدى قرون طويلة لحملات قتل وتهجير وإبادة بسبب معتقدهم الديني.

ويتركز معظم الإيزيديين في جنوب كردستان، ضمن حدود إقليم كردستان العراق الفيدرالي، ولا سيما في قضاء شنكال التابع لمحافظة نينوى.

وتشير الرواية الإيزيدية إلى أنهم تعرضوا، خلال الفترة الممتدة بين عامي 906 و2014، إلى 74 فرماناً استهدفت وجودهم الديني والقومي.

ولم تقتصر تلك الحملات على القتل والتهجير، بل استهدفت أيضاً معتقداتهم الدينية ومزاراتهم وأماكنهم المقدسة، لتتحول الإبادة الجماعية التي وقعت في الثالث من آب 2014 إلى واحدة من أبرز الجرائم ضد الإنسانية في العصر الحديث وفق الأمم المتحدة.

فجر الثالث من آب... بداية الإبادة الجماعية

عند الساعة الثانية فجراً تقريباً من يوم 3 آب 2014، بدأ مرتزقة داعش هجومهم بقصف قريتي غيرزريك وسيبا شيخ خدر بقذائف الهاون، قبل أن يمتد الهجوم خلال ساعات إلى مختلف مناطق قضاء شنكال.

وتقدم المرتزقة مستخدمين الأسلحة الثقيلة، وسيطروا تباعاً على القرى والبلدات، في وقت انسحبت فيه قوات بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني، التي كانت تتولى حماية المنطقة، ما ترك عشرات الآلاف من المدنيين الإيزيديين من دون حماية، ومهد الطريق لوقوع الإبادة الجماعية.

ومنذ الساعات الأولى للهجوم، استهدف المرتزقة المدنيين، حيث أعدموا مئات الرجال في عمليات قتل جماعية، واختطفوا النساء والأطفال، بينما اضطر عشرات الآلاف من السكان إلى الفرار من منازلهم، رصدته وكالتنا.

النساء والأطفال... الهدف الرئيس للهجوم

ولم يكن الهجوم على شنكال هجوماً عسكرياً يستهدف السيطرة على منطقة جغرافية، بل شكّل، وفق تقارير دولية، حملة إبادة جماعية ممنهجة استهدفت المجتمع الإيزيدي.

واختطف مرتزقة داعش نحو سبعة آلاف امرأة وطفل إيزيدي، وتعرضت آلاف النساء للاستعباد الجنسي والعنف والبيع في أسواق النخاسة، كما أُجبرت أعداد منهن على تغيير معتقدهن، وتعرضن لأشهر طويلة من التعذيب والانتهاكات الجسيمة، فيما فقدت أخريات حياتهن أثناء محاولتهن النجاة من الأسر.

كما استهدف المرتزقة المزارات والأماكن الدينية الإيزيدية، ودمروا عدداً كبيراً منها، في محاولة لمحو الهوية الدينية والثقافية للمجتمع الإيزيدي.

جبل شنكال... ملاذ الناجين

مع اتساع رقعة الهجوم، لجأ آلاف الإيزيديين إلى جبل شنكال، فيما اضطر نحو 390 ألف شخص إلى النزوح من مناطقهم.

وعلق عشرات الآلاف من المدنيين أياماً على سفوح الجبل، في ظل نقص حاد في المياه والغذاء والدواء، بينما توفي عدد من الأطفال والمسنين والمرضى نتيجة العطش والجوع والإرهاق خلال رحلة النزوح.

الممر الإنساني وإنقاذ المحاصرين

في الوقت الذي كانت فيه الإبادة الجماعية مستمرة في شنكال، استجابت وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) لنداءات الاستغاثة، ووصلت إلى المنطقة عبر تل كوجر.

كما أعلنت منظومة المجتمع الكردستاني (KCK) إرسال قوات الدفاع الشعبي (HPG) للمشاركة في حماية شنكال، والمساهمة في إنقاذ المدنيين المحاصرين.

وباشرت هذه القوات بتنظيم عمليات الإجلاء، وفتحت ممراً إنسانياً بين جبل شنكال وشمال وشرق سوريا، أتاح إخراج عشرات الآلاف من المدنيين إلى مناطق آمنة.

وبفضل هذا الممر، جرى إجلاء نحو 150 ألف إيزيدي، وفي الوقت نفسه بدأ عدد من أبناء المجتمع الإيزيدي بتنظيم صفوفهم للمشاركة في الدفاع عن مناطقهم في مواجهة هجمات مرتزقة داعش.

بعد الإبادة... ولادة مشروع الدفاع الذاتي

شكّلت الإبادة الجماعية التي تعرض لها المجتمع الإيزيدي في الثالث من آب 2014 نقطة تحول مفصلية في تاريخ شنكال، إذ دفعت أبناء المجتمع الإيزيدي إلى تبني مشروع الدفاع الذاتي، انطلاقاً من قناعة بأن حماية المجتمع ومنع تكرار الإبادة تتطلب امتلاك قوة محلية تتولى الدفاع عن المنطقة وسكانها.

وفي يومي 6 و7 آب 2014، أُعلن عن تأسيس وحدات مقاومة شنكال (YBŞ) ووحدات المرأة في شنكال (YJŞ)، اللتين تولتا لاحقاً، إلى جانب القوات المشاركة في مقاومة داعش، الدفاع عن شنكال والمساهمة في حماية سكانها.

ومنذ تأسيسهما، أصبحت الوحدتان جزءاً من منظومة الدفاع عن شنكال، وأسهمتا في تثبيت الأمن داخل المنطقة، بالتوازي مع تنظيم المجتمع الإيزيدي لمؤسساته المدنية والخدمية والأمنية.

مقاومة استمرت أكثر من عام

بعد سيطرة مرتزقة داعش على أجزاء واسعة من قضاء شنكال، بدأت مرحلة من المقاومة العسكرية شاركت فيها وحدات مقاومة شنكال (YBŞ) ووحدات المرأة في شنكال (YJŞ)، إلى جانب قوات الدفاع الشعبي (HPG) ووحدات المرأة الحرة (YJA Star) ووحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ)، فيما شاركت قوات البيشمركة لاحقاً في عدد من جبهات القتال.

واستمرت العمليات العسكرية أكثر من عام، وشهدت المنطقة معارك متواصلة ضد مرتزقة داعش، انتهت باستعادة القرى والبلدات التي كان التنظيم قد سيطر عليها.

تحرير شنكال

في 13 تشرين الثاني 2015، أُعلن تحرير قضاء شنكال بالكامل من سيطرة مرتزقة داعش، عقب انتهاء العملية العسكرية الأخيرة التي استهدفت استعادة ما تبقى من المناطق التي كان المرتزقة يسيطرون عليها.

وشكل تحرير شنكال محطة مفصلية في مسار المنطقة، إذ بدأت آلاف العائلات النازحة بالعودة تدريجياً إلى مناطقها، كما أُنقذ مئات النساء والأطفال من قبضة مرتزقة داعش، في حين بقيت آثار الإبادة الجماعية والدمار حاضرة في شنكال، مع استمرار البحث عن المفقودين والكشف عن المقابر الجماعية.

الاعتراف الدولي بالإبادة الجماعية

أدرجت الجرائم التي ارتكبها مرتزقة داعش بحق المجتمع الإيزيدي ضمن إطار القانون الدولي بوصفها جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.

وفي 15 حزيران 2016، أكد تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن الهجمات التي استهدفت الإيزيديين ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، موثقاً عمليات القتل المنهجي، والاستعباد، والاستعباد الجنسي، والاختطاف، والإجبار على تغيير الدين، وتجنيد الأطفال، والانتهاكات الواسعة التي رافقت الهجوم على شنكال.

وخلال السنوات اللاحقة، باشرت محاكم في ألمانيا وعدد من الدول الأوروبية النظر في دعاوى ضد عناصر من مرتزقة داعش، وأصدرت أحكاماً في عدد من القضايا المتعلقة بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين، في سابقة عدّها حقوقيون خطوة مهمة على طريق محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في شنكال.

حصيلة الإبادة الجماعية

وفق البيانات الرسمية للإدارة الذاتية في شنكال، أسفرت الإبادة الجماعية عن: "استشهاد ما لا يقل عن 2213 شخصاً، ونزوح أكثر من 390 ألف شخص من مناطقهم، واختطاف نحو 7 آلاف امرأة وطفل، وإنقاذ قرابة 4 آلاف مختطف، واستمرار فقدان نحو 3 آلاف امرأة وطفل حتى اليوم، واكتشاف ما لا يقل عن 12 مقبرة جماعية، وتدمير 68 موقعاً ومزاراً دينياً".

ولا تزال فرق البحث والجهات المختصة تواصل أعمالها للكشف عن المقابر الجماعية، وتحديد هوية الضحايا، والبحث عن المفقودين، بالتوازي مع الجهود القانونية الرامية إلى محاسبة مرتكبي الإبادة الجماعية وضمان عدم تكرارها.

الفرمانات التي استهدفت المجتمع الإيزيدي عبر التاريخ

بحسب الرواية التاريخية الإيزيدية، تعرض المجتمع الإيزيدي منذ أكثر من ألف عام لسلسلة متواصلة من الحملات العسكرية والمجازر وعمليات التهجير القسري، التي تُعرف باسم "الفرمانات"، واستهدفت وجوده الديني والاجتماعي في مناطق انتشاره.

وتوثق المصادر التاريخية عشرات الحملات التي تعاقبت عليها دول وحكام وقوى محلية، فيما تؤكد الرواية الإيزيدية أن عددها بلغ 74 فرماناً، كان آخرها الإبادة الجماعية التي ارتكبها مرتزقة داعش في الثالث من آب 2014.

وفيما يلي أبرز هذه الفرمانات وفق التسلسل التاريخي:

906م: قتل والي الموصل الحمداني آلاف العائلات الإيزيدية بعد رفضها التخلي عن معتقدها.

1221م: اختُطف الشيخ حسن وأُعدم، فيما أُحرقت المزارات والأماكن المقدسة عقب لجوء الإيزيديين إلى المناطق الجبلية.

1254م: شن بدر الدين لؤلؤ، حاكم الموصل، حملة على منطقة الشيخان، أسفرت عن مقتل آلاف الإيزيديين.

1415م: تعرض الإيزيديون لمجزرة ارتكبها جيرانهم من المسلمين.

1640 – 1641م: قاد والي ديار بكر العثماني ملك باشا حملة عسكرية على شنكال شارك فيها نحو سبعين ألف جندي، وانتهت بارتكاب مجزرة بحق الإيزيديين.

1647 – 1648م: شن والي وان شمس باشا حملة جديدة استهدفت الشيخان، وأُعدم خلالها الشيخ ميرزا بعد أسره.

1715م: هاجم والي بغداد العثماني حسن باشا شنكال، وقتل عدداً كبيراً من الإيزيديين، قبل أن يسلم إدارة المنطقة للعشائر العربية البدوية.

1733 – 1734م: قاد أحمد باشا العثماني حملة جديدة على شنكال تسببت بوقوع مجزرة أخرى.

1752 – 1753م: شنت قوات بقيادة سليمان باشا هجوماً على شنكال، قُتل خلاله عدد كبير من الإيزيديين، ودُمرت القرى والمزارات المقدسة، فيما بقيت القوات العثمانية في المنطقة قرابة عامين.

1767 – 1768م: أصدر والي الموصل أمين باشا أوامره لابنه بقيادة حملة عسكرية على شنكال، أسفرت عن مجزرة جديدة بحق الإيزيديين.

1770 – 1771م: أثناء مقاومة أمير الشيخان الأمير بداغ للسلطة العثمانية، تعرض الإيزيديون في الشيخان لمجزرة جديدة.

1773 – 1774م: أمر والي الموصل أمين باشا بإحراق وتدمير منطقة شنكال، ما أدى إلى وقوع مجازر جديدة.

1779م: قاد شقيق والي الموصل حملة عسكرية أخرى على شنكال، راح ضحيتها عدد كبير من الإيزيديين.

1785م: شن والي الموصل عبد الباقي هجوماً على الإيزيديين في منطقة دنندي شرق نهر دجلة.

1786 – 1787م: بعد هزيمة الأمير جولو، أمير الشيخان، أمام والي العمادية، تعرض الإيزيديون لموجة جديدة من المجازر.

1789 – 1790م: شنت عشيرة طي العربية البدوية هجوماً على الشيخان، ارتكبت خلاله مجزرة بحق الإيزيديين.

1790 – 1792م: شنت عشيرة طي هجوماً جديداً على شنكال.

1792 – 1793م: أمر والي الموصل محمد بإحراق وتدمير ثماني قرى إيزيدية في شنكال.

1793 – 1794م: شن الوالي نفسه حملة جديدة استهدفت شنكال ومنطقة مهيريكان.

1794 – 1795م: أحرقت قوات بقيادة سليمان باشا، أُرسلت من بغداد، منطقة شنكال ونهبتها، وارتكبت مجازر بحق سكانها.

1799 – 1800م: قاد عبد العزيز بك، بدعم من عشيرتي طي وعبيد، إلى جانب عشيرة همدان، هجوماً أُحرقت خلاله خمس وعشرون قرية إيزيدية في الشيخان، ودُمرت بالكامل.

فرمانات القرن التاسع عشر... تصاعد الحملات العسكرية ضد الإيزيديين

1802 – 1803م: هاجم والي الموصل علي باشا شنكال، واستمر الحصار عدة أشهر، قُتل خلالها عشرات الإيزيديين، ودُمرت الأراضي الزراعية، وأُحرقت أو قُطعت الأشجار.

1809 – 1810م: أرسل والي بغداد سليمان باشا قوة بقيادة الضابط حسين دوبلايين، هاجمت شنكال ونهبت القرى وارتكبت مجزرة بحق الإيزيديين.

1832م: شن أمير بوتان بدرخان بك هجوماً على منطقة الشيخان، قُتل خلاله عدد كبير من الإيزيديين، كما تعرض الفارون نحو جبل شنكال لكمائن على ضفاف نهر دجلة، فقُتل عدد منهم وغرق آخرون أثناء محاولة العبور.

وبعد اثني عشر عاماً، قاد بدرخان بك حملة أخرى ضد إيزيديي طور عبدين (محيط مديات)، وأجبر عدداً منهم على اعتناق الإسلام، فيما قُتل من رفض ذلك.

1832 – 1834م: هاجم مير محمد الرواندوزي الإيزيديين في عقرة، ثم في منطقة الزاب الأعلى، قبل أن يشن عام 1834 حملة على شنكال، ارتكب خلالها مجزرة، وأعدم الأمير علي بك بعد رفضه التخلي عن معتقده.

1836م: قاد والي دياربكر رشيد باشا جيشاً قوامه نحو أربعين ألف جندي، ضم قوات عثمانية وأخرى كردية متحالفة معها، وهاجم مناطق شرقي دياربكر وخِرزان، ثم امتدت الحملة إلى جزيرة ابن عمر (بوتان) وتلعفر وشنكال، حيث قُتل آلاف الإيزيديين، وأُسر المئات.

1838م: شن حافظ باشا، الذي خلف رشيد باشا، حملة جديدة على شنكال، قُتل خلالها عدد من الرجال، وأُسرت نساء وأطفال ونقلوا إلى ديار بكر.

منتصف القرن التاسع عشر... استمرار الحملات

1846م: بدأ والي الموصل طيار باشا حملة عسكرية على شنكال في تشرين الأول، أُحرقت خلالها قرى عديدة ودُمرت.

1853 – 1856م: خلال الحرب العثمانية ـ القرم، قُتل مئات الإيزيديين في سعرت والمناطق الحدودية بعد دعمهم ليزدان شير في انتفاضته، وأُجبر معظمهم على اعتناق الإسلام، فيما لجأ آخرون عبر شمال إيران إلى أرمينيا.

1856م: شارك الإيزيديون، إلى جانب عدد من عشائر ديرسم، في انتفاضة ضد الدولة العثمانية، وبعد فشلها تعرضوا لحملات قتل واسعة.

1872م: أصدر والي بغداد مدحت باشا قراراً بإلزام إيزيديي الشيخان بالخدمة العسكرية في الجيش العثماني، وعندما رفضوا القرار، عدّت السلطات ذلك تمرداً، وهاجمت المنطقة وأحرقت القرى.

1877م: أدى هجوم جديد على الإيزيديين في آمد وكارزان إلى نزوح نحو ثلاثة آلاف إيزيدي.

1879 – 1897م: اضطر أكثر من خمسة عشر ألف إيزيدي إلى الهجرة أو النفي نحو منطقة القوقاز.

1890م: بدأت السلطات العثمانية حملة منظمة ضد الإيزيديين، أسفرت عن مقتل المئات وتهجير أعداد كبيرة من العائلات.

وفي عام 1892، أصدر الجنرال عمر وهبي باشا فرماناً يقضي بإجبار الإيزيديين على اعتناق الإسلام أو أحد الأديان المعترف بها لدى الدولة العثمانية، ما مهّد لواحدة من أعنف الحملات التي تعرض لها المجتمع الإيزيدي.

وأعقب ذلك هجوم على منطقتي الشيخان وشنكال، قُتل خلاله عدد كبير من الإيزيديين، فيما اضطر نحو 14 ألفاً إلى اعتناق الإسلام.

كما استهدفت الحملة معبد لالش، أقدس المزارات الدينية لدى الإيزيديين، حيث دُمّرت مقامات دينية وصودرت مقتنيات ورموز دينية، من بينها رمز طاووس ملك، الذي نُقل إلى الموصل، ثم إلى إسطنبول.

وتشير الروايات إلى أن حفيد عمر وهبي باشا حاول عام 1967 عرض الرمز في مزاد، إلا أن الحكومة العراقية اعترضت، مؤكدة أنه قطعة أثرية تعود للعراق.

بدايات القرن العشرين... استمرار الاستهداف

1911م: شنت القوات العثمانية بقيادة فاروق باشا حملة استهدفت الإيزيديين، إلى جانب الأرمن والنساطرة والقزلباش، ضمن سلسلة العمليات العسكرية التي شهدتها تلك المرحلة.

1914 – 1918م: خلال الحرب العالمية الأولى، تشير الرواية الإيزيدية إلى أن نحو 20 ألف أرمني كانوا قد لجؤوا إلى شنكال هرباً من الإبادة الأرمنية، قبل أن يتعرض الإيزيديون لحملة جديدة في شباط 1918، شاركت فيها القوات العثمانية إلى جانب مجموعات عشائرية محلية، وأسفرت عن مجزرة جديدة بحق سكان شنكال.

1918م: تعرض الإيزيديون الذين لجؤوا إلى أرمينيا هرباً من المجازر العثمانية لهجمات جديدة بعد انتهاء الحرب.

1940م: هاجمت قوة عسكرية قرية كيواخ التابعة لناحية هزل في ماردين، واعتقلت 29 إيزيدياً داخل أحد الكهوف، قبل أن تحرقهم أحياء، فيما تعرضت القرية لاحقاً لثلاث هجمات أخرى أسفرت عن مقتل عدد من سكانها.

آب 2007م: تعرض الإيزيديون في بلدتي سيبا شيخ خدر وتل عزير في قضاء شنكال لهجمات دامية، أسفرت، وفق الأرقام الرسمية، عن مقتل نحو 500 إيزيدي، في واحدة من أكبر الهجمات التي استهدفت المجتمع الإيزيدي قبل إبادة الثالث من آب 2014.

فرمانات لم توثقها المصادر

تشير الوثائق والروايات التاريخية التي استندت إليها وكالتنا إلى أن التواريخ الواردة تمثل أبرز الفرمانات التي أمكن توثيقها، في حين تؤكد الرواية الإيزيدية أن المجتمع الإيزيدي تعرض لفرمانات أخرى لم تصل تفاصيلها إلى المصادر التاريخية أو لم توثق بصورة دقيقة.

شنكال بعد الإبادة... من الدفاع عن البقاء إلى بناء المؤسسات

رغم مرور سنوات على الإبادة الجماعية، لا تزال آثارها حاضرة في شنكال، سواء على المستوى الإنساني أو الاجتماعي أو السياسي، مع استمرار جهود البحث عن المفقودين، والكشف عن المقابر الجماعية، وملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الإيزيديين.

وفي عام 2015، أُعلن عن تأسيس المجلس التأسيسي للإدارة الذاتية الديمقراطية في شنكال، في خطوة عدّها القائمون عليها بداية لتنظيم الإدارة المحلية بعد تحرير أجزاء واسعة من المنطقة.

وتوسعت مؤسسات الإدارة الذاتية لاحقاً لتشمل المجالس المحلية والهيئات الخدمية والتنظيمات المجتمعية، بالتوازي مع تشكيل قوات محلية تولت مسؤوليات أمنية داخل شنكال.

وبالتزامن مع ذلك، برز ملف شنكال بوصفه أحد الملفات المطروحة على الساحة العراقية، سواء فيما يتعلق بأوضاع المنطقة الإدارية، أو عودة النازحين، أو إعادة الإعمار، أو ضمان عدم تكرار الإبادة الجماعية، إلى جانب مطالبات ممثلي المجتمع الإيزيدي بالاعتراف بإرادتهم السياسية والإدارية ضمن إطار الدولة العراقية.

كما لا يزال تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي، المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، من الملفات التي تحضر في النقاشات الخاصة بمستقبل شنكال، في ظل استمرار الجدل بشأن آليات تطبيقها.

شنكال... قضية مستمرة

لم تعد الإبادة الجماعية التي ارتكبها مرتزقة داعش في الثالث من آب 2014 تُطرح بوصفها حدثاً تاريخياً فحسب، بل أصبحت محوراً لملفات تتعلق بالعدالة الانتقالية، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وإعادة إعمار المنطقة، وتأمين عودة النازحين، إلى جانب النقاشات المتعلقة بمستقبل شنكال وإدارتها.

وبالنسبة للمجتمع الإيزيدي، لا تمثل ذكرى الثالث من آب استذكاراً للإبادة الجماعية فحسب، بل محطة سنوية لتجديد المطالبة بكشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وضمان عدم تكرار ما تعرض له الإيزيديون، والحفاظ على وجودهم التاريخي في شنكال.

(أم)

ANHA