خطوات الحكومة الانتقالية في سوريا بين تثبيت السلطة وتفاقم العنف

شكّل سقوط النظام البعثي في سوريا، عامل فرح وابتهاج لمختلف السوريين، إلا أن هذه الحالة لم تدُم طويلاً، نتيجةً لخطوات سياسية وعسكرية وأمنية تبحث عن الهيمنة ولا تُعدّ مبشرة لحاضر ومستقبل البلاد، وتهدد باستمرار النزاعات والحروب وسقوط المزيد من الضحايا.

خطوات الحكومة الانتقالية في سوريا بين تثبيت السلطة وتفاقم العنف
الإثنين 8 كانون الأول, 2025   06:45
مركز الأخبار

منذ الأسابيع الأولى التي تلت سقوط النظام البعثي في سوريا، اتجهت "هيئة تحرير الشام" نحو خطوات متسارعة لتثبيت وجودها في المشهدين السياسي والعسكري، وسط تغييب شبه كامل لمعظم التيارات السياسية والمكونات الاجتماعية السورية.

هذه التحركات انعكست لاحقاً على البنية السياسية والأمنية، وعلى الأوضاع الميدانية في البلاد.

هيمنة عسكرية عبر "مؤتمر النصر"

اتخذت "هيئة تحرير الشام"، أولى الخطوات في 29 كانون الثاني 2025 عبر تنظيم ما سُمي بـ "مؤتمر النصر"، الذي شاركت فيه حصراً، الجماعات المسلحة التابعة لها، وكذلك مرتزقة الاحتلال التركي دون إشراك القوى السياسية أو الاجتماعية السورية الأخرى.

وتمخض المؤتمر عن قرارات رسّخت سلطة الحكومة الجديدة، أبرزها:

تعيين أحمد الشرع رئيساً لسوريا خلال المرحلة الانتقالية وتفويضه بمهام واسعة تشمل التمثيل الدولي.

منحه صلاحية تشكيل مجلس تشريعي مؤقت دون ضوابط.

حلّ الأجهزة الأمنية والجيش القائمين وتشكيل مؤسسات جديدة بديلة.

إلغاء الدستور السوري الصادر عام 2012.

ورأى مراقبون أن هذه القرارات منحت الشرع صلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية كاملة، رغم غياب قواعد دستورية واضحة، وهو ما مثّل خروجاً عن الأعراف المتّبعة في بناء السلطات خلال المراحل الانتقالية.

تعيينات عسكرية مثيرة للجدل

بعد المؤتمر، أجرت الحكومة سلسلة تعيينات واسعة لمتزعمي فصائل موالية، شملت مناصب الدفاع والداخلية وقيادات الأركان والفرق والألوية، على الرغم من أن عدداً من هؤلاء المتزعمين متهمون بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب خلال السنوات الماضية، وبعضهم لا يزال على قوائم العقوبات الدولية. من بينهم: محمد الجاسم "أبو عمشة" وسيف بولاد "أبو بكر".

كما أسندت مناصب حساسة لمقاتلين أجانب مرتبطين بـ "القاعدة"، ما أثار تساؤلات حول مصداقية التوجه لبناء "جيش وطني" جديد.

خطوات سياسية تنهي التعددية

سياسياً، أعلن الشرع في خطاب وصفته حكومته بـ "الرئاسي" عن تشكيل لجنة تحضيرية لاختيار أعضاء "مجلس الشعب" دون عملية انتخابية، وبما يكرّس نظاماً رئاسياً مركزياً يخالف مطالب قطاعات واسعة من السوريين باعتماد نظام ديمقراطي ولا مركزي.

كما تشكّلت حكومة جديدة من قيادات ومتزعمي "هيئة تحرير الشام" بنسبة 98%، ما انعكس على إدارة المدن والمؤسسات الحكومية. وتحدثت مصادر محلية عن وجود "شيخ" في كل مؤسسة حكومية يتمتع بصلاحيات شبه مطلقة في شؤونها الإدارية والأمنية.

وأُعلن أيضاً عن تشكيل "الأمانة العامة للشؤون السياسية"، وهي جهة تابعة لوزارة الخارجية تعمل عبر مكاتب منتشرة في المحافظات السورية لإدارة الحياة السياسية والاجتماعية، في خطوة عُدّت إعادة إنتاج لتجربة "حزب البعث" و"الجبهة الوطنية التقدمية" سابقاً.

إعلان دستوري دون توافق

جاء قرار حلّ مجلس الشعب وإلغاء دستور 2012 دون وضع بديل مؤقت، ما خلق فراغاً دستورياً استمر حتى آذار 2025 حين أصدرت الحكومة إعلاناً دستورياً جديداً، صيغ دون أي مشاورات مع القوى السورية المتنوعة.

ويرى سوريون ومعارضون أن الإعلان الدستوري أعاد إنتاج نهج البعث، من حيث تكريس حكم الحزب الواحد والهوية الدينية والقومية الواحدة، مع تركيز أكبر للسلطة بيد الرئيس وتجاهل واضح لمفهوم الديمقراطية أو التعددية السياسية.

تصاعد غير مسبوق للعنف بعد سقوط النظام

رافق ذلك موجات من التوتر والعنف طالت مختلف المناطق السورية، وخلال الفترة الممتدة من 8 كانون الأول 2024 وحتى نهاية تشرين الثاني 2025، سُجل مقتل 10923 شخصاً، نتيجة أعمال عنف وانتهاكات ارتكبتها قوات الحكومة الانتقالية وأطراف محلية، وسط انتشار للفوضى الأمنية. من بين القتلى:

8180 مدنياً بينهم 438 طفلاً و620 امرأة.

1700 ضحية، معظمهم من الطائفة العلوية، قُتلوا في مجزرة ارتكبتها القوات الحكومية ومجموعات موالية لها في آذار 2025.

638 قتيلاً خلال هجوم شنته القوات الحكومية على السويداء في تموز 2025.

وفي حمص، وقعت أحداث عنف نفذها أفراد من قبيلة بني خالد في أحياء علوية، أدت إلى مقتل شخصين وإصابة عشرة آخرين وفق المجلس الإسلامي العلوي الأعلى.

وتشير المعطيات إلى أن الحكومة الانتقالية، منذ اليوم الأول لسقوط "النظام البعثي"، اعتمدت سياسات عسكرية وسياسية وأمنية تهدف إلى تثبيت سيطرتها الكاملة على الدولة، دون إشراك المكونات السورية الأخرى.

وأدى هذا النهج إلى فراغ دستوري، وتراجع في الحياة السياسية، وتركيز غير مسبوق للسلطة، ترافق مع موجة واسعة من العنف والانتهاكات التي زادت من هشاشة الاستقرار وضاعفت الانقسامات داخل البلاد، ما يجعل مهمة بناء دولة عادلة وشاملة أكثر تعقيداً.

الجزء الثالث – غداً:

انعكست سياسات الحكومة الانتقالية في سوريا على التماسك الاجتماعي في البلاد بشكل سلبي وسط تنامي المخاوف من اندلاع حرب أهلية، حيث تركت المجال مفتوحاً أمام التحريض الطائفي والديني والقومي، في المقابل اتخذت القوى السياسية والاجتماعية الديمقراطية الكثير من الخطوات التي تسعى للحفاظ على السلم الأهلي ودمقرطة البلاد.

(أم)

ANHA