عام على مجازر الساحل السوري.. آثار المأساة مستمرة والعدالة غائبة

يمرّ على أحداث الساحل السوري عامٌ كامل، فيما لا تزال ذكرياتها حاضرة لدى السوريين، ولا سيما أهالي الساحل من الطائفة العلوية، ورغم توثيق العديد من الانتهاكات التي وقعت آنذاك، ما تزال مسألة المساءلة وتحقيق العدالة محل جدل حتى اليوم.

عام على مجازر الساحل السوري.. آثار المأساة مستمرة والعدالة غائبة
الجمعة 6 آذار, 2026   06:20
مركز الأخبار

شهدت مناطق الساحل السوري بين 6 و10 آذار 2025 أحداث عنف دامية، أعقبت عمليات عسكرية أعلنت القوات التابعة للحكومة المؤقتة في سوريا وفصائل مدعومة من تركيا أنها تستهدف ما وصفته بـ "فلول النظام السوري السابق".

وأسفرت تلك الأحداث، وفق تقارير حقوقية وشهادات محلية، عن سقوط مئات القتلى من المدنيين.

كيف بدأت الأحداث؟

في السادس من آذار 2025، وبعد أشهر من حوادث عنف متفرقة وتصاعد خطاب التحريض الطائفي، اقتحمت القوات الحكومية بلدة بيت عانا بريف جبلة في اللاذقية، مدعومة بالطيران المروحي والقصف المدفعي.

وفي أعقاب ذلك، حاولت مجموعات مسلحة من أبناء الطائفة العلوية السيطرة على بعض المناطق في الساحل، وفق روايات محلية.

وأعقب ذلك حالة تعبئة واسعة أعلنتها وزارة الدفاع عبر تطبيقات التواصل الافتراضي، بينها مجموعات "واتساب"، وترافقت مع دعوات إلى ما سمي "النفير العام" و"الجهاد" انطلقت من بعض المساجد.

ومع تحرك أرتال مسلحة باتجاه الساحل، بدأت قوات الأمن والمجموعات المساندة لها عمليات تمشيط وملاحقة في القرى والبلدات ذات الغالبية العلوية.

وتحولت تلك العمليات سريعاً إلى سلسلة من المجازر، وفق مشاهد مصورة وشهادات محلية، تضمنت إعدامات ميدانية وقتل عائلات داخل منازلها، إضافة إلى حرق ونهب ممتلكات مدنية والتمثيل ببعض الجثث وتركها في الطرقات.

روايات متباينة حول أسباب التصعيد

قالت القوات الحكومية إن الأحداث اندلعت بعد تعرّض قواتها لهجمات في قرية بيت عانا بريف جبلة. إلا أن تسارع العمليات وانتشار هجمات مسلحة على مواقع وقرى متعددة في الساحل، بينها مناطق في ريف اللاذقية وطرطوس وقرى جبلة، دفع بعض المراقبين إلى القول إن العمليات حملت طابعاً انتقامياً.

ومع مساء 6 آذار، ارتفعت حدة العنف في ظل تصاعد خطاب التحريض الطائفي، حيث شهدت مدن دمشق وحلب وحمص وحماة وإدلب دعوات للمشاركة في القتال تحت شعارات دينية وطائفية.

وفي اليوم التالي، وبعد وصول تعزيزات عسكرية إلى الساحل، أعلنت القوات الحكومية أنها تشن عمليات ضد مواقع كانت تتبع للنظام السابق في القرداحة وبانياس. غير أن شهود عيان قالوا إن العمليات تحولت إلى هجمات استهدفت مدنيين في عدة مناطق، وأسفرت عن مقتل المئات.

وتركزت الهجمات في مناطق المختارية والحفة بريف اللاذقية، إضافة إلى بانياس وحي الدعتور في مدينة اللاذقية، وامتدت إلى ريف القرداحة وجبلة وطرطوس.

وروى شهود عيان لوسائل إعلام عربية وأجنبية عدّة، وقوع عمليات إعدام ميداني استهدفت أشخاصاً من الطائفة العلوية بناءً على لهجتهم أو بطاقاتهم الشخصية أو أصول قراهم، فيما قُتل أيضاً عدد من المدنيين السنّة في مناطق مختلطة نتيجة الفوضى. كما تحدّث سكان عن عمليات نهب وإحراق لمنازل وممتلكات في بانياس وجبلة.

تقارير حقوقية توثق الانتهاكات

كشف تقرير صادر عن المنظمة الدولية لرصد الجرائم ضد الإنسانية في 29 أيار 2025 عن توثيق 62 مجزرة طائفية في مدن وقرى الساحل خلال ثلاثة أيام فقط من آذار 2025، أسفرت عن مقتل 1676 مدنياً بينهم نساء وأطفال.

ووصفت المنظمة تلك الأحداث بأنها "موجة ممنهجة من القتل الجماعي والانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية".

كما وثق التقرير شهادات حول إعدامات ميدانية نفذها مسلحون يرتدون زياً عسكرياً رسمياً يُشتبه بارتباطهم بسلطات دمشق.

وأشار التقرير أيضاً إلى خطف أكثر من 50 امرأة واحتجازهن في ظروف مهينة، إضافة إلى توثيق حالات وُصفت بأنها "سبي"، في انتهاك لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وفي تموز 2025، نشرت وكالة رويترز تحقيقاً استقصائياً تناول أحداث الساحل بين 7 و9 آذار 2025، وأفاد بمقتل 1479 شخصاً على الأقل وفقدان العشرات في 40 موقعاً مختلفاً، وسط عمليات قتل انتقامي ونهب.

واعتمد التحقيق على مقابلات مع أكثر من 200 من عائلات الضحايا و40 مسؤولاً أمنياً ومقاتلاً ومحققاً ووسيطاً حكومياً، كما تتبع سلسلة القيادة من المنفذين المباشرين إلى شخصيات قريبة من القياديين في السلطة الجديدة.

وراجع الصحفيون قوائم مكتوبة بأسماء الضحايا، ومقاطع مصورة من كاميرات مراقبة، ورسائل عبر تطبيق "تلغرام" قيل إن مسؤولاً في وزارة الدفاع استخدمها لتنسيق الاستجابات الحكومية.

كما وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 1682 مدنياً علوياً، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، خلال ثلاثة أيام فقط في 63 مجزرة امتدت من ريف اللاذقية إلى طرطوس وأرياف حماة وحمص، في موجة عنف اتسمت بطابع طائفي واضح.

جدل حول التحقيقات الرسمية

وعلى الرغم من توثيق هذه الانتهاكات، نفت السلطات في دمشق مسؤوليتها المباشرة عن الأحداث. وقال رئيس المرحلة المؤقتة أحمد الشرع بعد أيام من اندلاعها إن سوريا "ستلاحق فلول نظام بشار الأسد المخلوع وتقدمهم للمحاكمة"، مضيفاً أن بعض فلول النظام "يحاولون اختبار سوريا الجديدة".

كما أكد الشرع أنه أصدر تعليمات لقوى الأمن بعدم السماح بالتجاوزات أو المبالغة في ردود الفعل.

لكن مراقبين رأوا أن هذه التصريحات تعكس "انفصالاً عن الواقع"، مشيرين إلى تشابهها مع الخطاب الذي كان يستخدمه الرئيس السابق بشار الأسد خلال سنوات الحرب.

وفي محاولة لاحتواء الجدل، أعلنت سلطات الحكومة المؤقتة تشكيل لجنة تحقيق في أحداث الساحل. غير أن نتائجها أثارت انتقادات واسعة من ناشطين وفنانين وكتّاب وسياسيين، الذين اعتبروا التقرير الصادر عن اللجنة محاولة لتبرير الجرائم بدلاً من كشف مرتكبيها.

وخلا التقرير من تحديد واضح للجهات المسؤولة، مكتفياً بالإشارة إلى "فلول مرتبطة بالنظام السابق"، و"عناصر متطوعة غير منضبطة"، و"عصابات مارقة".

كما أقرت اللجنة في مؤتمر صحفي بأن استنتاجاتها بُنيت على "الشبهة لا الدليل القاطع"، ما دفع زيد العظم، عضو حزب النهضة الفرنسي، إلى القول إن ذلك "كافٍ لجعل التقرير مشبوهاً قانونياً"، واصفاً إياه بأنه "تقرير مسيّس يحمل ختم وتوقيع السلطة".

من جهتها، علّقت الفنانة السورية يارا صبري على نتائج التقرير بالقول إن خلاصته تتمثل في "تسجيل انتهاكات فردية لعناصر غير منضبطة وبعض الفزعات"، مع وعود غامضة بالمحاسبة لاحقاً بعد سن قوانين لمجلس تشريعي لم يُشكَّل بعد.

أما رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، فوصف اللجنة بأنها "لجنة لطمس الحقائق"، معتبراً أن توصيف الأحداث كحوادث فردية يهدف إلى خفض سقف الجريمة وعدم الاعتراف بها كمجازر منظمة.

بعد عام.. الحقيقة لا تزال غير مكتملة

وبعد مرور عام على تلك الأحداث الدامية، لا تزال الحقيقة الكاملة قيد الاستكمال، إذ لم تُعلن نتائج شاملة لتحقيقات مستقلة أو إجراءات مساءلة علنية بحق المتورطين، بينما تشير تقارير محلية إلى استمرار وقوع انتهاكات متفرقة بحق سكان الساحل السوري من الطائفة العلوية.

(أم)

ANHA