كيف تسير عملية الاندماج في سوريا؟ - 1

بعد اتفاق 29 كانون الثاني، كيف تسير أنشطة عملية الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية/الإدارة الذاتية ودمشق، وإلى أي مستوى وصلت، وما هي النتائج التي تم التوصل إليها، وكيف يراها الشعب؟

كيف تسير عملية الاندماج في سوريا؟ - 1
الإثنين 18 مايو, 2026   02:30
قامشلو
ريناس رمو - سيما بروكي

تدخل عملية الاندماج التي بدأت بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا عقب اتفاق 29 كانون الثاني، شهرها الرابع. في هذه العملية، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وأُجريت لقاءات حول قضايا الاندماج، كما اتُّخذت بعض الخطوات أيضاً.

في هذه الأثناء، ما تزال تستمر النقاشات من قبيل: من المستفيد من هذه العملية؟ وما هي النتائج التي تجلبها معها؟ وكيف يجب أن تُفهم؟ وما إلى ذلك..

حسناً، كيف سارت هذه العملية وإلى أي مستوى وصلت؟ سنقوم من خلال هذا الملف المكون من ثلاثة أجزاء بتسليط الضوء على مسار العملية.

التطورات التي سبقت اتفاق 29 كانون الثاني

منذ عام 2023، شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيّرات وتحولات سريعة للغاية. وقد أثرت هذه التطورات بشكل مباشر على سوريا وعلى شمال وشرق سوريا أيضاً. ومع هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 ضد إسرائيل، والهجمات الإسرائيلية على غزة، تعمقت الأزمة في المنطقة.

من جهة، شنت إسرائيل هجمات على غزة ولبنان، ومن جهة أخرى، قصفت قواعد المجموعات الموالية لإيران في سوريا. وفي غضون ذلك، كانت الدولة التركية التي تستهدف مناطق شمال وشرق سوريا، ترى في هذه التطورات خطراً عليها، فبدأت في البحث عن سبل للتحرك. وفي هذا الإطار، عُقد اجتماع سري في البرلمان التركي.

وفي 22 تشرين الأول 2024، قال رئيس حزب الحركة القومية (MHP) دولت بهجلي في اجتماع حزبه: "هناك مخاطر كبيرة جداً تهدد تركيا"، ووجّه نداءً إلى القائد عبد الله أوجلان لإنهاء الحرب والقدوم لممارسة السياسة في البرلمان.

وبينما كانت هذه التطورات تجري، كانت هناك تغيّرات جديدة تتطور في سوريا أيضاً؛ ففي 27 تشرين الثاني 2024، بدأت هيئة تحرير الشام حرباً من حلب ضد نظام البعث. وفي 8 كانون الأول، انهار نظام البعث.

أدى هذا الأمر إلى تغيير التوازنات في سوريا وبدء مرحلة جديدة. وأصبح نظام الإدارة الذاتية الذي تأسس في شمال وشرق سوريا، وقواته الدفاعية قوات سوريا الديمقراطية أكثر حضوراً على جدول الأعمال.

قامت قوى مثل أمريكا وبريطانيا باتخاذ هيئة تحرير الشام والحكومة التي شكلتها طرفاً مخاطباً، وأرادت من الإدارة الذاتية أيضاً إجراء مفاوضات مع دمشق.

ومن جانب آخر، أرادت الدولة التركية الاستفادة من هذا الوضع، ووجهت هجماتها السياسية والعسكرية نحو مناطق الإدارة الذاتية.

نداء القائد عبد الله أوجلان

وفي خضم هذه التطورات، أُجريت لقاءات مع القائد عبد الله أوجلان، وقد أوضح القائد أنهم يريدون نقل القضية الكردية من أرضية الحرب إلى أرضية السياسة والقانون. وفي 27 شباط 2025، شارك القائد عبد الله أوجلان آراءه هذه مع العالم تحت اسم "نداء السلام والمجتمع الديمقراطي".

اتفاق 10 آذار

كما بعث القائد عبد الله أوجلان برسالة إلى قوات سوريا الديمقراطية أيضاً، دعا فيها إلى حل من أجل سوريا ديمقراطية.

وبعد هذا النداء، وُقِّع في سوريا بتاريخ 10 آذار 2025 اتفاق بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس الحكومة المؤقتة في سوريا أحمد الشرع. تألف هذا الاتفاق من 8 بنود، واتُّخذ قرار بتشكيل لجان مشتركة من أجل تنفيذه.

وفي إطار هذا الاتفاق، بدأت اللقاءات، إلا أن تهديدات وضغوط الدولة التركية لم تتوقف؛ لذا فإن التفاهمات التي كانت تتم في هذه اللقاءات لم تدخل حيز التنفيذ.

اتفاقية 1 نيسان

وفي الأول من نيسان أُبرم اتفاق بين المجلس المدني لحيّي الأشرفية والشيخ مقصود واللجنة المكلفة من قبل رئاسة الجمهورية بتطبيق الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، تضمن 14 بنداً نصت على إدارة الأحياء والحفاظ على خصوصيتها الكردية.

وفي نهاية عام 2025، كثفت الدولة التركية من ضغوطها وتهديداتها. وبالمقابل ومع بداية عام 2026، ومن أجل الحل، عُقد اجتماع في دمشق بتاريخ 4 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة.

عُقد الاجتماع، وبحسب أحد قادة قوات سوريا الديمقراطية، سيبان حمو، فقد ساد الاجتماع أجواء إيجابية ووصل إلى مرحلة التوقيع، ولكن في اللحظات الأخيرة توقفت المحادثات بتدخل من أحد وزراء الحكومة.

اجتماع باريس

في يوم 5 كانون الثاني، عُقد اجتماع في العاصمة الفرنسية باريس بين إسرائيل وفرنسا والحكومة المؤقتة في سوريا، حضره ممثل عن الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان وزير خارجية تركيا موجوداً في باريس أيضاً وأجرى لقاءات مع الأطراف المشاركة في الاجتماع.

وفي 6 كانون الثاني، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل والحكومة المؤقتة في سوريا أنهم اتفقوا في اجتماع باريس على آلية للتعاون المشترك لتبادل المعلومات، وخفض التصعيد، ودعم الاستقرار.

بدوره، وزير الخارجية التركي أعلن بعد الاجتماع أنهم قدّموا طلباتهم إلى المجتمعين في باريس.

هجمات 6 كانون الثاني

في 6 كانون الثاني، شنت الفصائل التابعة للحكومة المؤقتة في سوريا والدولة التركية المحتلة هجوماً على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب.

استمرت هذه الهجمات لاحقاً في دير حافر، الطبقة، الرقة، ودير الزور. وفي مواجهة هذه الهجمات، أعلنت الإدارة الذاتية في 18 كانون الثاني حالة النفير العام. وبناءً على هذا النداء، خرج الملايين في أجزاء كردستان الأربعة وخارج الوطن إلى الساحات ونددوا بالهجمات.

وتوجه مئات الأشخاص نحو روج آفا وانضموا إلى المقاومة. كما دعت جميع الحركات والأحزاب الكردية إلى وحدة الصف. وأثرت موجة الانتفاضة هذه على حكومات دول العالم، وصدرت بيانات تطالب بوقف الهجمات.

اتفاق 29 كانون الثاني

خلال فترة الهجمات، أشار القائد عبد الله أوجلان في لقاءاته مع وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" (DEM Parti) إلى أن هذه الهجمات هي بمثابة مؤامرة ثانية كالتي حدثت في 15 شباط، وطالب بحل المشكلة عن طريق الحوار. كما طالب القائد عبد الله أوجلان تركيا أيضاً بأن تلعب دوراً بَنّاءً.

وعقب هذه التطورات، وُقِّع اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في 29 كانون الثاني، وأُعلن عنه في 30 كانون الثاني.

خطوات تنفيذ الاتفاق

التطورات العسكرية

وفقاً للاتفاق، سيتم إجراء أعمال الاندماج، واتخاذ خطوات في الجوانب العسكرية، والسياسية-الإدارية، والاقتصادية، والتربوية، ومسألة المهجرين والنازحين.

كما نص الاتفاق على بقاء قوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي (الأسايش) في مناطقها، مع مراعاة الإدارة الذاتية للمنطقة من الناحية الإدارية.

وبعد الاتفاق، بدأت هذه الأعمال، واتُّخذت الخطوة الأولى في الجانب العسكري-الأمني.

الجزيرة

بدأ تنفيذ الاتفاق في 1 و2 و3 شباط من خلال لقاءات جرت بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة. وفي هذا الإطار، عقد مسؤولو قوى الأمن الداخلي لشمال وشرق سوريا ومسؤولو الحكومة اجتماعات في مدينتي قامشلو والحسكة. وعيّنت الحكومة المؤقتة "مروان العلي" قائداً لقوى الأمن في الحسكة.

كما تم تعيين محمود خليل علي (سيامند عفرين)، وهو أحد قادة قوى الأمن الداخلي (الأسايش) في شمال وشرق سوريا، نائباً للقائد العام لقوى الأمن الداخلي في محافظة الحسكة.

كان وضع قوات سوريا الديمقراطية من أكثر المواضيع التي أُجريت حولها نقاشات. ووفقاً للاتفاق، ستبقى هذه القوات في مناطقها وتحافظ على استقلاليتها. وفي هذا السياق، كان من المقرر إعادة تنظيم قوات سوريا الديمقراطية على شكل 4 ألوية؛ ثلاثة منها تُشكل في منطقة الجزيرة، ولواء واحد يُشكل في كوباني. وقد عُقدت لقاءات عديدة من أجل تنفيذ ذلك.

في 6 شباط، اجتمعت القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية في الحسكة مع قادة قوات الحكومة.

وفي 10 شباط، بدأت عملية إعادة تموضع قوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي في منطقتي الجزيرة وكوباني.

وفي 23 شباط، التقى وفد يضم أعضاء القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية جيا كوباني وسيبان حمو، وعضوة قيادة وحدات حماية المرأة "سارية عفرين"، مع مسؤولين في وزارة دفاع الحكومة في دمشق.

كان موضوع قوات سوريا الديمقراطية هو الأكثر نقاشاً، وخاصة وجود بعض الخلافات حول عدد الألوية؛ حيث أن تعداد كل لواء الذي كانت تطرحه دمشق لم يتوافق مع ما كانت تطرحه قوات سوريا الديمقراطية. وبناءً على النقاشات، تم تشكيل 4 ألوية وقُبلت بشكل رسمي.

التعيينات في الوزارات والقيادات

تمثلت خطوة ملموسة أخرى في تعيين قادة من قوات سوريا الديمقراطية ضمن صفوف الجيش السوري.

ففي 10 آذار، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية عن تعيين عضو قيادتها العامة، سيبان حمو، في منصب معاون وزير الدفاع السوري للمنطقة الشرقية. وحُددت محافظات الرقة ودير الزور والحسكة كمناطق تقع تحت مسؤولية سيبان حمو.

كما كشفت قيادة قوات سوريا الديمقراطية في 27 آذار، عن تعيين عضو قيادتها العامة، جيا كوباني (حجي محمد نبو)، في منصب نائب قائد الفرقة 60. وتتألف الفرقة 60 من القوى العسكرية الموجودة في منطقتي الجزيرة وحلب.

كوباني

الاجتماعات واللقاءات التي عُقدت في الجزيرة، جرت في كوباني أيضاً ولكن بأشكال مختلفة. كانت هناك بعض الخلافات في مناطق مثل شيخلر (الشيوخ) والجلبية حول إعادة تموضع القوى العسكرية والأمنية؛ ولذلك تأخر تنفيذ بنود الاتفاق. كما كان موضوع الحصار المفروض على المدينة سبباً آخر لهذا التأخير.

في 1 شباط، عقد وفد من دمشق لقاءً مع ممثلي مدينة كوباني.

وفي 5 شباط، اجتمع وفد من الإدارة الذاتية الديمقراطية في كوباني مع محافظ حلب في مبنى المحافظة لمناقشة القضايا الأمنية.

وفي 8 شباط، أجرى وفد من قوى الأمن الداخلي في كوباني لقاءً في حلب مع قائد قوى الأمن الداخلي في حلب.

وفي 9 شباط، عُقد اجتماع في بلدة الجلبية التابعة لكوباني بين قوى الأمن الداخلي وقيادة الأمن العام في حلب.

ونتيجة لهذه اللقاءات، قامت قوى الأمن الداخلي بالاشتراك مع قوى الأمن التابعة للحكومة، بوضع حاجز تفتيش مشترك في بلدتي الجلبية وشيخلر اعتباراً من 27 شباط.

وفي 2 آذار، سلمت قوات سوريا الديمقراطية مركز بلدة شيخلر في كوباني إلى القوى الأمنية، وتمركزت في قواعدها الجديدة.

فتح الطرق

بعد الخطوات التي اتُّخذت، قامت قوى الأمن الداخلي (الأسايش) وقوى الأمن التابعة للحكومة في 4 آذار بوضع نقاط مشتركة على طريق الرقة-الحسكة، وطريق الحسكة-دير الزور.

وفي 10 آذار، أُعيد فتح الطريق الدولي (M4) الذي يربط مدن الحسكة، الرقة، كوباني، منبج، وحلب ببعضها البعض.

وفي 13 نيسان، فُتحت طرق تل تمر-الدرباسية- سري كانيه التي كانت مغلقة منذ تشرين الأول 2019.

تبادل الأسرى

كانت قضية الأسرى إحدى النقاط التي اتُّخذت بشأنها خطوات ملموسة. ونتيجة للقاءات التي أُجريت، أطلقت الحكومة المؤقتة سراح 1032 أسيراً، بينما أطلقت قوات سوريا الديمقراطية سراح 491 شخصاً حتى الآن.

وكان القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، قد صرّح قبل بدء عملية التبادل أن العدد الإجمالي للأسرى لدى الحكومة المؤقتة يبلغ ألفاً و70 شخصاً، يتألفون من مقاتلين ومدنيين.

بدأت مرحلة إطلاق السراح في 10 آذار وما زالت مستمرة.

وحدات حماية المرأة YPJ

من بين بنود إعادة تموضع القوى العسكرية، لا تزال قضية وحدات حماية المرأة (YPJ) والاعتراف الرسمي بها نقطة لم تُحل بعد. تُعد وحدات حماية المرأة هيكلاً ذاتياً ومكوناً أساسياً ضمن قوات سوريا الديمقراطية، وتُعرف بأنها الإرادة والمكسب الأكبر لنضال المرأة؛ لذا يُطالب بالاعتراف بهذا الهيكل بشكل رسمي. إلا أن دمشق لم تقبل بذلك حتى الآن، بذريعة عدم وجود نص مشابه في القوانين الحالية.

وعلى الرغم من هذه الخلافات، فإن المفاوضات بين الجانبين لا تزال مستمرة.

في 1 نيسان، أجرت عضوات قيادة وحدات حماية المرأة، سوزدار حاجي وروهلات عفرين، وقائدة كتيبة المرأة في لواء قامشلو خالصة عايد، والمتحدثة الإعلامية باسم وحدات حماية المرأة روكن جمال، لقاءً في دمشق مع وزير دفاع الحكومة المؤقتة في سوريا. ولم يتم كشف معلومات مفصلة حول اللقاء، لكن قيل إنه مرّ بأجواء إيجابية وأن الجهود ستستمر.

وفي 15 نيسان أيضاً، التقت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في دمشق مع رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع. وبحسب المعلومات التي أدلت بها إلهام أحمد لوكالتنا ANHA، فقد تم تقييم موضوع وحدات حماية المرأة خلال اللقاء، وأكدت أن العمل على إضفاء الصفة الرسمية على هذه القوات سيبقى على جدول الأعمال حتى الوصول إلى نتيجة.

وفي الوضع الراهن، تحافظ وحدات حماية المرأة على وجودها في قواعدها الخاصة.

 ماذا يقول الشعب؟

تجري النقاشات المتعلقة بإعادة تنظيم القوى العسكرية والأمنية من قبل أوساط عديدة، إلا أن المواطنين هم الأكثر فضولاً ورغبة في فهم الموضوع بشكل صحيح.

لذلك، توجهنا إلى الشعب لاستطلاع آرائه حول هذا الموضوع.

الأشخاص الذين تحدثوا، يرون أن الخطوات المتخذة إيجابية رغم وجود بعض المخاوف لديهم، ويشددون على ضرورة حماية مكتسبات المنطقة. كما ركزوا على وجوب قبول وحدات حماية المرأة بشكل رسمي. وهناك أيضاً مواطنون لم يفهموا العملية تماماً ولم يرغبوا في التحدث.

يُفهم من هذه الآراء أن قيام المؤسسات المعنية بإعلام الشعب وتوعيته سيسهم في توجيه المجتمع بشكل أفضل.

الخاتمة

لقد سعينا حتى هنا إلى شرح التطورات التي حدثت في الجانب العسكري والأمني. كانت القوى العسكرية هي النقطة الجوهرية في هذه العملية، ورغم اتخاذ خطوات هامة، إلا أن النقاشات لا تزال مستمرة، وسنواصل نحن متابعتها.

هناك عناوين أخرى للعملية مطروحة على جدول الأعمال؛ حيث سنقوم في جزئنا الثاني بشرح الخطوات الإدارية والسياسية.

(ح)

ANHA