التضخم يفاقم معاناة السوريين ويعمّق الفجوة الاجتماعية

تدخل سوريا مرحلة جديدة من التضخم المتسارع مع استمرار تراجع قيمة الليرة وارتفاع أسعار المحروقات والسلع الأساسية والرسوم الجمركية، ما أدى إلى زيادة تكاليف المعيشة واتساع رقعة الفقر وتعميق الفجوة الاجتماعية، في ظل عجز غالبية السوريين عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية.

التضخم يفاقم معاناة السوريين ويعمّق الفجوة الاجتماعية
الخميس 11 حزيران, 2026   04:04
دمشق

تشهد سوريا موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية مع استمرار تراجع قيمة الليرة السورية وارتفاع أسعار المحروقات والسلع الأساسية، والرسوم الجمركية، ما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين ويدفع المزيد من الأسر نحو الفقر، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الفئات محدودة الدخل والفئات الأكثر استفادة من الواقع الاقتصادي القائم.

وسجلت الأسواق السورية ارتفاعات متتالية في الأسعار بالتزامن مع تجاوز سعر صرف الدولار حاجز 14,300 ليرة سورية، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز إلى 177,500 ليرة، وسعر ليتر المازوت إلى 15,620 ليرة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على أسعار مختلف السلع والخدمات.

ويتراوح سعر كيلو السكر بين 8,500 و15,000 ليرة سورية، وكيلو الأرز بين 10,000 و27,000 ليرة بحسب النوع، فيما يتجاوز سعر كيلو القهوة 175 ألف ليرة، ويتراوح سعر كيلو الشاي بين 125 ألفاً و170 ألف ليرة.

كما يباع ليتر الزيت النباتي بنحو 25 إلى 28 ألف ليرة، بينما تتراوح أسعار السمنة النباتية بين 25 ألفاً و40 ألف ليرة للكيلوغرام.

أما البقوليات، فيبلغ سعر كيلو الفاصوليا الجافة نحو 20 ألف ليرة أو أكثر بحسب النوع والجودة.

وفي قسم الخضروات، يتراوح سعر كيلو البندورة حول 15 ألف ليرة، فيما يباع كيلو الباذنجان بين 5 و7 آلاف ليرة، مع استمرار التقلبات السعرية المرتبطة بسعر الصرف وتكاليف النقل والمحروقات، ما يجعل تأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية عبئاً متزايداً على غالبية الأسر السورية.

وفي هذا السياق، قال قاسم الكعكة، البالغ من العمر 80 عاماً ويعمل سائق سرفيس، إنه اضطر إلى العودة للعمل رغم تقدمه في السن بسبب عدم امتلاكه أي مصدر دخل يكفي لتغطية احتياجات أسرته.

وأوضح في حديثه لوكالتنا أنه يعمل لمدة ثماني ساعات يومياً مقابل أجر يبلغ 100 ألف ليرة سورية، لتأمين مستلزمات منزله وثمن الأدوية له ولزوجته، مضيفاً: "الموت بالنسبة لنا رحمة".

من جهته، أكد التاجر أبو عمر، الذي يعمل في سوق مساكن برزة بدمشق ووضع لافتة كتب عليها "الدين ممنوع وخاصة للأقارب والجيران"، أن الأسعار تشهد ارتفاعات شبه يومية، وأن التجار يعتمدون في التسعير على نشرات سعر الصرف الخاصة بالسوق وليس على النشرة الرسمية.

وأوضح أبو عمر أن قراره بمنع البيع بالدين جاء نتيجة تراكم مبالغ كبيرة مستحقة على الزبائن، والتي تفقد قيمتها مع استمرار التضخم وتراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية. وأضاف أنه يدرك صعوبة الأوضاع المعيشية التي يعاني منها السكان، إلا أن استمرار البيع بالدين يفاقم خسائره المالية.

وأشار إلى أن العديد من التجار باتوا يسعّرون بضائعهم على أساس سعر صرف يبلغ 20 ألف ليرة للدولار الواحد، وليس وفق سعر السوق المعلن في النشرات اليومية، معتبرين أن هذا السعر يعكس توقعاتهم لمزيد من التراجع في قيمة الليرة خلال الفترة المقبلة.

وفي تقييمه للأوضاع الاقتصادية، أوضح الخبير الاقتصادي، غيث مؤيد أن تكلفة معيشة الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أفراد ارتفعت بأكثر من 30 بالمئة خلال شهر حزيران الجاري، نتيجة ارتفاع أجور السكن والمحروقات وتراجع قيمة الليرة السورية، إضافة إلى لجوء التجار إلى التسعير وفق أسعار صرف أعلى من النشرات الرسمية بهدف التحوط من تقلبات السوق، وعقب قرار رفع الرسوم الجمركية رقم (110).

وبيّن الخبير أن الحد الأدنى لمتطلبات أسرة سورية مكونة من خمسة أفراد، في حال عدم وجود أمراض مزمنة داخل الأسرة، يتجاوز سبعة ملايين ليرة سورية شهرياً لتغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء وشراب وإيجار مسكن، ووفق وصفه هناك "أكثر من 90 بالمئة من السوريين غير قادرين على تأمين هذا المبلغ".

وأضاف أن مؤشرات الفقر في سوريا تجاوزت التقديرات السابقة التي كانت تشير إلى أن نحو 85 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، لافتاً إلى أن متوسط دخل الفرد لم يعد يصل إلى ثلاثة دولارات يومياً في ظل موجة التضخم الحالية، والتي يعزوها إلى ضخ سيولة نقدية جديدة في الأسواق دون وجود نمو إنتاجي حقيقي.

ولفت إلى أن الواقع الاقتصادي الراهن أسهم في تعميق الانقسام المجتمعي، بين فئة محدودة تستفيد من النفوذ والسلطة وتمتلك القدرة على الإنفاق على السيارات الفارهة والسياحة والمطاعم، وبين شريحة واسعة من السوريين تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك شراء ربطة الخبز.

(أم)