الآلوسي: العراق عند مفترق طرق بين الإصلاح وإعادة إنتاج الأزمة

يرى الباحث السياسي الدكتور تيسير الآلوسي أن العراق يقف أمام مفترق طرق بين ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، أو استمرار هيمنة القوى المسلحة على القرار السياسي والأمني، وأن الطروحات الحالية بشأن حصر السلاح بيد الدولة قد لا تتجاوز حدود إعادة ترتيب المشهد القائم ما لم تقترن بإرادة حقيقية للإصلاح، محذراً من انعكاسات ذلك على الاستقرار الداخلي والعلاقة مع إقليم كردستان.

الآلوسي: العراق عند مفترق طرق بين الإصلاح وإعادة إنتاج الأزمة
الخميس 11 حزيران, 2026   03:17
مركز الأخبار
كيفارا شيخ نور

يتجدد الجدل في العراق حول مستقبل الأطراف المسلحة في البلاد، في ظل تصاعد الضغوط الخارجية، بالتزامن مع متغيرات إقليمية ودولية تضغط باتجاه إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في البلاد.

وبين من يرى في هذه الاجراءات خطوة ضرورية لبناء دولة المؤسسات وترسيخ سيادة القانون، ومن يعتقد أنها تخضع لتوازنات معقدة وحسابات تتجاوز الداخل العراقي، تبرز تساؤلات بشأن مستقبل السلاح في البلاد، وانعكاسات أي إعادة هيكلة محتملة على العلاقة بين بغداد وهولير، ودور القوى الإقليمية والدولية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، قدّم الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور تيسير الآلوسي قراءة موسعة لهذه الملفات، متناولاً أبعادها السياسية والأمنية وانعكاساتها على مستقبل الدولة العراقية.

يرى الدكتور تيسير الآلوسي أن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ينطلق أساساً من إرادة الشعب في بناء وجوده الحر والمستقل، وقطع الطريق على إضعاف بنية البلاد المؤسساتية وما يترتب على ذلك من تفكيك لمؤسساتها والسماح بانتهاك سلطة القانون. ويؤكد أن هذا المبدأ يمثل في جوهره تطلع أي شعب نحو استقرار دولته وسيادة القانون فيها، ومنع تشرذمها أو اختراق بنيتها واستغلالها.

وأوضح الآلوسي أن هذا المبدأ، رغم تعبيره عن إرادة الحركة الشعبية المدافعة عن العراقيين والملتحمة بهم، بقي طوال ما يقارب ربع قرن من الزمن بلا استجابة حقيقية، وذلك بسبب الانقسامات على المستوى الوطني وحجم التدخلات الخارجية وسطوتها على صانعي القرار في الدولة العراقية، سواء عبر التدخل المباشر أو من خلال استيلاء فصائل وقوى مسلحة.

وأشار إلى أن الحكومات العراقية المتعاقبة كانت تدير شؤون البلاد وفق توازنات وضغوط مكوّناتها السياسية، وما تمليه توجهات تلك المكوّنات وعلاقاتها بقوى مافيوية تارةً وميليشياوية تارةً أخرى. وقد أتاح ذلك مرور مظاهر التفكك والعجز، والاستسلام لقوى انتهكت القانون وفرضت نفوذها، مما أدى إلى إحداث شرخ عميق في الحياة العامة والخاصة في العراق.

وأضاف أن تلك الحكومات كانت تحاول، قدر الإمكان، المناورة في سياساتها المثقلة بأشكال الخلل والمماحكات، وهو ما سوغ لها إطلاق شعارات حصر السلاح بيد الدولة من دون قدرة فعلية على تنفيذ هذا المبدأ، بل ومن دون إرادة حقيقية لتطبيقه، بسبب ممالأتها للقوى المسلحة الخارجة على سلطة الدولة ومصالح الشعب.

وبيّن الآلوسي أن كل حكومة وُلدت خلال ربع القرن الأخير جاءت من رحم النظام ذاته والنهج نفسه، بما في ذلك الحكومة الحالية. لكنه لفت إلى أن الجديد في ملف حصر السلاح بيد الدولة يتمثل في خضوعه اليوم لمعادلة دولية مختلفة فرضتها طبيعة الصراع الإقليمي القائم، إضافة إلى ارتباط الفصائل المسلحة بمرجعيات خارجية وعلاقة مكونات الحكومة بمصادر الضغط الدولي.

وأوضح أن الحكومة، حتى وإن كانت تمارس مناورة جديدة، أصبحت مضطرة للخضوع لإجراءات مختلفة في شكلها، لذلك لجأت إلى طرح مفهوم "فك الارتباط" مع الميليشيات بدلاً من الحديث عن نزع سلاحها أو تفكيكها أو حلها، كما روّجت لفكرة إلحاق عناصر تلك الفصائل بالمؤسستين العسكرية والأمنية.

ويرى الآلوسي أن الاستجابة الحالية للضغوط الشعبية والدولية لن تتجاوز، على الأرجح، إطار المناورة أو فبركة حلول تهدف إلى تسكين الأزمة وإدارتها بصورة سطحية، خصوصاً أن السلطة الحاكمة، سواء على مستوى الحكومة أو المؤسسة التشريعية، ما زالت ذات تركيبة فصائلية واضحة ومكشوفة.

وأكد أن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة يخدم الشعب العراقي إذا ما تحول إلى واقع فعلي، إلا أنه على المستوى الرسمي لا يزال مجرد شعارات فارغة من مضمونها، ويعكس استمرار نهج إدارة الأزمات بدلاً من حلها.

وأضاف أن الجديد اليوم قد يتمثل في وضع السلاح تحت إدارة حكومة ترتبط تركيبتها ومرجعياتها بأجنحة سياسية للفصائل المسلحة ومراجعها الإقليمية، وهو أمر سيتحدد مستقبلاً وفق مآلات الصراع الإقليمي والدولي وانعكاساته على العراق، بين انتصار إرادة الشعب أو تغليب مصالح القوى الإقليمية والدولية.

دمج الفصائل المسلحة وتداعياته على العلاقة بين بغداد وهولير

وفي معرض حديثه عن تأثير إعادة تنظيم أو دمج الأطراف المسلحة على توازنات القوة داخل العراق والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وجنوب كردستان، قال الآلوسي إن إدخال قوى فصائلية مسلحة ذات بنية ونهج ميليشياوي إلى إطار القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لا يمكن فصله عن طبيعة السلطة الحاكمة وتركيبة الدولة التي يعدّها مختطفة من قبل تلك الفصائل.

وأوضح أن هذه العملية تمثل، في جوهرها، إعادة تبييض للسلاح كما يجري تبييض الأموال المنهوبة، وتحويل تلك القوى إلى سلطة مطلقة داخل مؤسسات الحكم. وأضاف أن ذلك يعني استمرار النهج الذي ساد طوال ربع القرن الماضي، والقائم على معاداة الأطراف الرئيسية في بغداد لإقليم كردستان وشعبه ووجوده الفيدرالي.

وأشار إلى أن الأمور قد تتجه نحو توظيف المؤسستين العسكرية والأمنية من قبل تلك القوى عبر عناصرها الموجودة في مواقع النفوذ، لافتاً إلى أن ملامح هذا التوجه بدأت بالظهور من خلال أداء بعض الجهات التي باتت تعبر بصورة أوضح عن نهجها السياسي والأمني.

وحذر الآلوسي من محاولات المساواة بين الفصائل المسلحة التي يجري الحديث عن فك ارتباطها وإعادة تنظيمها، وبين قوات البيشمركة في إقليم كردستان، معتبراً أن هذا الطرح يتجاهل الفوارق الجوهرية بين الجانبين.

وأكد أن قوات البيشمركة تتمتع بوجود دستوري واضح وصريح، فضلاً عن ارتباطها بالبنية الفيدرالية للدولة العراقية، كما أن تاريخها يسبق حتى تأسيس الدولة العراقية الحديثة. وأضاف أن البيشمركة ليست ميليشيا أو فصيلاً مسلحاً يمارس أنشطة إرهابية، بل مؤسسة نظامية تلتزم بالقانون وتخضع للتراتبية العسكرية المعروفة في الدول التي تحترم القانون.

ويرى أن هذا الخلط يشكل إحدى المحاولات الرامية إلى استهداف البنية الفيدرالية في جنوب كردستان، والعمل على سحب صلاحياتها القانونية والدستورية، خصوصاً أن المؤسسات العسكرية والأمنية الكردستانية تمثل أحد أهم أدوات حماية سيادة القانون ومنع اختراق الإقليم من قبل قوى الفساد الموجودة داخل مؤسسات الدولة في بغداد.

وتوقع الآلوسي أن تشهد المرحلة المقبلة تصاعداً في الضغوط على إقليم كردستان الفيدرالي، رغم وجود دعم دولي لطابعه الفيدرالي، محذراً في الوقت نفسه من أن اختراق بعض أجزاء الإقليم من قبل قوى إقليمية قد يُستخدم لتشديد الضغوط على الفيدرالية وفرض سياسات تتعارض مع تطلعات الكرد ومصالحهم القومية والوطنية.

الولايات المتحدة وتركيا ومستقبل المنظومة الأمنية العراقية

وفيما يتعلق بدور الولايات المتحدة وتركيا في النقاش الدائر حول مستقبل الحشد الشعبي والبيشمركة، أكد الآلوسي أن إقليم كردستان يمتلك نهجاً رسمياً مرناً في إدارة علاقاته مع الأطراف الإقليمية والمحلية، وهو نهج نجح في كثير من الأحيان في حماية مصالحه ومشروعيته السياسية.

وأوضح أن الإقليم يدير علاقته مع تركيا بوسائل دبلوماسية تسهم في تقليل فرص أي أطماع أو محاولات تخريبية، وأن المرونة السياسية والأداء الدبلوماسي المناسب يشكلان أداة مهمة في مواجهة تغوّل القوة وفرض الإرادات بالقوة.

لكنه شدد في الوقت ذاته على أن ذلك لا يكفي وحده، مؤكداً أهمية بناء علاقات وطيدة ومتوازنة مع الدول العربية في المنطقة، إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا، على أساس المصالح المشتركة والعلاقات التاريخية المتينة.

وأشار إلى أن تعميق العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة يمثل إحدى أهم الأدوات التي تستجيب لمنطق العلاقات الدولية الحديثة، ويمكن توظيفها في خدمة الاستقرار والدفاع عن السلم والأمن على المستويين الإقليمي والدولي.

وختم الآلوسي بالقول إن كردستان ستبقى الركيزة الأقوى للحفاظ على استقرارها من خلال سلامة بنيتها السياسية والمؤسسية، كما يمكن أن تشكل عاملاً أساسياً في الحفاظ على العراق الفيدرالي ومنح فرص حقيقية للتغيير والبناء والتنمية، عبر الالتزام بالدستور والقانون والعمل السياسي السلمي، بعيداً عن أي محاولات لإدامة أدوار الفصائل المسلحة مهما كانت الصيغ التي قد تُمنح لها مستقبلاً، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار المتغيرات المتسارعة للصراع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

(أم)

ANHA