موظفو مراكز البحوث العلمية بين تحديات الأوضاع الوظيفية وتغيرات المؤسسات

يناشد آلاف العاملين في مراكز البحوث العلمية في سوريا حسم أوضاعهم الوظيفية والمالية، وسط توقف صرف الرواتب وحرمانهم من الحصول على وثيقة "غير موظف" التي تتيح لهم العمل لدى جهات أخرى، بالتزامن مع حديث عن انقسام داخل مؤسسات الدولة بين الكوادر القديمة والجديدة، وشكاوى من التهميش وفوارق الرواتب.

موظفو مراكز البحوث العلمية بين تحديات الأوضاع الوظيفية وتغيرات المؤسسات
الأحد 20 يلول, 2026   04:39
دمشق

تتواصل أزمة موظفي الأقسام المدنية التابعة لمركز البحوث العلمية في سوريا، في ظل عدم حسم أوضاعهم الوظيفية واتخاذ قرار واضح بشأن مصيرهم.

ويقول العاملون، في حديثهم لوكالتنا في دمشق، إن استمرار وضعهم الوظيفي من دون صرف رواتب أو منحهم وثيقة تثبت انتهاء علاقتهم الوظيفية يمنعهم من الحصول على فرص عمل أخرى، في وقت يعجز فيه كثير منهم عن تأمين احتياجات أسرهم.

وأوضح العاملون أن الاتهامات الموجهة إليهم تتعلق بعملهم في مركز البحوث العلمية، فيما يؤكدون أنهم كانوا يعملون في أقسام مدنية، تشمل اختصاصات مرتبطة بإنتاج مواد لمكافحة الآفات والحشرات والقوارض والكلاب الشاردة، بالإضافة إلى مواد تحتاجها المعامل والمصانع والصيدليات الزراعية.

ويضم المركز، بحسب إفادات العاملين، خمسة معاهد بحثية وخمسة مراكز متخصصة، إلى جانب فروع ومراكز ميدانية وإنتاجية موزعة في عدد من المحافظات السورية، بينها جمرايا وبرزة في دمشق، والسفيرة في حلب، وحمص وحماة.

وقال دكتور ومهندس من بينهم (فضل عدم الكشف عن اسمه)، إن قيمة رواتبه وتعويضاته المتوقفة منذ عام 2024 تصل إلى 150 مليون ليرة سورية قديمة، مشيراً إلى أنه أصبح عاطلاً عن العمل رغم محاولته التقدم إلى وظائف في شركات خاصة، إذ تطلب منه هذه الجهات وثيقة "غير موظف"، وهي الوثيقة التي لا يستطيع الحصول عليها.

ودعا إلى النظر في أوضاع العاملين وأسرهم، مشيراً إلى أن بعض العائلات باتت عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، فيما اضطر بعض العاملين إلى بيع الخبز لتأمين قوت أطفالهم.

وتساءل العامل محمد حسين عن أسباب منعهم من العمل وتأمين احتياجات أسرهم، مشيراً إلى أن العاملين في المركز من أصحاب الاختصاصات العلمية، وأن الانتساب إليه كان يتطلب الحصول على علامات مرتفعة جداً في الرياضيات والفيزياء والكيمياء.

وقال حسين إن استمرار وقف الرواتب ومنع العاملين من الحصول على وثيقة "غير موظف" أو ممارسة عمل آخر، إضافة إلى القيود المفروضة على السفر، يضعهم في وضع وظيفي وقانوني معلق، مطالباً بمحاسبة من تثبت مخالفته للقانون، وعدم معاقبة من لم تثبت بحقه أي مخالفة.

بدوره، قال همام جواد إنه راجع المركز أكثر من مرة لتقديم استقالته، من دون أن يتمكن من إنهاء وضعه الوظيفي، مشيراً إلى أنهم لا يحصلون على رواتب ولا يسمح لهم في الوقت نفسه بالعمل في جهات أخرى.

وأوضح أن من بين الأسباب التي أُثيرت بشأن العاملين ارتباط المركز بوزارة الدفاع، رغم أن العاملين في الأقسام التي كانوا يعملون فيها مدنيون، مشيراً إلى أن منشآت مدنية أخرى جرى البت في وضعها وتحويلها إلى الصندوق السيادي، بينما لا يزال العاملون في هذه الأقسام محرومين من حقوق وظيفية أساسية، بينها وثيقة "غير موظف".

وأضاف أن إلغاء المركز كان يفترض أن يترافق مع قرارات واضحة بشأن العاملين، سواء بتسريحهم وصرف تعويضاتهم، أو نقلهم إلى جهات أخرى، أو معاملتهم كموظفين في إجازة ومنحهم رواتبهم إلى حين حسم أوضاعهم.

وقال القانوني معتصم محمد، إن من حق العاملين، وفق القواعد التي تحمي حقوق العمل، أن تتخذ الجهات المعنية قراراً واضحاً بشأن أوضاعهم، وألا يحرموا من السفر أو من الحصول على وثيقة "غير موظف" لمن يرغب منهم بالعمل في جهة أخرى، مع توفير سبل فعالة للتظلم.

وأشار إلى مبادئ اتفاقية حماية الأجور لمنظمة العمل الدولية رقم 95 ومعايير إنهاء العمل رقم 158، داعياً إلى صرف الأجور المتأخرة، وإعادة النظر في قرارات الفصل عبر آلية مستقلة، وضمان عدم سحب المساكن من العاملين من دون مسوغ قانوني وإجراءات عادلة.

وكان المركز الدولي للحقوق والحريات قد وثق في تقرير نشره في تشرين الأول 2025 شكاوى بشأن انقطاع أجور عاملين في أقسام مدنية تابعة لمركز البحوث العلمية، وقرارات فصل بحق بعضهم وسحب مساكن وظيفية، داعياً إلى صرف الأجور المتأخرة ووقف قرارات الفصل غير المبررة.

وينص الإعلان الدستوري، بحسب ما أورده العاملون، على صون الدولة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والمساواة بين المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات، وضمان تكافؤ الفرص، فيما يعد العمل حقاً للمواطن وتلتزم الدولة بتوفير الظروف العادلة وتكافؤ الفرص للعمل.

وفي سياق أوسع، تقول بشرى زيدان وهي مديرة سابقة للشؤون الإدارية، إن العاملين وفق حديثها في مؤسسات الدولة يواجهون ضغوطاً لتقديم استقالاتهم، مشيرة إلى وجود فرز بين العاملين القدامى والموظفين الجدد، بغض النظر عن المناطق والطوائف، وإبعاد عدد من الموظفين القدامى عن الأعمال المهمة أو الحساسة، حتى في الحالات التي تتطلب خبرة فنية.

وأضافت على حد تعبيرها أن هناك فروقات كبيرة في الرواتب بين العاملين القدامى والجدد، مشيرة إلى أن بعض الموظفين الجدد يحصلون على رواتب تبدأ من نحو 700 دولار أمريكي، مقابل نحو 120 دولاراً للموظفين القدامى المعينين وفق مسابقات رسمية، إلى جانب فروقات في المكافآت والتعويضات.

وقالت بشرى إن بعض العاملين القدامى يتجنبون الاعتراض على هذه الأوضاع خشية الفصل، في وقت يستعين فيه الموظفون الجدد بالكوادر القديمة لإنجاز الأعمال الفنية والتقنية.

من جهته، قال الخبير الإداري رسلان حماد إن الانقسام داخل مؤسسات الدولة تحول، بحسب وصفه، من فرز طائفي كان قائماً في العام الماضي إلى فرز بين موظف قديم معين وفق القانون 50 وموظف جديد جرى تعيينه مؤخراً من الحكومة الجديدة.

وأضاف أن هذا الواقع أحدث شرخاً داخل المؤسسات، مشيراً إلى أن الموظف القديم يشعر بالتهميش عندما يرى موظفاً جديداً يتقاضى راتباً يزيد بنحو 6 أضعاف راتبه، في وقت يُبعد فيه عن بعض الاجتماعات والمهام.

وحذر من أن استمرار هذه الانقسامات ومحاولة إفراغ المؤسسات من الكفاءات قد يؤثر في عملها، مشيراً إلى أن الموظفين الجدد يتولون في بعض الحالات مهام إدارية تتعلق بالتنسيق ومراقبة الدوام ومنح الإجازات، بينما تنفذ الكوادر القديمة الأعمال الفنية والتقنية.

وكانت وزارة التنمية الإدارية قد أعلنت خلال آب العام الجاري، مراحل جديدة من التوظيف لسد الشواغر في المؤسسات العامة، فيما أكدت لجنة تمديد الخدمة برئاسة وزير التنمية الإدارية محمد حسان السكاف أن دراسة استمرار بعض العاملين في الجهات العامة تراعي الحاجة المؤسسية الفعلية وندرة الاختصاص وأهمية الخبرات الفنية المتراكمة لضمان استمرارية العمل.

ولم يصدر، حتى تاريخ إعداد هذا الخبر، تصريح حكومي مباشر ومحدد بشأن مطالب العاملين في الأقسام المدنية التابعة لمركز البحوث العلمية المتعلقة بالرواتب المتوقفة، ووثيقة "غير موظف"، وقيود السفر، أو آلية حسم أوضاعهم الوظيفية.

(أم)

ANHA