لماذا تحتاج سوريا إلى دستور جديد وما الأفضل؟

تشير قراءة الدساتير السورية المتعاقبة إلى أن الحاجة اليوم إلى دستور جديد تنبع من ضرورة تجاوز إشكالات عدم الاستقرار السياسي، وهيمنة المركزية على بنية السلطة، وغياب الاعتراف الفعلي بالتنوع القومي والثقافي والديني في البلاد، بما يتيح صياغة عقد وطني أكثر شمولاً وتوازناً، يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسسٍ عادلة ومستقرة.

لماذا تحتاج سوريا إلى دستور جديد وما الأفضل؟
الجمعة 5 حزيران, 2026   03:12
مركز الأخبار

مع اقتراب انعقاد أولى جلسات البرلمان في سوريا ضمن المرحلة الانتقالية، يتجدد الجدل حول الحاجة إلى دستور سوري جديد، بعد عقود من التحولات السياسية والدساتير المتعاقبة التي عكست صراعات الهوية والسلطة أكثر مما عكست التوافق الوطني الشامل.

من جهتها، ظلت الحكومة المؤقتة في سوريا خلال العامين الماضيين تؤكد في تصريحاتها على التوجه نحو تشكيل لجنة دستورية لصياغة دستور جديد عقب استكمال تشكيل البرلمان، دون أن تحدد أي إطار زمني أو موعد واضح لهذه الخطوة.

وتعود النقاشات حول الدستور في سوريا إلى بدايات تشكّل الدولة الحديثة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، إذ لم تعرف البلاد استقراراً دستورياً طويلاً، بل شهدت سلسلة متعاقبة من الدساتير المؤقتة والدائمـة التي عكست التحولات السياسية والانقلابات والصراعات على هوية الدولة وشكل نظامها السياسي.

تعدد الدساتير منذ نشأة الدولة

يمكن القول إن أول دستور سوري حديث يعود إلى عام 1920 في عهد "المملكة السورية العربية" بقيادة الملك فيصل.

دستور "المملكة السورية العربية" 1920

يُظهر دستور "المملكة السورية العربية" لعام 1920 أن الدولة السورية الناشئة تبنّت مفهوم المواطنة العامة، إذ نصت المادة (10) على أن: "يطلق لقب سوري على كل فرد من أهل المملكة السورية العربية"، في إشارة إلى محاولة بناء هوية سياسية جامعة تشمل جميع سكان البلاد ضمن إطار الدولة الجديدة.

كما أكد الدستور مبدأ المساواة القانونية بين المواطنين، حيث نصت المادة (11) على أن: "السوريون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات"، وهو ما عُدَّ في حينه خطوة متقدمة نحو ترسيخ مفهوم المواطنة المدنية، رغم غياب أي اعتراف دستوري خاص بالمكونات القومية كالكرد أو السريان والآشوريين، أو منحها حقوقاً سياسية أو ثقافية مستقلة.

وفي الجانب الديني، كفل الدستور حرية المعتقد والشعائر، إذ نصت المادة (14) على أنه: "لا يجوز التعرض لحرية المعتقدات والديانات ولا منع الحفلات الدينية لطائفة من الطوائف"، ما وفر ضمانة قانونية للطوائف الدينية المختلفة، بما فيها المسيحيون والدروز والعلويون، ضمن إطار المساواة الدينية وحرية العبادة.

ورغم هذه الضمانات، حمل الدستور أيضاً ملامح الهوية القومية والدينية، إذ عرّف الدولة باسم "المملكة السورية العربية" وجعل العربية اللغة الرسمية، كما اشترط أن يكون دين الملك الإسلام.

ولأن دستور 1920 سعى إلى دمج مختلف مكونات البلاد في إطار هوية وطنية سورية موحدة، ولم يتضمن اعترافاً دستورياً صريحاً بالتعدد القومي أو بحقوق جماعية خاصة بالمكونات غير العربية، بقي أحد أبرز الإشكاليات التي رافقت النقاش الدستوري السوري خلال العقود اللاحقة.

 لكنه لم يدم طويلاً بسبب الانتداب الفرنسي، ثم جاء دستور 1928 خلال مرحلة الانتداب، والذي بقي معلقاً جزئياً ولم يطبق بالكامل بسبب تدخل سلطات الانتداب.

دستور الانتداب الفرنسي 1928

حافظ مشروع دستور عام 1928، الذي تحول لاحقاً إلى دستور 1930 خلال فترة الانتداب الفرنسي، على مقاربة تقوم على مفهوم المواطنة السورية الموحدة، دون الإشارة إلى المكونات القومية أو الإثنية المختلفة كالكرد أو السريان أو الآشوريين بوصفها جماعات تتمتع بحقوق دستورية خاصة.

ونص الدستور في المادة (6) على أن "السوريين لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية".

وفي الجانب الديني، نصت المادة (12) على أن "حرية الاعتقاد مطلقة، والدولة تحترم جميع الأديان والطوائف وتكفل حرية القيام بجميع شعائر الأديان"، وهو نص وفر اعترافاً قانونياً بالتنوع الديني في البلاد، وشمل الطوائف الإسلامية والمسيحية والدروز والعلويين وغيرهم من المكونات الدينية الموجودة في سوريا آنذاك.

كما نصت المادة (13) على أن الدولة "تحترم الأحوال الشخصية والمصالح الدينية للطوائف المختلفة"، ما عُدّ شكلاً من أشكال الاعتراف بالتعدد الديني والمؤسسات الدينية الخاصة بالطوائف السورية، مع الإبقاء على وحدة الدولة ومؤسساتها السياسية.

دستور 1928-1930 سعى إلى تحقيق توازن بين الهوية الوطنية السورية الناشئة وبين التنوع الديني الموجود في البلاد، إلا أنه لم يتضمن اعترافاً دستورياً بالتعدد القومي أو اللغوي، إذ بقيت جميع المكونات تُعامل ضمن إطار المواطنة الفردية المتساوية، من دون منح أي حقوق جماعية أو وضع دستوري خاص للقوميات غير العربية.

دستور ما بعد الاستقلال 1950

بعد الاستقلال، اعتمدت سوريا دستور 1950 الذي يعد من أكثر الدساتير ديمقراطية نسبياً في تاريخ البلاد، إذ نص على التعددية السياسية وفصل السلطات، وكذلك أطلق على سوريا تسمية "الجمهورية السورية".

وأقر مبدأ سيادة الشعب بصورة مباشرة، حيث نصت المادة (2) على أن "السيادة للشعب"، وهو ما شكل تحولاً مهماً مقارنة بالنظم التي تركز السلطة بيد الحاكم أو المؤسسة العسكرية.

كما كرس الدستور مبدأ الفصل بين السلطات ومنح البرلمان صلاحيات واسعة في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، وأخضع الحكومة للمساءلة أمام مجلس النواب، بما عزز دور المؤسسات المنتخبة في إدارة الشأن العام.

وفي مجال الحقوق والحريات، نصت المادة (14) على أن "السوريين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات"، فيما أكدت المادة (15) أن الحرية الشخصية مصونة ولا يجوز توقيف أحد أو حبسه إلا وفق أحكام القانون، وهي من الضمانات الأساسية في الأنظمة الديمقراطية الحديثة.

وضمن حماية الحريات العامة، نصت المادة (16) على صون حرمة المساكن ومنع دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال التي يحددها القانون، كما كفلت المادة (17) حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، في حين ضمنت المادة (18) حرية إبداء الرأي بالقول والكتابة وحرية الصحافة والطباعة ضمن حدود القانون.

ومن أبرز المؤشرات على الطابع الديمقراطي للدستور أيضاً اعترافه بحق السوريين في الاجتماع وتأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية السلمية، الأمر الذي أتاح في تلك المرحلة وجود حياة حزبية وبرلمانية تعددية شملت قوى قومية وليبرالية ويسارية وإسلامية تنافست عبر الانتخابات النيابية.

ويرى مؤرخون وباحثون في الشأن الدستوري أن أهمية دستور 1950 لا تكمن فقط في نصوصه، بل في كونه حاول إقامة نظام برلماني يقوم على التوازن بين السلطات وحماية الحقوق المدنية والسياسية.

هذا الدستور أيضا لم يستمر بسبب الانقلابات العسكرية المتتالية في الخمسينيات والستينيات، حيث ظهرت دساتير مؤقتة في أعوام 1953 و1961 و1964، عكست حالة عدم الاستقرار السياسي.

دستور 1973 في حقبة حافظ الأسد

ثم جاء دستور 1973 في عهد حافظ الأسد، والذي رسّخ مركزية السلطة بشكل كبير، ومنح حزب البعث دوراً محورياً في قيادة الدولة والمجتمع، عبر المادة (8) الشهيرة على أن: "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة"، وأنه يقود "الجبهة الوطنية التقدمية" التي تضم الأحزاب المشاركة في الحياة السياسية، وهو ما عدَّه معارضون وباحثون أساساً دستورياً لاحتكار السلطة وتقييد التنافس الحزبي طوال العقود اللاحقة.

كما عزز الدستور صلاحيات رئيس الدولة بصورة واسعة، حيث منحه صلاحيات تنفيذية وتشريعية مؤثرة، بما في ذلك تعيين رئيس مجلس الوزراء والوزراء وإعفاؤهم من مناصبهم، وقيادة القوات المسلحة، وإعلان حالة الطوارئ وفق الأطر القانونية النافذة آنذاك، ما أدى إلى تركّز جانب كبير من السلطات في مؤسسة الرئاسة.

وفي الوقت الذي أكد فيه الدستور في المادة (25) على مبدأ المساواة بين المواطنين، نصت المادة (1) على أن سوريا "جمهورية عربية ديمقراطية شعبية اشتراكية"، فيما أكدت المادة (21) أن نظام التعليم يهدف إلى "إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي"، وهي نصوص تكرس في مضمونها الهوية العربية الرسمية للدولة دون الإشارة إلى التعدد القومي والثقافي الموجود في البلاد، حتى انها رسخت الدين عبر تحديد دين الرئيس بالإسلام.

وفي الجمع بين المادة الثامنة والصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئاسة أدى إلى إضعاف الحياة السياسية التنافسية وحصر المجال العام ضمن الأطر التي رسمها الحزب الحاكم والجبهة الوطنية التقدمية، وهو ما جعل دستور 1973 أحد أكثر الدساتير السورية ارتباطاً بفكرة الحزب القائد والدولة المركزية.

تعديل الدستور في حقبة بشار الأسد 2012

لاحقاً جرى تعديل هذا الدستور عام 2012 في عهد بشار الأسد، حيث أُلغيت المادة (الثامنة) الخاصة بقيادة الحزب للدولة نظرياً، لكن وُجّهت انتقادات واسعة إلى دستور 2012، رغم إلغائه المادة، لأن التعديلات عُدَّت شكلية في نظر العديد من الباحثين، إذ أبقى الدستور على مركزية قوية للسلطة التنفيذية ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، من بينها تعيين الحكومة وإعفاؤها وقيادة الجيش وإعلان حالة الطوارئ وفق الأطر الدستورية.

كما نصت المادة (1) على أن سوريا "جمهورية عربية ديمقراطية"، ما أبقى على الطابع الهوياتي الأحادي للدولة دون معالجة فعلية لمسألة التعدد القومي والثقافي.

وأيضا نص الدستور على أن: "دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع"، وهو ما جعل الانتماء الديني شرطاً دستورياً لتولي منصب رئاسة الدولة، وليس مجرد توصيف رمزي. ما يعني ذلك عملياً أن غير المسلم لا يمكنه دستورياً الترشح أو الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية.

إشكالية التعدد القومي والديني

عند مراجعة الدساتير المتعاقبة، يبرز غياب معالجة واضحة للتنوع القومي والديني في سوريا. فالدساتير، رغم إشارتها إلى "المساواة بين المواطنين"، لم تتضمن آليات دستورية تضمن تمثيل المكونات السورية المختلفة، بما فيها الكرد والعرب والسريان والآشوريون، إضافة إلى التنوع الديني بين المسلمين والمسيحيين والدروز والعلويين.

كما لم تُعالج مسألة اللغة والثقافة بشكل تعددي، إذ بقيت الهوية الرسمية للدولة مرتبطة بمركزية ثقافية ولغوية، دون اعتراف دستوري واضح بالتعدد اللغوي في البلاد.

المركزية مقابل اللامركزية

من أبرز الإشكالات الدستورية التاريخية في سوريا العلاقة بين المركز والأطراف. فالدساتير، خصوصاً منذ 1973، كرّست نموذج الدولة المركزية القوية، في حين بقيت مطالب اللامركزية الإدارية أو السياسية خارج النص الدستوري الفعلي.

هذا النموذج أدى إلى فجوة بين الدولة والمجتمعات المحلية، خاصة في المناطق ذات الخصوصية القومية أو الجغرافية، وهو ما ظهر بوضوح خلال سنوات الحرب، حين برزت إدارات محلية متعددة الأشكال في الشمال والشرق السوري.

تأثير الحرب على البنية الدستورية

الحرب التي بدأت عام 2011 أدت إلى انهيار عملي في بنية الدولة المركزية في العديد من المناطق، وظهور سلطات مختلفة متعددة. هذا الواقع عزز الجدل حول ضرورة إعادة صياغة العقد الدستوري بما يضمن إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تستوعب التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حدثت خلال العقد الأخير.

كما كشفت الحرب محدودية الدستور القائم في إدارة التنوع والصراع، إذ لم يتمكن من منع الانقسام السياسي أو احتواء التعدد في مراكز القوة.

الإعلان الدستوري 2025

يكرّس الإعلان الدستوري الصادر عام 2025 إطاراً يقوم على وحدة الدولة ومركزية القرار السياسي، مع اعتماد مفهوم "المواطنة العامة" كمرجعية للحقوق، دون تقديم ترتيبات دستورية تفصيلية للمكونات القومية أو الثقافية.

تنص المادة (1) على أن: "الجمهورية العربية السورية دولة موحدة لا تقبل التجزئة"، وهو نص يؤسس لمبدأ وحدة صارم للدولة، دون الإشارة إلى أي شكل من أشكال اللامركزية السياسية أو الإدارية.

وفي تعزيز لمفهوم المواطنة العامة، تؤكد المادة (4) أن: "المواطنة أساس الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة"، وهو تعريف يساوي بين المواطنين قانونياً، لكنه لا يتضمن أي اعتراف دستوري خاص بالمكونات أو حقوقها الجمعية.

أما في باب السلطة، فإن المادة (20) تمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة خلال المرحلة الانتقالية، ما يعكس تمركز القرار التنفيذي في رأس السلطة، بينما تشير المادة (22) إلى تشكيل مجلس تشريعي مؤقت بآليات يغلب عليها التعيين أو الإشراف التنفيذي، الأمر الذي يحدّ من استقلالية التمثيل التشريعي ويعزز الطابع المركزي للنظام.

كما تكتفي المادة (8) بالإشارة إلى أن: "الدولة تحمي التنوع الثقافي ضمن إطار الوحدة الوطنية"، دون وضع أي آليات سياسية أو إدارية تضمن تمثيل هذا التنوع داخل مؤسسات الحكم، أو الاعتراف بالمكونات بوصفها كيانات سياسية أو قومية داخل الدولة.

لماذا دستور جديد اليوم؟

تاريخ الدساتير السورية يظهر أن المشكلة لم تكن في النصوص فقط، بل في غياب الاستقرار السياسي والتوافق الوطني حول شكل الدولة. لذلك، فإن الدعوات الحالية لدستور جديد لا تنبع فقط من الحاجة القانونية، بل من ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر شمولاً وتوازناً، تستوعب التنوع السوري وتؤسس لمرحلة سياسية مختلفة عن الماضي.

غداً: دستور 1950 إطار جامع لتطلعات السوريين المقبلة

(أم)

ANHA