عام ونصف بعد سقوط النظام البعثي.. أين وصلت سوريا في مسار العدالة الانتقالية؟

تقف سوريا أمام مرحلة مفصلية في ملف العدالة الانتقالية، حيث يتوقف نجاح المسار على قدرته في تحقيق توازن بين المساءلة والإصلاح المؤسسي والسلم الأهلي.

عام ونصف بعد سقوط النظام البعثي.. أين وصلت سوريا في مسار العدالة الانتقالية؟
السبت 27 حزيران, 2026   04:18
مركز الأخبار

منذ سقوط النظام البعثي في سوريا في 8 كانون الأول 2024، تصدرت العدالة الانتقالية الخطاب السياسي الرسمي بوصفها المدخل الأساسي لمعالجة إرث الانتهاكات الممتد لعقود. إلا أنه بعد مرور نحو عام ونصف، لا يزال السؤال مطروحاً بين السوريين حول ما تحقق فعلياً على الأرض، وما الذي بقي ضمن إطار التعهدات والخطط المعلنة.

ورغم التصريحات الحكومية المتعلقة بكشف الحقيقة والمساءلة وإنصاف الضحايا، فإن تقييم مسار العدالة الانتقالية يقتضي التمييز بين بناء المؤسسات القانونية والإدارية من جهة، وتحقيق نتائج قضائية ملموسة من جهة أخرى، وفق حقوقيين.

بداية المسار الرسمي

في 17 أيار 2025، أصدر رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع المرسوم الرئاسي رقم 20 القاضي بإنشاء "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، بوصفها الجهة الرسمية المكلفة بقيادة هذا المسار.

ورأت الحكومة حينها أن تأسيس الهيئة يمثل أول إطار مؤسساتي لمعالجة الانتهاكات التي ارتُكبت خلال عقود حكم النظام البعثي.

وخلال الأشهر التالية، ركزت الهيئة على بناء هياكلها التنظيمية الداخلية، وعقد لقاءات مع ذوي الضحايا ومنظمات المجتمع المدني وممثلي المحافظات، بالإضافة إلى فتح قنوات تعاون مع جهات دولية متخصصة في العدالة الانتقالية، وفق ما أوردته وسائل الإعلام الرسمية.

"الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"

تؤكد وكالة الحكومية "سانا" أن "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" أصبحت قائمة رسمياً منذ أيار 2025، برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، الذي أعلن في أكثر من مناسبة أن أهداف الهيئة تتمثل في "كشف الحقيقة، وضمان المساءلة، وجبر الضرر، ومنع تكرار الانتهاكات، وتعزيز المصالحة الوطنية".

إلا أن تعيين عبد اللطيف أثار تبايناً في المواقف بين السوريين، حيث انتقد بعض المعارضين والناشطين اختياره بسبب انتمائه السابق إلى "جيش أسود الشرقية" وقربه من السلطات الحالية، ورأوا أن ذلك قد يؤثر في حيادية الهيئة واستقلاليتها.

وخلال عام 2026، عقدت الهيئة على الصعيد الداخلي والخارجي، لقاءات مع الأمم المتحدة، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، ومنظمات حقوقية سورية ودولية، إلى جانب فعاليات محلية في درعا واللاذقية وطرطوس وحلب ودير الزور وحماة وحمص.

ماذا انجز؟

وفق الخطاب الرسمي، تركز الإنجاز الحكومي حتى الآن في أربعة مسارات رئيسة: إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، جمع المعلومات والوثائق المتعلقة بالانتهاكات، التواصل مع الضحايا وأسر المفقودين، بناء شراكات مع جهات دولية مختصة بالمساءلة وكشف الحقيقة.

كما أعلنت الحكومة إلغاء المحاكم الاستثنائية والأطر القضائية المرتبطة بالنظام البعثي، وعدَّت ذلك جزءاً من عملية إصلاح المنظومة العدلية.

لجان التحقيق والملفات المفتوحة

تشير البيانات الرسمية إلى وجود تعاون مباشر بين "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة"، إضافة إلى "تشكيل فرق عمل متخصصة لمعالجة ملفات الانتهاكات والمفقودين وحقوق الملكية".

إلا أن الحكومة لم تنشر حتى الآن قائمة شاملة ومفصلة بجميع لجان التحقيق الوطنية ونتائج أعمالها أو جداولها الزمنية.

وفي المقابل، تحدث مسؤولون في الهيئة عن تحقيقات جارية في ملفات متعددة، بينها انتهاكات شهدتها بعض المحافظات بعد سقوط النظام البعثي، دون الإعلان عن أرقام محددة أو تحديد الجهات المستهدفة أو مراحل التقدم في تلك التحقيقات.

انتقادات للنتائج المحدودة

يرى مراقبون أن ما أُعلن عنه حتى الآن يندرج في إطار بناء المؤسسات ووضع الأطر القانونية أكثر من كونه تحقيقاً لنتائج ملموسة على صعيد المساءلة وكشف الحقيقة.

ويشيرون إلى أن الضحايا وأسر المفقودين ما زالوا ينتظرون خطوات عملية تتعلق بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتوضيح مصير آلاف المفقودين والمعتقلين.

كما يثير بعض السياسيين والحقوقيين السوريين تساؤلات بشأن مدى استقلالية "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" وآليات تشكيلها، مطالبين بضمان مشاركة أوسع للضحايا ومنظمات المجتمع المدني في رسم سياسات العدالة الانتقالية والإشراف على تنفيذها.

ويؤكد معارضون وناشطون حقوقيون أن نجاح العملية يتطلب شمول جميع الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال سنوات النزاع، بغض النظر عن الجهة المسؤولة عنها، محذرين من أن حصر المساءلة بطرف واحد قد يضعف فرص تحقيق مصالحة وطنية شاملة ويثير اتهامات بالانتقائية.

وعلى منصات التواصل الافتراضي وبيانات الأطراف الحقوقية والسياسية السورية، تتكرر الدعوات للإسراع في الانتقال من مرحلة جمع الوثائق والبيانات إلى إجراءات قضائية واضحة وعلنية، معتبرة أن نجاح العدالة الانتقالية سيُقاس بقدرتها على تحقيق المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا، وليس فقط بإنشاء الهيئات وإصدار القرارات التنظيمية.

المحاكمات.. الحلقة الأضعف

رغم مرور أكثر من عام ونصف على سقوط النظام البعثي، لا تزال الحصيلة المعلنة للمحاكمات محدودة مقارنة بحجم الانتهاكات الموثقة خلال العقود السابقة.

وبحسب ما أمكن توثيقه من التصريحات الرسمية والتغطيات الإعلامية، بدأت إجراءات قضائية بحق عدد من الشخصيات المرتبطة بالنظام البعثي من بينهم "وسيم الأسد، وعاطف نجيب، وأحمد بدر الدين حسون"، إلا أن السلطات لم تنشر حتى الآن إحصاءً رسمياً شاملاً بعدد المحاكمات المنجزة أو الأحكام الصادرة أو عدد المدانين نهائياً.

ويجعل غياب هذه البيانات من الصعب تقييم مستوى التقدم الفعلي في ملف المساءلة.

في المقابل، أعلن مسؤولون حكوميون وجود آلاف الموقوفين المرتبطين بملفات النظام البعثي والتحقيقات الجارية بشأنها، دون نشر قاعدة بيانات تفصيلية للرأي العام، باستثناء صور ومعلومات عن إلقاء القبض على شخصيات عسكرية وأمنية في النظام البعثي.

التسويات أم المحاسبة؟

خلال المرحلة المؤقتة، برزت انتقادات من ناشطين وحقوقيين بسبب ما وصفوه بالغموض في التعامل مع شخصيات اقتصادية وقبلية وسياسية كانت مرتبطة بالنظام البعثي.

ومن بين الأسماء التي دار حولها نقاش عام رجال أعمال ومسؤولون سابقون وشخصيات عشائرية بارزة، بينهم "محمد حمشو ونواف البشير فراس مدلول" وآخرون، حيث أثيرت تساؤلات بشأن ما إذا كانت الدولة تتجه نحو تسويات سياسية أو اجتماعية مع بعض الشخصيات بدلاً من المسار القضائي الكامل.

لكن الحكومة لم تعلن حتى الآن سياسة واضحة تحدد معايير التسويات أو تشرح بصورة تفصيلية الحدود الفاصلة بين المصالحة المجتمعية والمساءلة القضائية.

التحديات التي تتحدث عنها الحكومة

في تصريحات متكررة، أشار مسؤولو العدالة الانتقالية إلى مجموعة من التحديات التي تواجه المسار الحالي، أبرزها: "ضخامة حجم الانتهاكات الممتدة لعقود، وجود ملايين الوثائق والملفات التي تحتاج إلى تدقيق، ملف المفقودين والمقابر الجماعية، نقص الكوادر والخبرات المتخصصة، الحاجة إلى إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، التوازن بين تحقيق العدالة والحفاظ على السلم الأهلي ومنع الانتقام".

ويؤكد مسؤولو الهيئة أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل أيضاً كشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

المعايير الأممية للعدالة الانتقالية

مبادئ الأمم المتحدة تؤكد أن أي مسار للعدالة الانتقالية يجب أن يكون شاملاً ومستقلاً ويضم مختلف فئات المجتمع.

ممن تتشكل عادة؟

تشدد الأمم المتحدة على إشراك: "ممثلين عن الضحايا والناجين وأسر المفقودين، قضاة وخبراء قانونيين مستقلين، منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، خبراء في التوثيق وكشف الحقيقة، ممثلين عن المكونات الاجتماعية والمناطق المختلفة، مؤسسات الدولة المعنية بالإصلاح القضائي والإداري، ويمكن الاستعانة بخبراء دوليين بصفة استشارية".

ما هي آلية عملها؟

وفق إطار الأمم المتحدة، تقوم العدالة الانتقالية عادة على أربعة أركان رئيسة: "المساءلة القضائية، التحقيق في الانتهاكات الجسيمة، محاكمة المسؤولين وفق معايير المحاكمة العادلة، كشف الحقيقة، إنشاء لجان حقيقة لتوثيق ما جرى، جمع شهادات الضحايا والشهود، إصدار تقارير علنية حول الانتهاكات وأسبابها، جبر الضرر، تعويض الضحايا مادياً أو معنوياً، إعادة الحقوق والممتلكات حيث أمكن، برامج دعم وتأهيل للمتضررين، إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية والإدارية، منع تكرار الانتهاكات، تعزيز سيادة القانون والرقابة على المؤسسات".

ما الشروط التي تؤكد عليها الأمم المتحدة؟

الاستقلالية والحياد.

عدم التمييز بين الضحايا.

شمول جميع الانتهاكات بغض النظر عن الجهة المسؤولة.

مشاركة الضحايا في صنع القرار.

الشفافية وإتاحة المعلومات للرأي العام.

التوازن بين العدالة والمصالحة المجتمعية دون الإفلات من العقاب.

ماذا تقول الأمم المتحدة عن ما تشهده اليوم سوريا؟

ورغم ترحيب جهات أممية بخطوات تأسيس "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" والتعاون مع المؤسسات الدولية، شددت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا خلال عام 2026 على ضرورة تسريع الإصلاحات وتحقيق العدالة وضمان المساءلة عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال النزاع.

كما أكدت اللجنة أن الملفات الكبرى لا تزال بحاجة إلى تحقيقات ومحاسبة فعالة، بما في ذلك الانتهاكات الجديدة التي شهدتها البلاد خلال المرحلة المؤقتة.

تحذيرات من هيومن رايتس ووتش

من جانبها، حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من خطر تحول المطالبة بالعدالة في سوريا إلى أعمال انتقام وعقاب جماعي تستهدف الأقليات، داعية السلطات إلى وضع إطار قانوني واضح يضمن المساءلة وفق معايير العدالة وسيادة القانون.

وقالت المنظمة إن الاحتجاجات التي شهدتها عدة محافظات سورية خلال شهر حزيران ترافقت مع أعمال عنف وتحريض على الكراهية على أساس الهوية، شملت اعتداءات على أشخاص وممتلكات في دمشق وإدلب، إضافة إلى حوادث قتل استهدفت أشخاصاً متهمين بالارتباط بالنظام البعثي.

ودعت المنظمة إلى التحقيق السريع في جميع الانتهاكات، وحماية الموقوفين من أعمال العدالة الشعبية، وضمان محاكمات عادلة ومستقلة، مؤكدة أن غياب إطار قانوني واضح للعدالة الانتقالية يسهم في استمرار التوترات والعنف.

كما شددت على أهمية إشراك منظمات المجتمع المدني والضحايا في هذا المسار، وتعزيز الثقة بالمؤسسات القضائية لمعالجة الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال سنوات النزاع.

أولى دلالات خطورة تداعيات تعثر العدالة الانتقالية على الواقع في البلاد

وخلال الأيام الماضية، شهدت عدة محافظات سورية، بينها إدلب وحلب وحماة والساحل السوري ودير الزور، تحركات شعبية متزامنة رفعت شعارات تطالب بمحاسبة المتورطين في جرائم النظام البعثي، قبل أن تمتد أصداؤها إلى مناطق أخرى.

ويرى كثير من السوريين أن عودة هذا الملف ليست مفاجئة، إذ إن العدالة الانتقالية التي كانت إحدى أبرز وعود المرحلة الجديدة بقيت، في نظر منتقدين، محدودة التأثير ولم تتجاوز حدود بعض المحاكمات التي وصفوها بأنها غير كافية لمعالجة إرث سنوات الحرب.

وبينما تؤكد الحكومة أن هذا المسار يحتاج إلى وقت نظراً لضخامة التركة التي خلفها النظام السابق، يرى منتقدون أن العدالة الانتقالية لا تُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرة الدولة على تحويل الوعود إلى مؤسسات فعالة ونتائج ملموسة.

(أم)

ANHA