المرأة في مناطق الحكومة الانتقالية.. عام من الهشاشة والعنف وتراجع لدورها

دخلت سوريا مرحلة انتقالية مضطربة، سرعان ما تحولت فيها إلى بيئة مشحونة بالفوضى والعنف المتصاعد، في هذا المناخ، وجدت النساء أنفسهن في قلب الصراع، حيث استُخدمت أجسادهن أحياناً كأدوات ضغط ومساومة ضمن معادلات القوة الجديدة.

المرأة في مناطق الحكومة الانتقالية.. عام من الهشاشة والعنف وتراجع لدورها
الأربعاء 10 كانون الأول, 2025   06:35
مركز الأخبار

شهدت سوريا، منذ تبدل السلطة في 8 كانون الأول الفائت، زيادة ملحوظة في جرائم القتل والاختطاف والعنف الأسري والاجتماعي، إلى جانب استهداف النساء في مناطق التماس الطائفي والسياسي.

وقُتلت حتى الآن مئات النساء، بما في ذلك قاصرات، ولا تزال العشرات الأخريات مختفيات في ظروف غامضة. وبالتوازي، تراجعت المشاركة النسوية في الحياة العامة والسياسية بشكل واضح، وسط سياسات رسمية تحدّ من حرية النساء وتحصّن وجودهن في نطاق رمزي بعيد عن القرار الفعلي.

ويهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على الأوضاع الصعبة التي تواجهها المرأة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الانتقالية، من خلال رصد أعداد القتلى والمختطفات، ومواقع الجرائم، وأبعاد العنف الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى تحليل وضع المرأة في المؤسسات الرسمية ومشاركتها في صنع القرار، في ظل بيئة انتقالية لا تزال غير آمنة ولا توفر حماية كافية لحقوقها.

سوريات بين القتل والاختفاء.. أرقام وصور مأساوية

فمنذ استلام الحكومة الانتقالية في سوريا، قُتلت 650 امرأة، بينهن 29 طفلة في جرائم تنوعت أسبابها بين انفجارات ناجمة عن مخلفات الحرب وإطلاق نار عشوائي، وعمليات تصفية ذات طابع انتقامي أو طائفي، بالإضافة إلى جرائم قتل ناتجة عن العنف الأسري والاجتماعي.

وتركزت الجرائم بحق المرأة في المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة الانتقالية، كحلب، ودمشق، وحمص، وحماة، وريف دمشق، ودرعا، وطرطوس، والقنيطرة، واللاذقية، والسويداء، وجزء من دير الزور الخاضع لسيطرتها.

القتل

حلب: 31 امرأة بينهن 2 طفلة. دمشق: 14 امرأة بينهن طفلة واحدة. حمص: 34 امرأة بينهن 8 طفلات. حماة 36 امرأة بينهن 3 طفلات. درعا 23 امرأة بينهن 5 طفلات. طرطوس 48 امرأة بينهن 5 طفلات أعدمن ميدانياً. اللاذقية 16 امرأة. دير الزور 28 امرأة بينهن طفلتين، أما في السويداء فقُتلت 34 امرأة بينهن طفلتين، وفي ريف دمشق قتلت 29 امرأة بينهن طفلة واحدة.

بالإضافة إلى 127 امرأة، أُعدمن ميدانياً على يد مجموعات مسلحة تابعة لوزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية، وفق ما وثّقه المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وفي أحداث الساحل، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الانسان مقتل 100 امرأة، بينهم أطفال وطفلات، وفي أحداث السويداء 130 امرأة، بينهن طفلات.

خطف واختفاء

منذ شباط ٢٠٢٥، بدأت التقارير تتحدث عن موجة من عمليات خطف، استهدفت نساء علويات في مناطق التماس الطائفي الحساسة مثل حمص وريفها، ثم ريف حماة والساحل السوري، في سياقات انتقامية تغذيها نوازع طائفية ومصالح سياسية، تحوّلت فيها النساء إلى أدوات للابتزاز والهيمنة، وتصاعدت هذه العمليات في أعقاب المجازر الدامية، التي طالت العلويين في الساحل السوري، مطلع آذار الماضي وحتى اليوم.

في تموز الفائت، بدأ فصل جديد من فصول الخطف، حيث تعرضت نساء درزيات عقب هجوم قوات السلطة الانتقالية والمجموعات التابعة لها على السويداء، للاختطاف، ومنذ تلك الأحداث، لا يزال مصير النساء الدرزيات المخطوفات مجهولاً، ويبلغ عددهن نحو 100 امرأة.

وبحسب منظمة العفو الدولية ومنصّة "أوقفوا خطف النساء السوريات"، تم اختطاف ما لا يقل عن 36 امرأة وشابة من الطائفة العلوية، تراوح أعمارهن بين 3 و40 عاماً، على يد مجهولين في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، منذ شباط 2025.

ومن بين هذه الحالات، وُثّقت ثماني عمليات اختطاف في وضح النهار، شملت خمس نساء وثلاث طفلات دون سن الثامنة عشرة، في ظل تقاعس الأجهزة الأمنية عن فتح تحقيقات حقيقية أو تحديد أماكن الاحتجاز.

وفي الجنوب السوري، سجّلت تقارير محلية في السويداء، فقدان 65 امرأة منذ بداية العام الجاري. كما وثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان اختفاء أو اختطاف 97 شخصاً، بينهم نساء، منذ كانون الثاني الماضي، مشيرةً إلى صعوبة تأكيد الأرقام بدقة بسبب نقص المعلومات.

حجب النساء عن مساحات القرار الحقيقي

منذ تسلّم السلطة الجديدة الحكم في سوريا، ودخولها مرحلة انتقالية مضطربة، تحوّلت إلى بيئة مشحونة بالفوضى والعنف المتصاعد.

في هذا المناخ، كانت آمال السوريين والسوريات كبيرة في بناء دولة قائمة على القانون والعدالة، غير أن النساء وجدن أنفسهن في قلب الصراع، حيث استُخدمت أجسادهن أحياناً كأدوات ضغط ومساومة ضمن معادلات القوة الجديدة.

فقد شهدت هذه المرحلة تهميشاً واضحاً للحركة النسوية، مع رفض أي مطالب بسيطة للنساء وامتناع عن تبني مفاهيم مثل الديمقراطية أو الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المرأة، وفرضت قيود اجتماعية صارمة، مثل ارتداء الحجاب أو النقاب، وفصل الجنسين في الجامعات ووسائل النقل العام.

حيث خسرت النساء السوريّات مواقع قيادية مهمة، شملت مهام نائب رئيس الجمهورية، وعدداً من المقاعد الوزارية والمواقع القيادية في مجلس الشعب والإدارات العامة، وأصبح نادراً أن تتولى امرأة منصب مدير عام أو معاون وزير، في ظل غياب الدعم المؤسسي والتشريعي الكافي لضمان مشاركتها الفاعلة في الحياة العامة.

وتشير بيانات المكتب المركزي للإحصاء إلى أن عدد النساء في سوريا يُقدَّر بنحو 11.88 مليون امرأة لعام 2024. بالمقابل يظل التمثيل النسوي محدوداً وخجولاً، فقد حصلت بعض النساء على مقاعد عبر ما يُعرف بـ "مكتب شؤون المرأة" في حين تظل ناشطات أخريات مطالبات بحماية من العنف والخطف بصوت منخفض.

وعلى الرغم من الدعوات لتطبيق "الكوتا النسائية" لضمان تمثيل عادل، فإن واقع التنميط الاجتماعي والسياسي للدور النسائي ما يزال مستمراً، حتى بعد التغيرات النظامية. حالياً، تتولى الوزيرة الوحيدة "للشؤون الاجتماعية والعمل"، هند قبوات، المنصب الوزاري، وهو ما يعكس نسبة تمثيل لا تتجاوز 5%، مقابل 22 وزيراً ذكوراً، في حين تشير المعايير الدولية إلى أن الكوتا النسائية ينبغي أن تضمن تمثيلاً لا يقل عن 30%، ما يوضح ضعف مشاركة المرأة السورية في الحياة السياسية واتخاذ القرار.

نشاط نسائي

كما اقتصر نشاط النساء على الجهود الفردية والتنديد الشخصي بالانتهاكات، بعيداً عن أي تكتلات أو تنظيم أنفسهن بشكل عام، وفي السويداء أعلن عن تأسيس "تيار حرائر باشان" في 22 تشرين الثاني من العام الجاري. ويهدف إلى تعزيز مشاركة المرأة في المجتمع، والدفاع عن حقوقها، وتمكينها، مع تركيز خاص على ملف النساء المختطفات والعمل المجتمعي.

ويعدّ "تيار حرائر باشان" أول تنظيم نسائي يُؤسَّس في السويداء، بعد معاناة النساء وما تعرضن له من انتهاكات وظلم خلال الفترة الماضية، لا سيما خلال أحداث تموز الدامية.

وفي خطوة غير مسبوقة في الجنوب السوري، شهدت السويداء تشكيل جيش نسائي يضم أكثر من 500 امرأة، بهدف تعزيز قدرات الدفاع الذاتي في ظل الظروف الأمنية المتقلبة بالمدينة، وينحدرن من مختلف بلدات وقرى السويداء، وتركزت تدريباتهن في أربع مناطق رئيسة هي: شقا، وشهبا، والقريا، وملح.

وشملت التدريبات أساسيات عسكرية، والدفاع عن النفس، والإسعاف الأولي، واستخدام السلاح الخفيف، إلى جانب رفع اللياقة البدنية والانضباط الشخصي.

(م ح/ي م)

ANHA