ملف اللاجئين السوريين.. لعبة أردوغان الجديدة لتنفيذ "الميثاق الملي"

يواصل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، استخدامه ملف اللاجئين السوريين كأداة لتنفيذ أجنداته، حيث بدأ باستخدامهم كأداة لتغيير ديمغرافية المناطق التي احتلها من خلال توطين لاجئين سوريين في مناطق تم تهجير سكانها الأصليين، إذ حذر الصحفي، سركيس قصارجيان، من أن ذلك سيؤدي إلى "زرع بؤرة ملتهبة في المنطقة والعودة إلى دوامة العنف".

ملف اللاجئين السوريين.. لعبة أردوغان الجديدة لتنفيذ "الميثاق الملي"
الثلاثاء 17 مايو, 2022   01:48
مركز الأخبار- ليلاف ديواني

تواصل دولة الاحتلال التركي اتباع سياسة التغيير الديمغرافي في المناطق السورية التي احتلتها، عبر التلاعب بالتركيبة السكانية لأبناء المنطقة وطمس هوية تلك المناطق وبشكل خاص المناطق ذات الغالبية الكردية، متخذةً من مشروعها الاستيطاني أساساً في تنفيذ أجنداتها الاحتلالية بدعم وغطاء من جمعيات ومنظمات ذات توجه إخواني.

واستكمالاً لهذا النهج يسعى أردوغان، إلى توطين مليون لاجئ سوري في المناطق السورية التي يحتلها من خلال بناء وحدات سكنية استيطانية بأموال قطرية وكويتية.

واتبعت ولا تزال تتبع، دولة الاحتلال التركي سياسة متعددة الجوانب حيال ملف اللاجئين السوريين، فقد استخدمتهم كورقة ضغط وابتزاز ضد أوروبا، بالإضافة إلى تشغيلهم كأيدي عاملة رخيصة داخلياً، وصولاً إلى الأخطر بينها ألا وهو استخدامهم كأدوات لتغيير ديمغرافية المناطق السورية المحتلة.

وبعد سلسلة من القرارات التقييدية التي تتخذها السلطات التركية ضد الوجود السوري في تركيا، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الإقامة والعمل ووقف الرعاية الطبية و"بطاقات الحماية المؤقتة"، ناهيك عن حالات العنف والقتل المتعمد الذي تعرض له اللاجئون السوريون على يد الأتراك العنصريين، وصولاً إلى منع الدولة التركية، اللاجئين السوريين من قضاء إجازة عيد الفطر ضمن مناطق الشمال السوري المحتلة تركياً، طرح الرئيس التركي أردوغان مشروعاً جديداً حيال ملف اللاجئين السوريين. 

وجاء ذلك في كلمة مصورة له، في الـ 3 من أيار الجاري، إذ كشف أردوغان عن تحضير أنقرة لمشروع تحت مسمى "العودة الطوعية" لمليون لاجئ سوري إلى بلادهم، وذلك بدعم من "منظمات تركية ودولية".

عودة إجبارية لا طوعية

بهذا الصدد، يقول الكاتب والصحفي المختص بالشأن التركي، سركيس قصارجيان، لوكالتنا: "مشروع أردوغان بحد ذاته يحمل في تفاصيله الكثير من التناقضات التي تجعل منه أساساً فاشلاً قبل إطلاقه ويجعلنا نجزم بأنه ولد ميتاً، المشكلة الأساسية في هذا المشروع تبدأ من الاسم".

وأوضح "لا يمكن الحديث عن عودة طوعية ومن ثم إقرار عدد الذين سيعودون والمناطق التي سيعودون إليها لأن كلمة العودة كما هو واضح من معناه هو أن يعود كل شخص إلى منزله إلى حييه مكان ولادته وعمله إلى المكان الذي ينتمي إليه أو المكان الذي يريد العيش فيه وليس بتحديد منطقة يعود إليها هذا بطبيعة الأحوال طرد أو ترحيل وبالتالي اسم المشروع من الأساس غير صحيح لا يمكن الحديث عن العودة أو الطوعية بحسب التفاصيل التي تم الإعلان عنها".

"مناطق خطرة"

ويستهدف مشروع أردوغان 13 منطقة محتلة في مقدمتها إعزاز وجرابلس والباب في ريف حلب الشمالي وكري سبي وسري كانيه في شمال وشرق سوريا وذلك بالتعاون مع ما تسمى بالمجالس المحلية التابعة لمرتزقة الاحتلال في تلك المنطقة، لتوطين اللاجئين السوريين في المستوطنات التي تحضر لهم.

ولفت أردوغان إلى أنه تم "اكتمال 57 ألف و306 منازل في الشمال السوري حتى اليوم، ضمن الحملة الرامية إلى بناء 77 ألف منزل"، مشيراً إلى أن 500 ألف سوري عادوا قبل الآن إلى المناطق التي تحتلها تركيا.

وفي الـ 9 من الشهر الجاري، أعلن أردوغان عن عزمه بناء 200 ألف وحدة سكنية في الشمال السوري وأن مليون لاجئ سوري مستعدون للعودة إليها، على الرغم من وجود توثيقات لمنظمات حقوقية وإنسانية تصف تلك المناطق بـ "الخطرة وغير الآمنة".

وفي هذا السياق، ينوه سركيس قصارجيان إلى أن "المناطق التي تم الحديث عنها غير آمنة، لأنها أصلاً لا يوجد فيها لا نظام ولا قانون، هي مناطق نفوذ للمجموعات المسلحة التابعة لأنقرة حيث كل مجموعة تسيطر على مساحة جغرافية وتتعامل مع سكان هذه المنطقة كمالك للأرض ولما فوقها ومن ضمنها البشر".

وتابع "بالتالي هي ليست آمنة وليست قابلة لممارسة الحياة اليومية والعملية لأن النظام الاقتصادي القائم في هذه المناطق هو اقتصاد حرب يعتمد على الخطف والقتل وطلب الفدية والتهريب وكل هذه الأمور التي لا يمكن أن تستوعب مجموعات كبيرة من السكان الذين في حال عودتهم سيكون أمامهم الاضطرارية للانخراط في منظومة اقتصادية شرعية وقائمة بحد ذاتها لكي يتمكنوا من الاستمرار في حياتهم".

وفي 14 أيار/ مايو الجاري، أفادت منظمة حقوق الإنسان عفرين- سوريا، أن سلطات الاحتلال التركي رحّلت أول دفعة من اللاجئين السوريين المزمع ترحيلهم إلى سوريا، مبينة أنها رحّلت نحو 100 شخص من بوابة مدينة كري سبي/ تل أبيض في شمال وشرق سوريا، تنفيذاً لمشروع أردوغان.

في المقابل انتقد السوريون على مواقع التواصل الافتراضي مشروع أردوغان، بسخرية، قائلين "علب الكبريت صارت جاهزة يا ترى حدا فيهم سأل هل الشعب بيقبل يعيش هيك عيشة يا ترى حدا فيهن بيعرف كيف كانت بيوت هل ناس قبل الحرب.. فعلاً تكالبت علينا الأمم، والسؤال ألي يجنن المخ ما دام بهل سرعة قدرتوا تعملوا هل بيوت ليش من 10 سنين تاركين ناس بالخيم تموت برد وجوع وذل وقهر هدوك مو أولى من الي عايش هون ومأسس حياتو".

تغيير ديمغرافي لتنفيذ "الميثاق الملي"

وأثار مشروع أردوغان تساؤلات عن المغزى من توقيت تنفيذه وما يخبئه في طياته من أجندات احتلالية، إذ يرى مراقبون أن الهدف هو تغيير ديمغرافية المناطق المستهدفة لتوطين اللاجئين السوريين وبالتالي اقتطاع الأراضي السورية المحتلة، وضمها إلى أراضيها تنفيذاً للمشروع العثماني المسمى بـ "الميثاق الملي".

ومنذ أن احتلت تركيا ومرتزقتها كل من جرابلس والباب وإعزاز وعفرين وسري كانيه وكري سبي، عمد الاحتلال التركي إلى اتخاذ عدد من الإجراءات التي تهدف إلى تغيير هوية تلك المناطق، من إعلان حكومة جديدة تحت مسمى "الحكومة المؤقتة" والمجالس التابعة لها، وترحيل السكان الأصليين وتوطين الآلاف من المرتزقة وأسرهم متخذاً من تفشي الفوضى والقتل والفساد وسيلة لتهجير وترحيل السكان الأصليين.

إلى جانب رفع العلم التركي وفرض التداول بالعملة التركية بدلاً من السورية، وصولاً إلى افتتاح معاهد وكليات تابعة لجامعات تركية ومدارس تدرس باللغة التركية إلى جانب تدشين المستوطنات، كل ذلك في إطار تغيير ديمغرافية المنطقة وبالتالي اقتطاعها عن الأراضي السورية وضمها إلى أراضيها تمهيداً لتنفيذ مشروعه العثماني.

وخلال السنوات الأخيرة، تردد ذكر "الميثاق الملي"، بين السياسيين والمحللين الأتراك، وبخاصة من القوميين، وجاء ذلك تحديداً بعدما بدأ الرئيس التركي أردوغان، بالتطرق له بشكل معلن منذ العام 2016.

وفي تشرين الأول /أكتوبر 2016، وبعد رفض الحكومة العراقية مشاركة تركيا في عملية تحرير مدينة الموصل شمال العراق من مرتزقة داعش. اختار أردوغان، لقاء دورياً مع "المخاتير الأتراك"، ليرد على القرار العراقي بالقول: "عليهم قراءة الميثاق الملي ليفهموا معنى الموصل بالنسبة لنا"، والقول: "الموصل كانت لنا".

إثر ذلك تداولت صحف تركية خريطة "الميثاق الملي" المثيرة للجدل، وفيها تقتطع تركيا أجزاء كبيرة من سوريا والعراق، وكذلك أجزاء من كل من أرمينيا، وإيران، وجورجيا، واليونان، وبلغاريا.

والدليل على استخدام تركيا ملف اللاجئين السوريين لتنفيذ مشروعها الاحتلالي "الميثاق الملي"، هو تصريح وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، في كانون الثاني/ يناير عام 2019، في معرض تبريره منح الجنسية التركية لأكثر من 76 ألف لاجئ سوري في تركيا، وقال "بأنّ (62%) من اللاجئين السوريين في تركيا قد جاؤوا من أراضي حدود الميثاق الملي"، معتبراً أن ذلك سبب يخولهم الأحقية في أن يصبحوا أتراكاً، وهو ما يبرهن نية تركيا في تنفيذ "الميثاق الملي".

وعن دوافع أردوغان من تنفيذ هكذا مشروع، يبيّن سركيس قصارجيان، "بالنسبة لدوافع أردوغان من طرح هكذا مشروع هناك العديد من الدوافع الدافع الأول والأساسي هو استكمال مشروع التغيير الديمغرافي في شمال سوريا والقضاء على الغالبية الكردية في العديد من مناطق الشمال السوري وتغيير هوية هذه المنطقة من خلال إسكان ناس هم أيضاً سيكونون لاجئين للمرة الثانية بعدما كانوا لاجئين في تركيا لأنهم سيعودون إلى منازل وأراضي ليست لهم، وبالتالي سيبقون لاجئين إلى الأبد، وبالتالي هو اليوم يشرع القيام بمشروع التغيير الديمغرافي وتغيير الهوية ولتغيير البيئة في هذه المناطق وخلق لاجئين مجدداً".

تحقيق مكاسب داخلية

ويضيف قصارجيان: "في نفس الوقت صرف ملف عودة اللاجئين السوريين في الداخل التركي من خلال حل المعضلة الكبيرة التي بات يعاني منها الحزب الحاكم، حزب أردوغان، بسبب العدد الكبير من اللاجئين السوريين في تركيا مقابل الوضع الاقتصادي السيء جداً والبيانات والأرقام الحكومية الكاذبة التي تتحدث عن صرف عشرات المليارات من الدولارات وبالتالي هذا يعني تحقيق مكاسب سياسية في الداخل التركي".

وتصدر ملف اللاجئين السوريين في تركيا حديث الساسة الأتراك، منذ مطلع العام الماضي، لتزداد الوتيرة شيئاً فشيئاً مع حلول العام الحالي، حتى باتت تأخذ مسارات أكثر حدة، وخاصة من جانب أحزاب المعارضة، على خلفية تهاوي الليرة التركية أمام العملات الأجنبية ودخول الاقتصاد التركي أزمة حادة تدهور إزائها الواقع المعيشي للمواطنين، ما دفع بعض الأتراك العنصريين إلى تحميل اللاجئين السوريين سبب التدهور الحاصل وشن حملات عنصرية ضد الوجود السوري في تركيا.

ووضعت الأحزاب المعارضة "إعادة السوريين إلى بلادهم" على قائمة برامجها الانتخابية استعداداً للاستحقاق الرئاسي في عام 2023، ما أثار مخاوف الرئيس التركي أردوغان في أن يخسر حزبه الحاكم الاستحقاق الانتخابي المرتقب في حال لم يغرد في ذات السياق الذي اتخذته الأحزاب المعارضة حيال ملف اللاجئين السوريين.

ونوه سركيس قصارجيان إلى أن تركيا تتعاطى مع ملف اللاجئين السوريين على أنه ملف سياسي وليس إنساني وإنه خاضع لحسابات السياسات الداخلية والخارجية، وقال: "عندما تحدث أردوغان بداية عن عدم نيته في إرسال اللاجئين السوريين كان في الأصل يخاطب الكتلة الانتخابية الصلبة التي تتوافق مع طروحاته في تشبيه الأتراك بالأنصار وهؤلاء بالمهاجرين انطلاقاً من قاعدة دينية، ولكن بعد أن رأى تصاعد ردود الأفعال ضد اللاجئين قام بالحديث عن خطة لإعادتهم".

حرب أهلية

وسلط سركيس قصارجيان، الضوء على المخاطر الناجمة عن مشروع أردوغان، قائلاً: "أي تغيير ديمغرافي في أي بلد كان يولد الكثير من المخاطر لأن استبدال السكان بحسب أهواء الجهة التي تمتلك القوة يعني زرع بؤرة ملتهبة في هذه المنطقة، وبالتالي نحن نتحدث عن سلخ المواطنين وناس من جذورهم بالمقابل توطين أناس آخرين قد لا يرون أنفسهم في هذا المكان ولا يشعرون بالانتماء إلى هذه الأرض تحديداً".

ومضى في حديثه: "إضافة إلى توتير الأجواء والإخلال بالعقد الاجتماعي عبر خلق بيئة جغرافية فيها سكان تم دفعهم إلى هناك بالقوة والإجبار والإكراه وفئة أخرى هي صاحبة الأرض والحق وهذا ما يرجح نشوب صدام بين هاتين الفئتين، وهذا يعني العودة إلى دوامة العنف والبدء من نقطة الصفر وهي طبعاً بطبيعة الأحوال مشكلة كبيرة جداً بالنسبة للوضع السوري".

وفي غضون ذلك، وجهت 45 منظمة حقوقية وصحفية نداءً للأمين العام للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تحذر خلاله من خطورة المشروع التركي حول التغيير الديمغرافي شمال سوريا، مطالبة المنظمات بالامتناع عن تمويل مشروع أردوغان وعدم منحه الشرعية والغطاء القانوني، منعاً لحدوث حرب أهلية مستقبلاً وكونه يساهم في تكريس واقع التغيير الديمغرافي القومي الممنهج.

كما أدن حزب الاتحاد الديمقراطي، مشروع أردوغان، ودعا في بيان أصدره في 9 أيار/ مايو، السوريين للعودة إلى مناطقهم الأصلية، وليس إلى المستوطنات التي أقامها الاحتلال التركي أو تلك التي أقيمت برعاية الجمعيات الإخوانية.

مصالح مشتركة وراء التخاذل الدولي

في حين، انتقد مراقبون صمت المجتمع الدولي وحكومة دمشق حيال مشروع أردوغان بشأن ملف إعادة اللاجئين السوريين.

وعزا البعض صمت حكومة دمشق إلى وجود اتفاق بين أنقرة ودمشق بشأن مشروع عودة اللاجئين السوريين وبشكل خاص عقب حديث وسائل إعلام تركية عن "مناقشات" حكومية تجرى بين الطرفين للشروع في حوار مع حكومة دمشق بشأن 3 موضوعات "مهمة" من بينها "ضمان أمن اللاجئين العائدين".

وبخلاف رأي بعض المراقبين، يقول سركيس قصارجيان، "أعتقد أن الأخبار التي تم تسريبها في الإعلام المقرب والداعم لأردوغان في تركيا حول عودة العلاقات هي أيضاً حملة موجهة للسياسة الداخلية، أنا شخصياً لا أرى أي بوادر لعودة العلاقات في المدى القريب لذلك لا أعتقد أن هذا الموضوع له علاقة بالتطبيع أو إعادة العلاقات بين دمشق وأنقرة بل كما قلت الواضح أنها حملة تستهدف خارجياً التغيير الديمغرافي وداخلياً الحسابات الانتخابية وحسابات الفوز والخسارة في انتخابات 2023 المصيرية بالنسبة لتركيا".

وأما عن صمت المجتمع الدولي، أكد قصارجيان "صراحة لم أتفاجأ من موقف المجتمع الدولي لأنه لم يحرك ساكناً خلال العمليات العسكرية التركية ورغم عشرات التقارير الصادرة من جهات محايدة وأممية والتي كشفت عن الانتهاكات التي ارتكبتها المجموعات المتطرفة المدعومة من أنقرة من قبل".

واختتم قصارجيان، حديثه، قائلاً: "بالتالي أنا لا أعول أصلاً على دور المجتمع الدولي لأنه في النهاية له حساباته ويرى نفسه اليوم أكثر احتياجاً لتركيا حتى من قبل بضع سنوات نتيجة الحرب الروسية – الأوكرانية ولا يريد هذا المجتمع خسارة تركية تحت أي ظرف كان حتى ولو كان هذا الظرف على حساب السوريين وانتهاك أرضهم وديمغرافيتهم وعاداتهم وحقهم في العيش على أرضهم في وطنهم".

(ي ح)

ANHA