غلاء متصاعد يضغط على السوريين ويعمّق ركود الأسواق

يعاني السوريون من موجة غلاء متصاعدة تطال مختلف السلع والمواد الغذائية، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية، ما دفع الأسر إلى تقليص مشترياتها والاقتصار على الضروريات، في وقت تشهد فيه الأسواق حالة من الركود.

غلاء متصاعد يضغط على السوريين ويعمّق ركود الأسواق
غلاء متصاعد يضغط على السوريين ويعمّق ركود الأسواق
غلاء متصاعد يضغط على السوريين ويعمّق ركود الأسواق
الأربعاء 23 يلول, 2026   03:25
مركز الأخبار

تشهد الأسواق السورية ارتفاعات متزايدة ولحظية في أسعار العديد من السلع، عقب تقديم الصناعيين بيانات التكلفة المتعلقة بمنتجاتهم، وإعادة احتساب النفقات المرتبطة بأسعار المحروقات وأجور النقل وهوامش الربح، في ظل تغيرات متسارعة في تكاليف الإنتاج والأسعار.

وقال الصناعي سعيد السالم من دمشق لوكالتنا إنه قدم بيانات التكلفة الخاصة بالمنتجات التي يصنعها، موضحاً أن نسبة الارتفاع تراوحت بين 20 و25 بالمئة لكل سلعة.

وأضاف أن تقديم بيانات التكلفة إلى الجهات المعنية في وزارة الاقتصاد والصناعة يتبعه طرح الأسعار الجديدة للمنتجات وإصدار فواتير جديدة، مشيراً إلى أن المنتجات القديمة الموجودة لديه جرى تسعيرها وفق السعر الجديد، وأنه عمّم هذه الأسعار على جميع الموردين.

وأوضح السالم أن تغير أسعار السلع بصورة شبه يومية يرتبط، بحسب رأيه، بخسارة الليرة من قيمتها أمام الدولار، إلى جانب الاضطرابات في مضيق هرمز وما يرافقها من ارتفاعات في تكاليف النقل والشحن، إضافة إلى الظروف الاقتصادية التي تواجهها سوريا.

وبيّن أن المستوردين باتوا يسعّرون المواد الأولية بصورة لحظية وبما يتماشى مع ارتفاع تكاليف النقل العالمية، وهو ما ينعكس على أسعار المنتجات النهائية، محذراً من أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى مزيد من الارتباك وعدم الاستقرار في الأسواق.

وأشار السالم في الوقت ذاته إلى أن الصناعيين يواجهون مخالفات في حال عدم تقديم بيانات التكلفة الخاصة بتسعير المواد، ما يضعهم أمام معادلة صعبة بين تغير التكاليف بصورة مستمرة ومتطلبات الجهات الرقابية.

البيع يقتصر على الضروريات

وفي سوق الميدان بدمشق، قال تاجر الألبان والأجبان زياد عثمان إن حركة البيع والشراء اقتصرت إلى حد كبير على الحاجات الضرورية واليومية، في ظل تراجع قدرة الأسر على شراء الكميات المعتادة.

وأوضح عثمان أن بعض الأسر تطلب شراء الزيت بمبلغ 5000 ليرة سورية قديمة، في حين يصل سعر الكيلو إلى 80 ألف ليرة، ما يدفع التاجر إلى البيع بكميات صغيرة ووضعها في أكياس، رغم أن ذلك يتطلب جهداً ووقتاً ويؤدي إلى هدر من دون مردود يذكر.

وقال إن كثيراً من الأسر لم تعد قادرة على شراء السلعة بالكيلو أو بالتنكة، رغم أن شراء الكميات الأكبر يكون أوفر، مضيفاً أن الناس باتت تعيش "يوماً بيوم".

وتنعكس هذه الظروف أيضاً على العلاقة بين التجار والزبائن، إذ وضع عثمان أكثر من لافتة داخل متجره كتب عليها: "الرجاء الدين ممنوع".

وأثناء حديثه، أشار إلى دفتر الديون الموجود لديه، وقال إن فيه ملايين الليرات من مبيعات آجلة لم تُسدّد، موضحاً أن بعض المدينين كانوا مستأجرين وغادروا الحي دون أن يتمكن من الوصول إليهم، فيما يطلب آخرون تأجيل السداد، أو ينتظرون حوالات مالية من أقاربهم في الخارج.

وأضاف أن أشخاصاً يراجعونه بصورة متكررة لشراء حاجاتهم بالدين، ومنهم كبار في السن، بل إن بعضهم يطلب الحصول على بيضة أو رغيف خبز "لوجه الله"، مشيراً إلى أن تجار المفرق في الأحياء الشعبية يلمسون بصورة مباشرة حجم المعاناة التي تعيشها الأسر.

نشرات أسعار تتغير أكثر من مرة يومياً

وتعكس أسعار الخضروات والفواكه التي رصدها مراسلو وكالة أنباء هاوار في الأسواق أمس، حجم الضغوط التي تواجهها الأسر السورية، إذ بلغ سعر كيلو الفاصولياء الخضراء نحو 40 ألف ليرة، والبامية 35 ألفاً، والبازيلاء 30 ألفاً، واللوبياء 26 ألفاً، فيما سجل الخيار الأرضي نحو 9 آلاف ليرة، والبندورة 6 آلاف، والكوسا 7 آلاف، والباذنجان 5 آلاف، والبطاطا 5500 ليرة.

كما وصل سعر كيلو الثوم إلى نحو 30 ألف ليرة، والبصل اليابس إلى 5 آلاف، والليمون الحامض إلى 20 ألفاً، والزيتون الأخضر إلى 25 ألف ليرة، وسط تفاوت بين الأسواق والمحال بحسب الجودة ومصدر المنتج وتكاليف النقل.

من جهته، أكد عضو سابق في جمعية حماية المستهلك، رفض الإفصاح عن اسمه، أن الأسواق تعاني حالة من الفوضى وعدم اليقين في التسعير، لافتاً إلى أن الصناعيين يرفعون أسعار السلع بصورة تدريجية، بينما سبقهم بعض التجار إلى رفع الأسعار بشكل عشوائي.

وقال إن بعض التجار رفعوا الأسعار بنسبة قاربت 40 بالمئة، بذريعة حالة الفوضى وعدم صدور نشرات أسعار نهائية من المنتجين والموردين.

وأضاف أن التجار يتبادلون نشرات الأسعار عبر مجموعات خاصة، وأن هذه النشرات تُعدّل أكثر من مرة خلال اليوم، ولا سيما مع تغير سعر الصرف، مشيراً إلى وصول سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 13700 ليرة سورية وفق الأسعار التي كانت متداولة في السوق خلال إعداد المادة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تظهر فيه فجوة بين السعر الرسمي وسعر الصرف في السوق الموازية، إذ أظهرت النشرة الرسمية لمصرف سوريا المركزي في 20 أيلول سعراً للدولار عند 121.50 ليرة للشراء و122.50 ليرة للمبيع، بينما سجل الدولار في السوق الموازية، وفق تقرير اقتصادي محلي في اليوم نفسه، نحو 136.25 ليرة للشراء و136.75 ليرة للمبيع.

ويقول العضو السابق في جمعية حماية المستهلك إن تعدد الأسعار وتغيرها المتكرر يترك أثراً مباشراً على حركة الأسواق، التي تعاني أصلاً من الركود وتراجع المبيعات، إذ يتردد المستهلكون في الشراء أو يكتفون بالحد الأدنى من احتياجاتهم.

انعكاسات اجتماعية متزايدة

وفي السياق ذاته، أكدت خبيرة اجتماعية ومدرسة في كلية التربية بجامعة دمشق، فضلت عدم الكشف عن اسمها، أن الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع تركت أثراً كبيراً على حياة الأسر، وذكرت أن استمرار الضغوط المعيشية يدفع شرائح واسعة إلى مستويات متزايدة من العجز والفقر.

وضربت مثالاً على ذلك بوسائل النقل داخل العاصمة دمشق، مشيرة إلى أنها تشاهد خلال الرحلة الواحدة أكثر من راكب يقول إنه لا يملك أجرة الطريق، فيما يتدخل بعض الركاب لدفع الأجرة عنه، أو يدفع جزءاً منها ويطلب من السائق السماح له بالباقي.

وقالت إن من أكثر المشاهد التي لمستها في دمشق، مشاهدة أحد الأشخاص الفقراء يطلب في مطعم شعبي يقدم الفول والمسبحة الحصول على الطعام المتبقي في أحد الصحون بعد انتهاء أصحابه من تناول وجبتهم.

وأضافت أن بعض الأسر باتت تواجه ظروفاً تدفعها إلى البحث عن بقايا الطعام في المطاعم أو حتى حاويات القمامة، في مؤشر، بحسب وصفها، على عمق الأزمة الاجتماعية والمعيشية.

وحذرت الخبيرة من أن استمرار الفقر والجوع وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية قد يؤدي إلى زيادة التوتر الاجتماعي، مشيرة إلى الفوارق الطبقية التي باتت واضحة في الشارع السوري، بين فئات تحسنت أوضاعها الاقتصادية وأخرى تعاني البطالة وانعدام الدخل وصعوبة تأمين الغذاء.

ارتفاع المحروقات يضيف أعباء جديدة

وتزامنت هذه التطورات مع رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا اعتباراً من 13 أيلول، إذ حددت النشرة الجديدة سعر بنزين 95 بـ 195 ليرة، وبنزين 90 بـ 185 ليرة، والمازوت بـ 175 ليرة، والغاز المنزلي بـ 1600 ليرة، والغاز الصناعي بـ 2560 ليرة، إضافة إلى أسعار أخرى شملتها النشرة.

وبررت وزارة الطاقة القرار بارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة لنحو شهرين، ما زاد الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة. وقالت الوزارة إن تعديل الأسعار مؤقت ويهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات وتوافر المواد في السوق المحلية.

كما أوضح مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد سلات أن أسعار المشتقات النفطية ليست ثابتة، وأنها تخضع للمراجعة صعوداً وهبوطاً تبعاً لتغير التكاليف والظروف في الأسواق العالمية.

وبعد الاحتجاجات التي شهدتها عدة مناطق سورية على خلفية ارتفاع أسعار المحروقات، أعلنت الوزارة في 17 أيلول عن طرح المازوت بثلاثة أسعار، بينها 115 ليرة للتر للتدفئة والزراعة وبعض المستهلكين المؤهلين، و150 ليرة لبعض القطاعات الإنتاجية والخدمية، فيما بقي سعر المازوت بالمواصفات القياسية 175 ليرة، بينما تبلغ كلفته الفعلية، وفق الوزير محمد البشير، 206 ليرات للتر.

الحكومة: العمل على زيادة الإنتاج وتأمين احتياجات السوق

وفي أحدث تعليق حكومي بارز على ملف الطاقة وتداعياته المعيشية، استمع مجلس الشعب، أمس الأحد، إلى وزير الطاقة محمد البشير بشأن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والظروف التي رافقت إصدار النشرة الأخيرة.

وقال البشير إن الوزارة تعمل على زيادة إنتاج النفط والغاز والكهرباء، وتأهيل شبكات الطاقة والمياه، وتحسين كفاءة استخدامها، معلناً أن الوزارة تستهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول عام 2028، فيما تحتاج إلى نحو سبع سنوات ليصل إنتاج الغاز إلى مستويات وصفها بالمرضية.

وفي ملف الكهرباء، قال الوزير إن إنتاج الكهرباء ارتفع إلى نحو 3500 ميغاواط مقارنة بـ 915 ميغاواط عند بدء عمل الحكومة، وإن التغذية الكهربائية أصبحت تتراوح بين 18 و20 ساعة يومياً في معظم المحافظات، وفق ما نقلته سانا عن كلمته أمام مجلس الشعب.

ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الحكومة أن جزءاً من الضغوط الحالية مرتبط بارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً، بينما تشير بيانات السوق وشهادات الصناعيين والتجار إلى انتقال هذه التكاليف إلى أسعار السلع والنقل والخدمات.

وكانت ست محافظات سورية قد شهدت احتجاجات عقب نشرة أسعار المشتقات النفطية الصادرة في 13 أيلول، والتي رفعت أسعار بعض المشتقات بنسب تراوحت بين 25 و40 بالمئة، وفق ما رصده مراسلو وكالة أنباء هاوار في حينه.

وتكشف شهادات الصناعيين والتجار والمستهلكين في دمشق، بالتوازي مع البيانات الحكومية الأخيرة، عن استمرار تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وتقلبات أسعار الصرف في حركة الأسواق، فيما تتجه الأسر ذات الدخل المحدود إلى تقليص مشترياتها والاكتفاء بالاحتياجات اليومية، ما يزيد الضغط على سوق تعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية والركود.

(أم)

ANHA