تحليل: روسيا تتحين الفرصة للنصر الاستراتيجي في سوريا من خلال إبعاد الأسد وطهران

بدأت روسيا بالتفكير في التخلص من الأسد من أجل بناء قيادة جديدة من شأنها تنفيذ دستور روسيا المقترح، والاعتماد على التكنوقراط الذين يمثلون جميع الفصائل والأعراق، حيث سيتعين على روسيا أن تنجح في إنتاج زعيم قوي ومقبول على نطاق واسع بدلاً من الأسد.

تحليل: روسيا تتحين الفرصة للنصر الاستراتيجي في سوريا من خلال إبعاد الأسد وطهران
الجمعة 8 مايو, 2020   09:18
مركز الأخبار

نشرت صحيفة هاآرتس الاسرائيلية تحليلاً للمحلل في شؤون الشرق الاوسط زافي باري تحدث فيه عن أزمة بشار وابن خاله رامي مخلوف واستراتيجية روسيا في سوريا التي بإمكانها أن تجر البلاد نحو حل جديد بعد الإطاحة ببشار الأسد.

رامي مخلوف، الملياردير السوري الذي يصادف أن يكون ابن خال الرئيس بشار الأسد، قال في مقطع فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع "من كان يعتقد أن عملاء المخابرات سيأتون إلى شركات رامي مخلوف ويقبضون على عمالنا، حيث أنني كنت أكبر مؤيد لهذه الوكالات الاستخباراتية".

وقد ألقى مخلوف ملاحظته العجيبة، التي أثارت الجدل في البلاد، بعض الضوء على الصراع على السلطة الذي شكل سوريا ما بعد الحرب، حيث تتنافس روسيا وإيران ونظام الأسد على سلطة البلاد، وذلك بحسب تحليل لصحيفة الهاآرتس الاسرائيلية.

ليس مخلوف هو قريب الأسد فحسب، بل هو أيضاً شخصية رئيسة في تمويل نظامه، فيمتلك سيريتل، أكبر شبكة للهاتف المحمول في البلاد، وبحسب مصادر مختلفة، فإنه يمتلك حصة تبلغ 60 % من الاقتصاد السوري.

وفي عام 1999، أسس مخلوف مؤسسة خيرية تسمى البستان، والتي تلقت في المراحل الأولى من الحرب الأهلية منحاً من منظمات الإغاثة الدولية، وحتى مؤسسات الأمم المتحدة.

إلى جانب العمل، قامت المؤسسة الخيرية أيضاً بتجنيد وتمويل مقاتلين تابعين لمجموعات النمر، التي قاتلت مع القوات الحكومة وارتكبت جرائم حرب.

فمخلوف، حليف إيران، كان يعمل بسلاسة حتى ظهرت روسيا على المسرح السوري عام 2015، وكانت الاستراتيجية الروسية في ذلك الوقت تعتمد على مبدأ واضح وبسيط: إبقاء الأسد في السلطة، والقضاء على "الإرهاب" وتوسيع حكم النظام حتى النهاية، وإقامة دولة تحت الرعاية الروسية أو على الأقل تحت النفوذ الروسي.

موسكو توقعت أن تحقق هذه الأهداف في غضون أسابيع أو أشهر، ولكن تبين أن الواقع أكثر تعقيداً، فكانت إيران بالفعل لاعبة ناشطة في الحرب، وسيطرت داعش على مناطق كبيرة في شمال شرق البلاد، وتمتع العشرات إن لم يكن المئات من "الميليشيات - الميليشيات المتمردة والميليشيات الموالية للنظام" بحكم شبه مستقل في أجزاء مختلفة من البلاد، ولعل ما جعل الأمور أسوأ بالنسبة لموسكو كان قلة أعداد المقاتلين في المجموعات التابعة للنظام.

إذ كانت على روسيا أن تبني استراتيجية جديدة تتجاوز استخدام قوتها الجوية لمساعدة قوات النظام، وكان عليها أن تتأكد من أن استثماراتها العسكرية في الميدان ستؤتي ثمارها المالية والدبلوماسية والاستراتيجية.

إعادة الهيكلة العسكرية

بدأت روسيا في دمج المجموعات في جيش الأسد، ومن الأمثلة على ذلك مجموعات النمر والتي كانت تحت رعاية رامي مخلوف، فكانت هذه القوات تتألف من 24 وحدة على الأقل، تحمل كل منها اسم قائدها، وكانت روسيا قادرة على إجبار الأسد على دمج هذه القوات في الجيش، وبالتالي تحييد سيطرة مخلوف على تلك المجموعات.

في صيف عام 2019، قام الأسد بتغيير اسم الوحدة من قوات النمر إلى الفرقة 25 التابعة للقوات الخاصة، تم اختيار وتدريب جنودها بعناية من قبل الضباط والمدربين الروس، وبهذه الطريقة، عززت روسيا الوحدات القتالية العاملة تحت قيادة الأسد، والأهم من ذلك أنها حيّدت قدرة طهران على استخدام مجموعات النمر عبر مخلوف، في سعيها لبناء معقل عسكري موازٍ للجيش السوري.

أجبرت روسيا الأسد على إجراء تغييرات أخرى في الجيش، مثل استبدال كبار الضباط، وتبني التكتيكات التي طورتها وزارة الدفاع الروسية والجيش الروسي، حيث كان الهدف النهائي هو بناء جيش قوي وماهر وسياسي يكون خاضعاً لسلطة الأسد لكنه يسترشد بروسيا.

أمر بشار الأسد باعتقال اللواء غسان بلال رئيس مكتب شقيقه ماهر قائد الفرقة الرابعة وحليف إيران، في ذلك الوقت، اقترحت إيران أن يصبح بلال رئيساً للاستخبارات العسكرية لكن روسيا عارضت هذه الخطوة.

الاستثمار الاستراتيجي

كجزء من تدخلها في سوريا، بدأت روسيا بالبحث عن طرق للعثور على الموارد والسيطرة على الاقتصاد، وفي عام 2018، وقّعت إيران سلسلة من الاتفاقيات الحصرية لفترة ما بعد الحرب السورية، لكن روسيا حصلت على امتيازات لإنتاج النفط والبنية التحتية، ولا تزال موسكو تهدف إلى إخراج إيران من مشروع إعادة إعمار في سوريا، من أجل وصف نفسها بأنها نموذج للنجاح، وجني الفوائد في أماكن أخرى مثل العراق وليبيا واليمن.

أصبح النجاح في سوريا طموحاً استراتيجياً حيوياً، وبديلاً للتأثير الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن روسيا وحدها لا تستطيع الحصول على المبلغ الهائل من رأس المال، الذي يقدر بمئات المليارات من الدولارات اللازمة لمشروع إعادة الإعمار، والعقبة الرئيسة هي وجود إيران وحزب الله، اللذين يشكلان عقبة أمام الاستثمار الأجنبي من أوروبا والولايات المتحدة بسبب العقوبات.

تحتاج روسيا الآن إلى تسريع خروج إيران من الساحة، هذا هو السبب في أنها تغض الطرف عن الهجمات الاسرائيلية على القواعد الإيرانية، وهي تفعل ذلك بالتنسيق، ولا غرابة في أنها لم ترد على الغارات الجوية الستة المنسوبة إلى إسرائيل في الأسبوعين الماضيين، كما التزمت موسكو الصمت عندما قال وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت إن إسرائيل لا تعمل فقط للحد من الترسخ الإيراني في سوريا، ولكنها تهدف إلى إخراج إيران من سوريا بالكامل.

ومع ذلك، ليست الضربات الإسرائيلية وحدها هي التي تسببت في التراجع الحالي في القوات الإيرانية في سوريا، فقد أبعدت روسيا إيران عن الاتفاقات التي وقعتها مع تركيا لفرض وقف إطلاق النار في إدلب، آخر معقل للمتمردين في البلاد، وكما أنها تبقي الإيرانيين خارج نشاط الشرطة الذي تقوم به الشرطة العسكرية الروسية.

تكتيك المافيا

اقترحت روسيا على الأسد أن يدفع مخلوف 3 مليارات دولار، وعندما رفض الأخير، قائلاً أنه ليس لديه هذا المبلغ من المال، أظهرت روسيا مقاطع الفيديو التي نشرها أبناء مخلوف، تعرض سياراتهم الفاخرة بجوار منازلهم الفخمة في دبي.

بالنسبة للأسد، كانت هذه الفيديوهات فرصة للانتقام من ابن خاله الذي جمع ثروته بفضل العلاقات الأسرية، ويبدو أن مخلوف بدأ يتشابك مع زوجة الرئيس أسماء الأسد، التي ترأس لجنة مكلفة بمكافحة غسل الأموال، وتمت مقاضاة مخلوف بتهمة التهرب الضريبي، وتمت مصادرة معظم ممتلكاته، وتم اعتقال موظفيه بينما تمكن بشكل واضح من الفرار من البلاد والانضمام إلى أبنائه.

معركة دبلوماسية

قبل فترة وجيزة من تفجير حلقة مخلوف، بدأت وسائل الإعلام الروسية في نشر مقالات تقوم بتشويه سمعة الأسد، متهمة إياه بقيادة نظام فاسد، وكتب ألكسندر شوميلين، الدبلوماسي السابق والرئيس الحالي لمعهد أوروبا والشرق الأوسط في موسكو، والذي تموله الإدارة الروسية: "يجب على الكرملين التخلص من الصداع السوري، المشكلة مع شخص واحد، الأسد وحاشيته".

وكالة تاس الروسية للأنباء نشرت مقالاً قالت فيه إن "الأسد لم يعد قادراً على قيادة البلاد فحسب، بل إن رئيس النظام السوري يجر موسكو نحو سيناريو مشابه للحرب الأفغانية".

أثارت هذه المقالات  التكهنات بأن روسيا بدأت في التخلص من الأسد من أجل بناء قيادة جديدة من شأنها تنفيذ دستور روسيا المقترح والاعتماد على التكنوقراط الذين يمثلون جميع الفصائل والأعراق، وتعتقد روسيا أن مثل هذه الحكومة يمكن أن تكسب الشرعية الدولية، ويمكن أن تكون بمثابة حافز لتمويل إعادة بناء البلاد تحت العين الساهرة لروسيا.

لكن هذه الرؤية يمكن أن تصبح بعيدة المنال، فروسيا تعرف ـ ربما أفضل من أي طرف آخر في سورياـ مدى صعوبة بناء تحالف مؤلف من مليشيات وحركات وفصائل تتحين الفرص للانقضاض على بعضها البعض.

لم تحل روسيا بعدُ مشكلة إدلب من أجل استكمال سيطرة النظام على كل سوريا، وسيتعين عليها أيضاً أن تنجح في إنتاج زعيم قوي ومقبول على نطاق واسع بدلاً من الأسد، ومن الممكن أيضاً أن تضغط روسيا على الأسد لجعله يقدم تنازلات للمعارضة، وهي خطوة رئيسة لتحقيق النصر الدبلوماسي لروسيا.

(م ش)