HRW: صفقات إعادة إعمار سوريا تفتقر إلى إطار يحمي حقوق المتضررين

حذرت هيومن رايتس ووتش من توسع إعمار سوريا دون ضمانات حقوقية، مطالبة بمشاركة المتضررين وحماية الملكيات وآليات تعويض مستقلة، وسط تعهدات دولية بمليارات الدولارات واحتياجات هائلة.

HRW: صفقات إعادة إعمار سوريا تفتقر إلى إطار يحمي حقوق المتضررين
الأحد 27 يلول, 2026   13:17
مركز الأخبار

حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من أن الحكومة الانتقالية في سوريا تمضي في توقيع صفقات لإعادة الإعمار بمليارات الدولارات، من دون وجود إطار قانوني يضمن حماية حقوق السكان المتضررين ومشاركتهم في القرارات المتعلقة بمنازلهم وأراضيهم، داعية الحكومة والمانحين والمستثمرين إلى وضع ضمانات حقوقية قبل توسيع مشاريع التعافي وإعادة البناء.

وقالت المنظمة، في تقرير صدر اليوم، إن الحكومة الانتقالية كشفت في آذار 2026 عن مخطط وطني للتعافي، أعقبته تعهدات دولية بمليارات الدولارات للمساعدات والتمويل والاستثمار، إلا أن الأطر القانونية الناظمة لإعادة الإعمار لا تلزم الحكومة أو المطورين بالتشاور مع المجتمعات المحلية المتضررة، بما فيها المناطق التي ما يزال سكانها نازحين، قبل إقرار المشاريع.

وأضافت أن آليات التعويض ينبغي أن تقوم على التفاوض، مع توفير جهة مستقلة تتيح للسكان الطعن في القرارات المتعلقة بممتلكاتهم.

وقالت هبة زيادين، المستشارة الأولى لشؤون الشرق الأوسط في المنظمة، إن عملية إعادة إعمار سوريا "تتقدم ببطء"، لكنها قد تضر بحقوق كثير من السوريين في غياب إطار حقوقي، معتبرة أن القواعد القانونية التي يجري إعدادها حالياً ستحدد "من ستُعاد بناء منازلهم، والمطالبات التي سيُعترف بها، والأصوات التي سيُستمع إليها".

وأشارت المنظمة إلى أن حجم الاحتياجات يفوق بكثير ما يجري تنفيذه، إذ قدر البنك الدولي في تشرين الأول 2025 الأضرار المادية الناجمة عن الحرب بنحو 108 مليارات دولار، فيما قدر متوسط تكاليف إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. وفي المقابل، تعهدت السعودية باستثمارات بقيمة 6.4 مليارات دولار في العقارات والبنية التحتية والاتصالات والطاقة، فيما التزمت قطر بـ 4 مليارات دولار، وحصلت "موانئ دبي العالمية" الإماراتية على امتياز لمدة 30 عاماً لتشغيل ميناء طرطوس.

كما وافق البنك الدولي على مشاريع ممولة بالمنح تتجاوز قيمتها مليار دولار، بينما تعهد الاتحاد الأوروبي بـ 620 مليون يورو للمساعدات الإنسانية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي خلال 2026 و2027.

ورغم هذه التعهدات، قالت المنظمة إن الاستثمار الفعلي ما يزال أقل بكثير من الإعلانات، بينما ترتبط عمليات الصرف المجدية من المؤسسات المالية الدولية باستكمال أطر الحوكمة والقوانين. وفي المناطق التي عاد إليها السكان، لا تزال أزمات السكن والخدمات الأساسية قائمة؛ إذ قالت المنظمة إن سكان قرية غدفة في ريف إدلب عادوا ليجدوا أنفسهم بلا مياه جارية أو شبكة كهرباء عاملة أو صرف صحي ملائم أو مدارس عاملة وخدمات طبية قريبة.

وبحسب تقرير "لجنة الإنقاذ الدولية" الذي استندت إليه المنظمة، عاد أكثر من 3.5 ملايين لاجئ ونازح سوري إلى مجتمعاتهم منذ كانون الأول 2024، لكن بعض عمليات العودة لم تكن طوعية بالكامل، نتيجة تدهور أوضاع النازحين وتوقف المساعدات وارتفاع تكاليف الإيجارات وهشاشة الوضع القانوني. وفي المقابل، لا يزال نحو 5.5 ملايين شخص نازحين داخليا، بينما لم تحصل خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لسوريا في منتصف 2026 إلا على أقل بقليل من ثلث التمويل المطلوب.

وتطرقت المنظمة إلى نزاعات الملكية، ولا سيما المشاريع المرتبطة بالمرسوم 66 ومشروعي "ماروتا سيتي" و"باسيليا سيتي" في دمشق. وقالت إن المرسوم، الصادر عام 2012، استخدم لتهجير آلاف السكان، فيما وسع القانون رقم 10 لعام 2018 النموذج نفسه على نطاق سوريا، وفرض على السكان إثبات ملكياتهم خلال مهلة قصيرة، الأمر الذي أثر بشكل خاص على النازحين. وبينما شكلت لجنة رئاسية في كانون الأول 2025 لمراجعة إجراءات المرسوم، صدرت بعض قرارات التعويض في أيار 2026، لكن الوضع القانوني للمشروعين لا يزال دون حسم.

وفي جوبر، حيث دمر نحو 95% من المباني، أفادت المنظمة بأن السكان أُبلغوا بعدم قدرتهم على إعادة البناء بمبادرات فردية، فيما يقترح مشروع مدعوم من الخارج منح مالكي المنازل وحدات جديدة تعادل 50% فقط من مساحة مساكنهم السابقة، مقابل 30% من مساحة الأراضي لسكان العشوائيات، بينما لا يحصل المستأجرون على تعويض.

ودعت "هيومن رايتس ووتش" الحكومة الانتقالية إلى ضمان مشاركة المجتمعات المتضررة في التخطيط، وحل نزاعات الملكية، وإنشاء آليات تظلم مستقلة، وإعطاء الأولوية للمياه والصرف الصحي والكهرباء والمدارس والرعاية الصحية في مناطق العودة. كما طالبت المانحين بجعل الالتزام بحقوق الإنسان شرطا لتمويل مشاريع الإعمار، وإجراء تقييمات مسبقة لآثار المشاريع على الحقوق، فيما دعت الشركات والمستثمرين إلى إجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان قبل إبرام الاتفاقات وأثناء تنفيذها.

وقالت هبة زيادين إن الأطر القانونية لإعادة إعمار سوريا ما تزال قيد الصياغة، وأضافت أن ذلك يمثل فرصة لبناء ضمانات تحمي المجتمعات المتضررة، وأن "التعافي المستدام" يتوقف على وضع هذه الضمانات موضع التنفيذ.

(م ش)