كيف غيرت "معركة واحدة" مسار الحرب في سوريا

لا حلَ نهائي حتى اللحظة للحرب والأزمة السورية التي مر على جغرافيتها مئات الفصائل العسكرية وجيوشِ عدد من دول العالم، لكن معركةٌ واحدة قلبت الموازين، وكان لها دور كبير في تخليص سوريا من أسوأ كارثة كانت قد تحصل في الحرب الدائرة.

كيف غيرت "معركة واحدة" مسار الحرب في سوريا
كيف غيرت "معركة واحدة" مسار الحرب في سوريا
كيف غيرت "معركة واحدة" مسار الحرب في سوريا
كيف غيرت "معركة واحدة" مسار الحرب في سوريا
الخميس 29 تشرين الثاني, 2018   04:40

دجلة أحمد - زانا سيدي /كوباني

لم تكن الأحداث التي تسارعت وبدقة عالية في سوريا والعراق بعد ظهور داعش إلّا طريق يفضي إلى معركةٍ طويلة الأمد، مهمة لداعش من حيث الجغرافيا ومهمة بالنسبة لتركيا في إطار قضائها على مشروع الإدارة الذاتية في شمال سوريا.

 داعش التي تغطت بعباءة الدين الإسلامي، لم تكن إلّا ذروة الفصائل والمجموعات الإرهابية التي كانت تحارب قبل عام 2013 في سوريا، خدمةً لأجندات خارجية وعلى وجه الخصوص تركيا.

يمر اليوم 4 أعوام على معركة البوابة الحدودية في كوباني، التي كانت أعنف هجوم لداعش في إطار حرب الأخير على كوباني، وكان سقوطها يعني سقوط المدينة التي استطاعت في النهاية إلحاق أولى الهزائم وأكبرها بداعش، إذ شكلت معركة المعبر مفترق طرق مصيري بالنسبة لتلك الحرب.

بحشودٍ عسكرية ضخمة استقدمها من الموصل والرقة بعد فرار الجيشين العراقي والسوري أواخر عام 2014، شد آلاف الدواعش رحالهم صوب مدينة كوباني أقصى شمال سوريا، للسيطرة عليها وبالتالي القضاء على منبع ثورة الـ19 تموز وواحدة من ثلاث مقاطعات شكلتها مكونات المناطق الشمالية.

لم يذق داعش طعم الهزيمة طيلةَ عامٍ كامل، حتى احتل 70% من مدينة كوباني، التي بدأ الهجوم عليها في الـ15 من أيلول 2014،بعد معارك شرسة مع وحدات حماية الشعب والمرأة ومحاولة داعش الأخيرة التي أراد من خلالها السيطرة على معبر مرشد بينار وبدعمٍ تركي ومحاصرة مئات المقاتلين داخل كوباني وإنهاء المعركة بالتزامن مع خطاب أردوغان الذي تسرع في قولهِ أمام مناصريه بأن "كوباني سقطت".

معركة مرشد بينار...والتخطيط التركي لها

في ظل احتلال داعش لأغلبية أحياء مدينة كوباني واشتداد المعارك في الأحياء المتبقية، كان لتركيا مخططُاً من نوع آخر، وهو استقدام عدد من مرتزقة داعش وإدخالهم من أراضيها عبر البوابة الحدودية إلى كوباني وبالتالي محاصرة آخر أحياء المدينة المتبقية.

يقول أحد أمراء داعش وهو مغربيُ الجنسية ألقت قوات سوريا الديمقراطية القبض عليه في وقت سابق ويدعى عصام الدين عدنان وهو أحد أطراف الاتفاق الذي أبرم بين الاستخبارات التركية و داعش حول الهجوم على مدينة كوباني، بأن الحكومة التركية كانت تزوّد داعش بمعلومات عن أماكن تحصن مقاتلي وحدات الحماية في كوباني، وذلك عن طريق استخدام طائرات دون طيار.

على لسان أميرٍ داعشي كيف بدت التحضيرات لمعركة المعبر؟

"عليكم إنهاء الأمر بسرعة"...بهذه الكلمات طلب الضباطُ الأتراك من أمراء داعش السيطرة الكاملة على مدينة كوباني، يقول عصام الدين بأن تركيا طلبت من أبو عمر الشيشاني آنذاك إنهاء التواجد الكردي في كوباني واستهداف البوابة الحدودية التي كان يتحصن فيها قياديون لوحدات حماية الشعب، بحسب قوله.

مضيفاً "لقد قال ضباط أتراك بأنهم يكفلون الحدود، أي بمنع أي أحد من الاقتراب مقابل على أن يتم إحضار الإنغماسيين من قبل داعش لتنفيذ عمليات انتحارية داخل  المعبر، لقد أفرغ الجيش التركي بعض القرى المحاذية لمدينة كوباني من الجانب التركي، وقاموا بقطع التيار الكهربائي عن كامل المنطقة، وذلك لتنفيذ العملية ضد مقاتلي وحدات حماية الشعب".

يأتي ذلك في ظل تصاعد وتيرة الاشتباكات على جميع المحاور في مدينة كوباني، بينما تتجهز داعش لشن هجومٍ يعتبرونه "الضربة القاضية" من جهة المعبر بتاريخ الـ29 من شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014.

يتابع عدنان حديثه بالقول "لقد قام الجيش التركي بتفقد الحدود بالقرب من كوباني ليلاً، وبرفقتهم انغماسيي داعش أو الانتحاريين، وقاموا بالعملية في ساعات الفجر، لكن كل ذلك باء بالفشل، بينما كانت الحدود التركية بالقرب من مدينة تل أبيض مفتوحة أمام جرحى داعش لتلقي العلاج في تركيا وكانت المستشفيات تعج بالقتلى".

مقاتل يصف الملحمة...المعركة انتقلت إلى الأراضي التركية ولأول مرة داعش تتراجع

من الصعب أن نجد أشخاصاً عاشوا تلك المعركة التي كان الرصاص فيه ينهمر على رؤوس المقاتلين ولا يزالون أحياءً في يومنا هذا، محمود محمد جيجان هو أحد مقاتلي وحدات حماية الشعب الذين دافعوا عن البوابة الحدودية ومنعوا سقوطها بيدِ داعش، يسرد ما عاشه هو ورفاقه ذلك اليوم.

يقول جيجان "لقد بدأوا الهجوم بتفجير عربة BMB مصفحة دخلت من الجانب التركي وبانتحاريين آخرين، لقد كان المشهد غريباً، الرصاص ينهمر علينا، كان لا بد الوصول إلى البوابة الحدودية والدفاع عنها، لقد وصل داعش إلى المعبر وأصبح الأمر خطيراً".

كان المعبر الحدودي المعروف باسم "مرشد بينار" يحتوي على نقاطٍ طبية لمعالجة المقاتلين الجرحى، بالإضافة إلى مراكز تحويهم.

سيطرة داعش على المعبر كانت تعني على الأرجح سقوط مدينة كوباني، لأنها كانت المنفذ الوحيد إلى العالم في ظل محاصرة داعش لكل الجهات الأخرى المتبقية.

وذلك ما كان يعني أن قوة المرتزقة كانت ستتضخم أكثر فأكثر في سوريا والعراق في حين لم يستطع أحد مواجهتها، لكن انتصار المعركة أعاد تغيير كل شيء حتى تغير مسار الحرب في سوريا.

يشير محمود إلى أنهم تمكنوا من دخول الأراضي التركية ومجابهة داعش بالقنابل اليدوية في مواقع متقاربة جداً، قائلاً "لقد دخلنا بعمق 200 متر إلى الأرضي التركية وتمكنا من إجبار داعش على التراجع بعد 4 ساعات من الاشتباكات العنيفة، لقد كانت المرة الأولى التي يحصل فيها ذلك، لقد هزم داعش في معركة مرشد بينار التي خططت لها مع تركيا، بعد ذلك سارعت المدرعات التركية إلى جمع جثث المرتزقة، وطلبوا منا عبر مكبرات الصوت الخروج من أراضيهم لكننا تأكدنا في البداية من أمن تلك المنطقة وخلوها من مرتزقة داعش وبعدها خرجنا".

6 آلاف قتيل...داعش وتركيا تخسران الرهان في كوباني

تبخرت آمال داعش وداعمتها تركيا في السيطرة على المعبر، وزادت النكسات يوماً بعد يوم وبدأت تعصف بمنظومة داعش الإرهابية المدعومة من عدة دول، لم تكن المعركة في كوباني كغيرها، لقد سيطر داعش بمئات المقاتلين على كبرى محافظات العراق وهي الموصل، وكذلك على الرقة ومنبج ودير الزور في سوريا، لكنها دفعت 6000 قتيل في معركة كوباني التي دامت لأكثر من 4 أشهر، وأرغمت في النهاية على التراجع لتكون أول معركة خسرها داعش.

قُلبت موازين الحرب في سوريا بعد المعركة، وبدا داعش الذي يرى العالم بأنه يشكل خطراً على الجميع ويصعب التغلب عليه، يتقهقر في شمال سوريا، إذ تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحرير  29% من مساحة سوريا من داعش، حتى انحصر ما تبقى منه في جيبه الأخير بالقرب من مدينة البوكمال التابعة لمحافظة دير الزور على الحدود السورية العراقية.

(ج)

ANHA