التضخم والبطالة يفاقمان أعباء المعيشة في سوريا ويضغطان على الأسر

يواجه السوريون ضغوطاً معيشية متزايدة بفعل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وضعف فرص العمل، وسط اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف الاحتياجات الأساسية، فيما تؤكد جهات أممية ودولية أن الفقر وانعدام الأمن الغذائي لا يزالان من أبرز التحديات أمام التعافي الاقتصادي.

التضخم والبطالة يفاقمان أعباء المعيشة في سوريا ويضغطان على الأسر
الثلاثاء 25 آب, 2026   03:55
دمشق

تحولت أعباء المعيشة اليومية في سوريا إلى تحدٍّ متزايد بالنسبة لشرائح واسعة من السكان، في ظل ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والطاقة والخدمات، بالتزامن مع محدودية فرص العمل وتراجع القدرة الشرائية، ما عمّق الفوارق الاجتماعية ودفع بعض الأسر إلى الاعتماد على عمل الأطفال أو الأعمال الهامشية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ويعكس حال أبو وليد، وهو رجل خمسيني فقد ساقه نتيجة مضاعفات مرض السكري، جانباً من هذه الضغوط؛ إذ يضطر إلى بيع علب المحارم على إحدى إشارات المرور في "اوتستراد المزة" بدمشق لتأمين الأدوية وإيجار منزله، بينما تعمل ابنته الصغيرة في بيع الخبز، ويعمل ابنه خلال العطلة الصيفية للمساهمة في تأمين نفقات الأسرة.

ويقول أبو وليد إن العمل لساعات طويلة في ظروف صعبة لا يوفر سوى دخل محدود يكاد يكفي لتأمين الدواء والطعام، مشيراً إلى غياب مؤسسات اجتماعية قادرة على تقديم الدعم الكافي للأشخاص ذوي الإعاقة والأسر الأكثر احتياجاً.

وفي حالة أخرى، تواجه أم لثلاثة أطفال فقدت زوجها خلال الحرب صعوبة في تأمين تكاليف السكن والمعيشة، وتقول أمينة عادل من دمشق، إن إيجار غرفة في مناطق المخالفات بأطراف العاصمة يبلغ نحو 15 ألف ليرة جديدة، فيما تحتاج الأسرة إلى قرابة 40 ألف ليرة جديدة لتغطية مصروفها، مقابل أجور لا تتجاوز، بحسب تقديرها، 15 ألف ليرة جديدة للعامل.

وتقول الأم إنها تفكر في دفع ابنها الأكبر، البالغ من العمر 10 سنوات، إلى سوق العمل لمساعدتها في تحمل الأعباء المالية، في ظل غياب مصدر دخل ثابت وارتفاع تكاليف المعيشة.

إلى جانب ذلك، لا يزال آلاف الموظفين السوريين بانتظار صرف رواتبهم، وفق ما ترصده وكالة أنباء هاوار من احتجاجات ووقفات مطلبية في قامشلو والحسكة والرقة ودير الزور وحلب وحماة والساحل السوري، للمطالبة بتسوية أوضاعهم وصرف مستحقاتهم، بالتزامن مع استمرار تأخر سداد قيمة الأقماح الموردة إلى مؤسسات الدولة، ما يضيف أعباءً مالية جديدة على الموظفين والمزارعين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

من جهتها، قالت الباحثة الاجتماعية سهى عبد الله، خلال زيارة أجرتها إلى سوريا، إنها لاحظت اتساع الفجوة بين الشرائح الاجتماعية وتراجع حضور الطبقة الوسطى، مشيرة إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات وغياب فرص العمل زادا من صعوبة الظروف أمام السكان، بمن فيهم السوريون العائدون إلى البلاد.

وأضافت أن كثيراً من الشباب في مناطق الغوطة الشرقية يحلمون بشراء دراجات نارية لتقليل تكاليف النقل، إلا أن أسعارها التي تصل إلى نحو 400 دولار تجعل امتلاكها خارج قدرة كثير منهم، في وقت تتفاوت فيه أسعار السلع والإيجارات بشكل كبير.

وبحسب خبير اقتصادي وأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة خاصة في دمشق، طلب عدم الكشف عن اسمه، فإن التضخم في سوريا بلغ نحو 27.5 بالمئة، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الإسكان والمياه والكهرباء والوقود والمواد الغذائية، معتبراً أن المشكلة تتجاوز التضخم النقدي إلى أزمة اقتصادية وهيكلية أوسع.

وأشار الخبير إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار أدى إلى اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف الاحتياجات الأساسية، وأن الأسر باتت تواجه صعوبة متزايدة في التكيف مع الغلاء حتى مع تقليص النفقات إلى أدنى مستوياتها.

وتظهر بيانات مركز السياسات والبحوث السوري حجم الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة؛ إذ بلغ خط الفقر المدقع للأسرة نحو 3.11 ملايين ليرة سورية شهرياً في شباط 2026، مقابل متوسط راتب الموظف العام الجامعي عند بداية خدمته بنحو 1.13 مليون ليرة، فيما بلغ متوسط راتب العامل في القطاع الخاص نحو 1.32 مليون ليرة خلال الفترة نفسها.

وعلى المستوى الدولي، قال صندوق النقد الدولي في تقييمه الأخير للاقتصاد السوري إن التضخم، الذي تباطأ إلى مستويات من خانتين خلال 2025، ارتفع مجدداً خلال 2026، متأثراً بارتفاع أسعار الواردات، ولا سيما الوقود والغذاء، إضافة إلى زيادة الطلب المحلي وارتفاع أسعار الخدمات والمرافق والسكن.

وفي الوقت نفسه، توقع الصندوق نمواً اقتصادياً قوياً خلال 2026، لكنه أكد أن الفقر لا يزال واسع الانتشار وأن التعافي متفاوت بين المناطق.

ويشير البنك الدولي إلى أن التضخم تراجع إلى 11.5 بالمئة في 2025 مقارنة بـ72.1 بالمئة في 2024، لكنه حذر من استمرار هشاشة الاقتصاد السوري، مشيراً إلى أن أي تصعيد إقليمي قد يؤثر في التجارة والاستثمار والسياحة وتوفير الكهرباء.

وفي الجانب الاجتماعي، يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من 7.2 ملايين شخص في سوريا يواجهون حالياً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما لا يتمتع سوى نحو 18 بالمئة من السكان بالأمن الغذائي، مع استمرار تأثير ارتفاع الأسعار والصدمات المناخية ومحدودية فرص العمل والخدمات على الأسر.

كما قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن البطالة تضاعفت خلال سنوات الحرب، بينما أشار إلى أن الاقتصاد السوري خسر أكثر من نصف حجمه منذ عام 2010، ما يجعل خلق فرص العمل واستعادة الإنتاج والخدمات الأساسية من أبرز شروط التعافي.

ويرى الخبير الاقتصادي أن إصلاح النظام النقدي واستبدال العملة يمكن أن يشكلا خطوة مهمة، لكن تأثيرهما سيبقى محدوداً من دون استقرار سياسي وأمني، وإعادة تنشيط الإنتاج، وخلق فرص العمل، وجذب الاستثمارات والتحويلات عبر القنوات الرسمية.

وتشير المعطيات الاقتصادية والإنسانية مجتمعة إلى أن التحدي أمام سوريا لا يقتصر على احتواء التضخم، بل يمتد إلى إعادة بناء القدرة الإنتاجية، وتحسين الأجور وفرص العمل، وضبط الأسواق، واستعادة الخدمات، بما يحد من اتساع الفقر والفجوة الاجتماعية ويعزز قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.

(أم)

ANHA