النموذج التركي للزراعة المحمية في طرطوس يثير تساؤلات حول جدواه

أثار مشروع إنشاء 50 بيتاً بلاستيكياً وفق النموذج التركي في محافظة طرطوس السورية، ضمن منحة مقدمة لوزارة الزراعة السورية، تساؤلات ومخاوف لدى مزارعين وخبراء زراعيين واقتصاديين، بشأن جدوى إدخال هذه التجربة إلى قطاع الزراعة المحمية، ومدى اختلافها عن الأساليب المعتمدة محلياً.

النموذج التركي للزراعة المحمية في طرطوس يثير تساؤلات حول جدواه
الإثنين 2 تشرين الثاني, 2026   03:50
مركز الأخبار

بدأت مديرية زراعة طرطوس أعمال تسوية الأراضي الخاصة بتنفيذ مشروع 50 بيتاً بلاستيكياً في المحافظة، مقدماً كمنحة من تركيا، وكان الطرفان قد اتفقا على موقعها.

وجاء البدء بالإجراءات بعد جولات ميدانية أجراها وفد تركي، برفقة مدير الزراعة محمد أحمد، لمعاينة مواقع لإقامة البيوت البلاستيكية التي ستُقدَّم مجاناً للمديرية.

وكان وفد تركي قد أجرى في السادس من تشرين الأول جولة في منطقة بانياس بريف طرطوس، شملت مشروع "ذهب أخضر"، ومشتل "ألماسة" المتخصص بإنتاج شتول النباتات الطبية والعطرية، ووحدة إنتاج السماد العضوي، وآليات الاستفادة من المخلفات الزراعية وإعادة استخدامها في الإنتاج.

وضم الوفد مستشار وزير الزراعة التركي محمد صغرجي، ومستشار الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا" إيلهان آيدن.

والموقع المختار حالياً تابع لأملاك الدولة قرب مدخل مدينة طرطوس، بعد جسر سوق الهال، بمحاذاة الأوتوستراد الدولي وسوق الهال الرئيسي، نظراً إلى سهولة الوصول إليه وتوافر مصدري المياه والكهرباء فيه.

وبحسب ما أعلنته وزارة الزراعة في الحكومة الانتقالية السورية، فإن المشروع يندرج ضمن منحة مقدمة من الحكومة التركية، ويهدف إلى نقل الخبرات والتجارب التركية في مجال الزراعة المحمية، وتعريف المزارعين بطرق إنشاء البيوت البلاستيكية وتشغيلها، والاستفادة من التقنيات الحديثة بما يسهم في تطوير الإنتاج الزراعي ورفع كفاءته وتحسين جودته.

النموذج التركي.. ما الجديد؟

وفي تصريح سابق لـ "سانا"، قال مدير زراعة طرطوس محمد أحمد، عن المنحة وأسباب زيارة الوفد، أن تنفيذ البيوت سيتم بإشراف خبراء أتراك وبمشاركة فنيين من مديرية الزراعة، على أن يتولى فريق متخصص من المديرية متابعة المشروع والإشراف عليه وتقييم نتائجه، قبل عرضها على المزارعين لتحديد مدى نجاح التجربة وإمكانية تعميمها في المحافظة.

لكن خبراء ومزارعين تحدثوا لوكالتنا ANHA يرون أن إدخال النموذج التركي لا يجيب، بحد ذاته، عن المشكلات الأساسية التي يعاني منها القطاع، ولا سيما أن البيوت البلاستيكية المستخدمة في سوريا تعتمد منذ عقود على تقنيات متقاربة مع النموذج التقليدي المعتمد في تركيا.

وذكر خبير زراعي ومدير إرشادية متقاعد، فضّل عدم الكشف عن اسمه، في تصريح لوكالتنا، أن الخطوة تثير علامات استفهام، مشيراً إلى أن سوريا بدأت العمل بالزراعات المحمية منذ عام 1980، وأن تركيا ليست بالضرورة أكثر تقدماً من سوريا في هذا المجال، بحسب تقييمه.

وأضاف أن المزارعين السوريين يعرفون آليات العمل ويواكبون التقنيات الزراعية الحديثة، وأن المشكلة لا تكمن أساساً في طريقة إنشاء البيوت البلاستيكية، بقدر ما ترتبط بصعوبة إيجاد أسواق لتصريف الإنتاج خارجياً، وعدم توافر التأمين الزراعي الذي يحمي المزارعين من الخسائر عند تعرض البيوت المحمية للعواصف والظروف الجوية القاسية.

وأوضح الخبير أن النموذجين السوري والتركي التقليديين متشابهان إلى حد كبير، إذ يعتمدان على بيوت بلاستيكية مفردة أو متصلة، بهياكل معدنية مغطاة بالبولي إيثيلين، مع التهوية الطبيعية والري بالتنقيط والزراعة المباشرة في التربة، وهي الآليات المستخدمة في الزراعات المحمية السورية.

المزارعون: مشكلتنا في التسويق والتكاليف لا في شكل البيوت

من جهته، سخر المزارع بدر محمد من الحديث عن التجربة التركية بوصفها نموذجاً مختلفاً، متسائلاً: "ماذا تختلف التجربة التركية عن السورية؟ هل بانحناءة القوس مثلاً؟".

وأضاف في تصريح لوكالتنا: "إذا كانت البذور المستخدمة أو المتوفرة في المنطقة متاحة للجميع، والأسمدة متاحة للجميع، والري بالتنقيط مستخدماً، حتى إن البيوت المحمية قليلة الاستهلاك للمياه، وأصبحت حساسات الحرارة والرطوبة والضوء وغيرها متاحة للجميع".

وأوضح أن المزارعين لا يعانون من تدني الإنتاج بقدر ما يعانون من صعوبات التسويق وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وعدم توافر المحروقات والكهرباء، مشيراً إلى أن سوريا لديها فائض في الإنتاج الزراعي، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لتأمين أسواق لتصريفه وتخفيف الأعباء عن المنتجين.

وحذّر محمد من أن تبدأ التجربة بتقديم بيوت مجانية، ثم يجري الترويج لاحقاً للتعاونيات الزراعية بطريقة قد تجعل المزارعين يعملون لحساب جهات أخرى، وتشتري تلك الجهات إنتاجهم بأسعار منخفضة ثم تصدره وتبيعه بالأسعار العالمية.

وتتلاقى هذه المخاوف مع ما أشار إليه الخبير الزراعي المتقاعد بشأن تجربة مزارعي الساحل السوري مع النظام السابق، ولا سيما في قطاع الحمضيات، إذ اضطر مزارعون إلى قلع أشجارهم واستبدالها بزراعات أخرى، نتيجة صعوبة تصريف المحاصيل وعدم السماح بإقامة معامل للعصائر في الساحل السوري، وفق إفادته.

وأضاف الخبير أن من بين المخاوف المطروحة مستقبلاً أن يصبح تصدير المنتجات الزراعية مرتبطاً بتجار أو شركات تركية، أو أن تُشترى المحاصيل من المزارعين السوريين ثم تُصدّر إلى الخارج على أنها منتجات تركية.

قطاع واسع ومشكلات متراكمة

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية في ضوء حجم قطاع الزراعة المحمية في الساحل السوري، ولا سيما في محافظة طرطوس التي تشكل مركزاً رئيساً لهذا النشاط، إذ تعتمد عليه عشرات آلاف العائلات كمصدر دخل ومعيشة.

وبلغ عدد البيوت المحمية المستثمرة في سوريا 175,522 بيتاً، منها 143,763 بيتاً في طرطوس، أي نحو 82 بالمئة من الإجمالي، تليها اللاذقية بـ15,719 بيتاً، وحمص بـ13,706 بيوت، وفق مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة ماهر الدج.

وتصدرت البندورة المحاصيل المزروعة ضمن البيوت المحمية بـ87,121 بيتاً، تلاها الفريز بـ18,765 بيتاً، ثم الخيار بـ17,701 بيت، فيما بلغ عدد البيوت المزروعة بالباذنجان 16,391 بيتاً، والفليفلة 15,052 بيتاً، إضافة إلى 7,614 بيتاً مخصصاً للمحاصيل الاستوائية.

وكانت وزارة الزراعة قد أشارت في تقرير سابق نشرته "سانا" مطلع العام الجاري إلى أن الزراعات المحمية في طرطوس تشغل أكثر من 30 ألف عائلة، وتغطي احتياجات السوق المحلية، فضلاً عن تحقيق فائض للتصدير.

كما قدّر مدير الزراعة آنذاك عدد البيوت المحمية في المحافظة بنحو 150 ألف بيت، تتركز بصورة رئيسة في طرطوس وبانياس.

وتواجه هذه الزراعة، بحسب بيانات وتصريحات رسمية وتقارير محلية، تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف تجهيز البيوت ومدخلات الإنتاج، وانخفاض الأسعار خلال فترات ذروة الإنتاج، وضعف التسويق الخارجي، فضلاً عن الأضرار التي تسببها العواصف والصقيع والظواهر المناخية الشديدة.

يقول المزارعون إن كلفة فلاحة الأرض تصل إلى نحو 200 ألف ليرة سورية للبيت الواحد، فيما يبلغ سعر بكرة النايلون الشفاف نحو 260 دولاراً، وتصل كلفة تجهيز بيت الباذنجان إلى نحو ستة ملايين ليرة، وبيت البندورة إلى نحو ثمانية ملايين ليرة، قبل بدء الإنتاج، بدون مصاريف تأمين الكهرباء والري.

ويشير هؤلاء في حديثهم لوكالتنا إلى أن كلفة إنشاء البيت البلاستيكي وتجهيزه للزراعة تتجاوز أربعة آلاف دولار، في حين تبقى تكاليف التشغيل والصيانة والتدفئة والري والتسويق أعباء مستمرة على المزارع طوال الموسم.

دعم التجربة التركية مقابل مطالب المزارعين

وفي وقت تُخصص فيه أرض من أملاك الدولة وتُقدم البيوت الخمسون مجاناً، مع إشراف خبراء أتراك وفنيين من مديرية الزراعة، يقول مزارعون إنهم يواجهون صعوبات في تأمين مستلزمات الإنتاج والكهرباء والمحروقات، ولا يحصلون على دعم يتناسب مع حجم الأعباء والخسائر التي يتكبدونها.

وفي المقابل، تقول وزارة الزراعة إن دعم القطاع لا يقتصر على مشروع البيوت التركية، إذ يقدم الفنيون في مديريات الزراعة الإرشاد والدعم الفني للمزارعين، كما تتيح الوحدات الإرشادية متابعة مراحل الإنتاج والاستفادة من تعويضات صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية، وفق شروط الاستحقاق.

وكانت الوزارة قد أعلنت في آذار الماضي موافقة صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية على تعويض 21 مزارعاً تضرروا جراء ظاهرة "التنين البحري" في طرطوس، بعد تضرر 66 بيتاً محمياً بمساحة إجمالية بلغت 26 دونماً، وبلغت قيمة التعويضات المقررة 738,938 ليرة سورية بالعملة الجديدة.

كما أعلنت الشركة العامة لكهرباء طرطوس في كانون الثاني الماضي إلغاء التقنين الليلي عن الخطوط المغذية للمناطق التي تضم بيوتاً زراعية محمية، بما يوفر ساعات وصل تتراوح بين 6 و10 ساعات بحسب حاجة كل منطقة، لمساعدة المزارعين على حماية محاصيلهم من موجة الصقيع.

مخاوف من إدارة الإنتاج والتصدير واستخدام المياه

من جهته، حذّر الخبير الاقتصادي علي فادا من استغلال حالة الجفاف التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم، واستخدام الساحل السوري للزراعات المحمية تحت مسميات الجمعيات التعاونية، بما قد يؤدي، وفق مخاوفه، إلى تصدير الإنتاج وحرمان السوق المحلية منه، فضلاً عن استخدام الموارد المائية السورية لإنتاج محاصيل تستفيد منها جهات أخرى.

ودعا الخبير إلى فرض رسم جديد على الصادرات الزراعية تحت مسمى "رسم المياه"، بهدف احتساب قيمة المياه النظيفة المستخدمة في ري الخضار والفواكه التي تُصدّر إلى الخارج، باعتبار المياه مورداً عاماً ينبغي مراعاة كلفة استخدامه عند تصدير المنتجات الزراعية.

(أم)

ANHA