مـــن البــنــدقــيــة إلـــى طــاولــة الــحــل: لــمــاذا لا يـجــوز اخــتــزال تـــاريـــخ الــســلام؟- كمال عاكف

مـــن البــنــدقــيــة إلـــى طــاولــة الــحــل: لــمــاذا لا يـجــوز اخــتــزال تـــاريـــخ الــســلام؟- كمال عاكف
الأحد 9 آب, 2026   02:30

مع اقتراب مشروع السلام في تركيا من مرحلة تاريخية جديدة، ومع قرار حزب العمال الكردستاني حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح استجابةً لدعوة القائد عبد الله أوجلان، بدأت تظهر روايات زائفة خدمةً لأهداف الحرب الخاصة تسعى لاختزال عقود من الصراع في جملة واحدة: "كان السلاح هو العائق أمام السلام، وعندما تخلت الحركة عنه أصبح الحل ممكناً". قد تبدو هذه الرواية لو تحدثنا مجازاً بأنها منطقية للوهلة الأولى، لأن السلام في النهاية يحتاج إلى إنهاء الحرب، لكن المشكلة ليست في النتيجة، وإنما في محاولة تفسير الطريق كله من خلال لحظته الأخيرة. فهناك فرق كبير بين القول إن استمرار الحرب لم يعد يخدم الحل السياسي، ولذلك أصبح التخلي عن السلاح ضرورياً للانتقال إلى مرحلة السلام، وبين القول إن السلاح كان منذ البداية مجرد عائق، وإن وجوده لم يكن له أي دور في تغيير موازين القوة وفرض القضية الكردية على الأجندة السياسية للدولة التركية. الأولى قراءة سياسية واقعية، أما الثانية فهي محاولة لإعادة كتابة تاريخ طويل من الصراع انطلاقاً من نهايته.

لا يمكن فهم قرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه وترك السلاح من دون فهم المرحلة التي سبقت هذا القرار، كما لا يمكن فهم الوزن السياسي الذي يمتلكه القائد أوجلان اليوم في دفع الحركة نحو السلام من دون فهم التاريخ الذي صنع هذا الوزن. فالسلاح الذي ينظر إليه البعض اليوم على أنه مجرد عقبة أمام السلام لم يكن يؤدي الوظيفة نفسها في جميع مراحل الصراع. في مرحلة معينة كان أداة للدفاع المشروع، وفي مرحلة أخرى أصبح جزءاً من ميزان القوة الذي جعل القضية مستحيلة التجاهل، واليوم، مع تغير الظروف ووصول الأطراف إلى قناعة بأن الحل السياسي أصبح أكثر واقعية من استمرار الحرب، أصبح التخلي عنه جزءاً من الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة السياسة.

وهذه نقطة جوهرية يغفلها كثيرون عندما يختصرون القصة ب القول: "كان هناك سلاح، ولذلك لم يكن هناك سلام، وعندما ذهب السلاح بدأ السلام". التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. فالسلاح لم يكن العامل الوحيد في استمرار الصراع، كما أن التخلي عنه لم يكن وحده ما فتح الطريق أمام السلام. لقد كان أحد عناصر صراع طويل غيّر ميزان القوة، وأعاد تشكيل حسابات الدولة والحركة معاً، وجعل القضية الكردية جزءاً ثابتاً من الحسابات السياسية والأمنية في تركيا لعقود. مع العلم ساهم القائد أوجلان مرات عدة وقف إطلاق النار لتهيئة الأرضية للسلام. ووصلت لمراحل جدية فترة حكم تورغوت أوزال الذي أُغتيل في مشهد معقد معروف السبب والذي يمكن في سعيه نحو تحقيق السلام حسب تقديره بأنه من ضرورات واحتياجات المرحلة.

لذا لو كان السلاح وحده هو المشكلة، لكان القضاء على القوة المسلحة كافياً لإنهاء القضية. لكن التاريخ أثبت أن الأمر لم يكن بهذه البساطة. فقد استمرت القضية رغم الجولات العسكرية والأمنية، واستمرت الأسئلة المتعلقة بالهوية والحقوق والديمقراطية والمواطنة، واستمر حضور المسألة الكردية في الحياة السياسية التركية. ومع مرور الوقت أصبح السؤال يتجاوز فكرة "كيف ننهي تنظيماً مسلحاً؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف ننهي صراعاً له جذور سياسية واجتماعية وتاريخية من دون أن نعيد إنتاجه في صورة أخرى؟

وهنا تحديداً تبدأ السياسة.

إن القوة لا تعني بالضرورة الانتصار العسكري. أحياناً تكون القوة في القدرة على منع الطرف الآخر من تحقيق نصر حاسم، وأحياناً تكون في جعل استمرار الصراع مكلفاً بما يكفي لكي يصبح التفاوض خياراً أكثر عقلانية، وأحياناً تكون في أن يصبح وجود القضية نفسها أمراً لا يستطيع الطرف الآخر تجاوزه. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الدور التاريخي للكفاح المسلح من دون تمجيده ومن دون إنكار أثره.

ليس المطلوب أن نقول إن الحرب كانت حلاً مثالياً، ولا أن نزعم أن السلاح وحده هو الذي صنع التحول، ولكن من غير المنطقي أيضاً أن نقول إن الكفاح المسلح لم ينتج سوى تعطيل السلام. فلو لم تكن هناك قوة قادرة على الاستمرار، ولو لم يتحول الصراع إلى واقع سياسي وأمني طويل الأمد، لكان من الممكن أن تبقى القضية في هامش الحسابات السياسية أو أن يجري التعامل معها بوصفها مجرد مسألة أمنية قابلة للحسم بالقوة. لكن ما حدث تاريخياً هو أن القضية أصبحت أكبر من أن تختزل في السلاح نفسه.

وهنا تظهر أهمية القائد عبد الله أوجلان بصورة لا يمكن فصلها عن تاريخ الحركة التي أسسها. فالقائد لا يدخل مشروع السلام اليوم من موقع المراقب خارج الصراع، بل بوصفه الشخصية التاريخية التي ارتبط اسمها بتأسيس حزب العمال الكردستاني وبالصراع الذي استمر لعقود. ولهذا فإن دعوة القائد إلى إنهاء الكفاح المسلح وحل الحزب ليست مبادرة سياسية عابرة؛ إنها محاولة لتحويل الموقع التاريخي الذي بُني خلال سنوات الصراع إلى قوة تدفع نحو إنهائه.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: إن الوزن الذي يمتلكه القائد أوجلان اليوم في صناعة السلام هو، في جزء منه، نتاج التاريخ الذي صنعته الحركة التي قادها. فلو كانت الحركة ضعيفة وهامشية، لما كان لنداء القائد عبد الله أوجلان هذا التأثير. ولو لم تتحول القضية إلى واقع سياسي وأمني طويل الأمد، لما أصبحت دعوة القائد إلى إنهاء الصراع حدثاً بهذه الأهمية.

لذلك فإن القول إن "السلاح كان عائقاً أمام السلام"، يحتاج إلى تصحيح. نعم، يمكن أن يصبح استمرار السلاح عائقاً عندما تنضج الظروف السياسية ويصبح الانتقال إلى الحل ممكناً. لكن هذا لا يلغي أن وجود قوة قادرة على الاستمرار كان في مراحل سابقة أحد عناصر ميزان القوة الذي منع القضية من أن تُدفن تحت عنوان أمني فقط. فالأداة التي تكون مناسبة لمرحلة من الصراع قد تصبح غير مناسبة لمرحلة أخرى. وهذا ما يحدث الآن: ما كان في مرحلة ما وسيلة للمواجهة أصبح في المرحلة الراهنة شيئاً يجب تجاوزه حتى تتحول القوة من المجال العسكري إلى المجال السياسي.

ومن هنا يجب ألا نخلط بين إنهاء السلاح وإنكار دوره التاريخي. يمكن أن نؤيد السلام ونرحب بإنهاء الحرب، وفي الوقت نفسه نرفض تزوير التاريخ. ويمكن أن نرى التخلي عن السلاح خطوة ضرورية للمستقبل، من دون أن نقول إن السلاح لم يكن أحد العوامل التي فرضت القضية على طاولة السياسة.

والأهم أن نهاية السلاح لا تعني نهاية القضية. فإذا انتهت البنادق ولم تبدأ السياسة، فإن ما تحقق لن يكون سلاماً مستداماً، بل مجرد فراغ قد يعيد إنتاج الأزمة. أما إذا تحول إنهاء الكفاح المسلح إلى بداية لمسار ديمقراطي وقانوني يعالج جذور الصراع، فإن التخلي عنه يصبح انتقالاً تاريخياً حقيقياً: من القوة المسلحة إلى القوة السياسية، ومن الصراع إلى التفاوض، ومن منطق الغلبة إلى منطق الحل.

ولهذا يجب ألا يتحول السلام إلى رواية استسلام. لا ينبغي أن يُقال إن الكرد تخلوا عن السلاح ولذلك انتصرت الدولة، كما لا ينبغي أن يُقال إن الدولة قبلت بالحل ولذلك انتصرت الحركة الكردية. السلام الذي يعيش لا يقوم على إذلال طرف أو إلغاء روايته، وإنما يقوم على اكتشاف الطرفين أن استمرار الحرب لم يعد قادراً على إنتاج ما تستطيع السياسة إنتاجه.

إذا كان هناك درس أساسي يمكن استخلاصه من التجارب السابقة، فهو أن السلام لا يُبنى بمجرد إعلان نهاية الحرب، وإنما يحتاج إلى معالجة الأسباب السياسية التي جعلت الحرب ممكنة في الأصل. وهنا تصبح مسؤولية الطرفين أكبر. على الحركة الكردية أن تثبت أن الانتقال من القوة المسلحة إلى القوة السياسية ليس مجرد مناورة مؤقتة، بل تحول استراتيجي حقيقي. وعلى الدولة التركية أن تثبت في المقابل أن مطالبتها بإنهاء السلاح ليست مجرد مطالبة أمنية، وإنما جزء من مشروع سياسي قادر على معالجة جذور الصراع وبناء الثقة وتوفير ضمانات حقيقية للمرحلة الجديدة.

وهنا تحديداً يمكن فهم رؤية القائد عبد الله أوجلان في المرحلة الحالية. إنهاء الكفاح المسلح لا يعني بالضرورة إنهاء القضية السياسية، وإنما يمكن أن يعني تحرير القضية من أسر السلاح. فعندما تكون القضية مرتبطة بالسلاح، يستطيع خصومها دائماً أن يضعوها في خانة الأمن والصراع العسكري، لكن عندما ينتهي السلاح يبقى السؤال السياسي عارياً أمام الجميع: ما الحقوق؟ ما شكل الديمقراطية؟ ما ضمانات المساواة؟ ما مستقبل الهوية الكردية؟ ما موقع الكرد داخل الدولة؟ وما الضمانات التي تمنع العودة إلى الصراع؟

عند هذه النقطة تصبح السياسة أكثر قوة من البندقية، ليس لأنها أقوى منها عسكرياً، بل لأنها تضع القضية أمام المجتمع والدولة والقانون والمؤسسات، وتحول الصراع من مواجهة صفرية إلى عملية تفاوض على مستقبل مشترك.

ولهذا فإن الخوف الحقيقي لا ينبغي أن يكون من نهاية السلاح، بل من أن تنتهي الأسلحة من دون أن تبدأ السياسة. فهذه هي اللحظة التي يجب أن يُختبر فيها مشروع السلام فعلاً.

وهنا أيضاً سيكون الاختبار الحقيقي لمشروع القائد عبد الله أوجلان. فقد استطاع القائد أن يدفع الحركة نحو قرار تاريخي بإنهاء الكفاح المسلح، لكن نجاح هذه الخطوة لن يتحدد فقط بما يحدث للسلاح، وإنما بما يحدث بعد السلاح. هل ستفتح مرحلة جديدة أمام السياسة؟ هل ستتوسع مساحة الديمقراطية؟ هل ستُبنى الثقة؟ هل ستتم معالجة القضايا التي أنتجت الصراع؟ وهل تستطيع تركيا أن تنتقل من إدارة المسألة الكردية بمنطق أمني إلى التعامل معها بمنطق سياسي وديمقراطي؟

إذا حدث ذلك، فإن قرار القائد عبد الله أوجلان لن يكون مجرد قرار بإنهاء حرب، بل سيكون محاولة لإعادة تعريف معنى القوة نفسها. فالقوة التي كانت تُقاس في مرحلة ما بقدرة الحركة على الاستمرار في المواجهة يمكن أن تُقاس في المرحلة الجديدة بقدرتها على بناء السياسة وتحقيق الحقوق من خلال المؤسسات. وهذه ليست هزيمة للقضية، بل يمكن أن تكون فرصة لتحريرها من عبء السلاح ووضعها أمام اختبار السياسة والديمقراطية مباشرة.

لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل كان السلاح جيداً أم سيئاً؟ فهذا سؤال أخلاقي وسياسي واسع لا يفسر وحده مسار التاريخ. السؤال الأهم هو: ما الدور الذي لعبه السلاح في كل مرحلة، ولماذا أصبح التخلي عنه ممكناً وضرورياً الآن؟ والجواب الأكثر واقعية هو أن السلاح لم يصنع السلام وحده، لكنه كان جزءاً من صراع صنع ميزان قوة جعل القضية مستحيلة التجاهل، ثم جاءت لحظة أصبح فيها استمرار السلاح أقل فائدة من تحويل ذلك الرصيد إلى قوة سياسية.

وهنا بالضبط يجب أن نفهم خطوة القائد أوجلان وحزب العمال الكردستاني. إنها ليست بالضرورة اعترافاً بأن القضية كانت خطأ، وليست بالضرورة استسلاماً أمام الدولة، بل يمكن قراءتها بوصفها انتقالاً من مرحلة إلى أخرى: من مرحلة كان فيها السلاح إحدى لغات الصراع، إلى مرحلة يجب أن تصبح فيها السياسة لغة المطالبة والحقوق والحل.

وإذا كان السلاح قد ساهم في جعل القضية مستحيلة التجاهل، فإن السياسة هي التي يجب أن تجعل الحقوق مستحيلة الإنكار.

هذه هي المعادلة التي ستحدد نجاح السلام.

فالمعيار الحقيقي ليس عدد الأسلحة التي ستختفي، ولا عدد البيانات التي ستصدر، وإنما ما إذا كان اختفاء السلاح سيخلق مساحة أوسع للحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة والعيش المشترك.

وعندها فقط يمكن القول إن التاريخ لم ينتقل من حرب إلى صمت، وإنما انتقل من لغة السلاح إلى لغة السياسة.

فالسؤال لم يعد: من انتصر في الحرب؟

السؤال؛ الذي سيحقق المستقبل الديمقراطي هو: من يستطيع أن يصنع السلام؟