الأزمة السورية وآفاق الحل بين التطلعات والعقبات – تيسير الألوسي

الأزمة السورية وآفاق الحل بين التطلعات والعقبات – تيسير الألوسي
الثلاثاء 25 تشرين الثاني, 2025   05:35

لم تبدأ الأزمة بالأمس، فهي رفيق مسار عقود من التراكمات وصلت قمتها عندما صودرت الثورة السورية (السلمية)، عبر عسكرتها باختراقها بوساطة الميليشيات الإسلاموية المسلحة، وهي يقينا مجموعات إرهابية متشددة ليس لديها سوى اندفاعات انتحارية تتسق وخطاب الكراهية والعنف الذي تحمله ومنطق التشدد والتطرف الذي انتهجته..

ومنذها بدأت عقبات كأداء بمستوى بنيوي جابهته الثورة ومجموع قوى المعارضة التي حملت البديل الديموقراطي وآمنت بفرص تحقيقه سلميا.. إلا أن الأمور لم تنتهِ هناك بل دخلت نفقا جديدا بمتغير السلطة الذي برهن مع الأيام أنه لم يكن التغيير المنشود لخلل هيكلي أفضى من جهة لنزع سلاح الدولة واستبداله بسلاح الميليشيا\ السلطة أو التي صارت سلطة دمشق الرسمية منذ مغادرة رمز النظام السابق وتفكك قوى السلطة الرسمية المفككة بالأصل الغارقة في فسادها وعنفها الأهوج..

إن طريقة استبدال رأس السلطة بالطريقة التي شهدتها سوريا لم يكن الخاتمة التي يمكن قراءتها بسطحية الأمور على أساس أن الميليشيا قد احتلت الكرسي وعلى طريق أخذناها بالرصاص ولن نسلمها إلا به ولكنها نقطة مفصلية بتاريخها كان يمكن أن تأخذ تحولات سلمية نحو بناء البديل الديموقراطي بمرحلة انتقالية مناسبة.. إلا أننا شهدنا وما زلنا نشهد تداعيات انتقال السلطة حيث توحشت كما دأبت قوى الإرهاب على الشعب ومكوناته فكانت مذابح الساحل والسويداء والتهديدات والهجمات التي تحاول النيل من شمال وشرق سوريا على أساس محاولات إخضاع تلك المكونات للأمر الواقع بنهج ثأري انتقامي لا يعبر عن وجود دولة ولا عن سلامة ما تتضمنه التصريحات في خطى التمكن من تسلم زمام الأمور عبر تقسيم الشعب مرة وعبر إطلاق العنان للعناصر السوداوية المتشددة المتطرفة لتنهض بمهام العصا الغليظة مع بقاء العناصر التي تسلمت السلطة بمنطقة أما من الضعف والهشاشة بمكان أو كما تشي الأحداث للتغطية على النهج حتى يتم السطو ليس على دمشق التي مازالت قلقة من مذابح القيم المدنية بل وكل سوريا بأقسامها كافة..

لكن بجميع الأحوال تبقى سلمية مناهج قوى التنوير والتغيير هي مناهج سلمية الأداء وتتمسك ببرامجها في التصدي للتخريب الكارثي الذي نال من سوريا وشعبها.. ولهذا فإن عملية السلام الجارية هي ضرورة وهي خيار لكنها تجابه عنفا مفرطا يقع بكلكله على مكونات الشعب بصورة من التمييز المقصود منه الإطاحة بأية فرصة لوحدة قوى التنوير والتغيير والتدرج في السطو على المشهد برمته..

مع الإشارة الثابتة إلى أن عوامل الصراع الدولية والإقليمية تستمر بأدوارها المتناقضة في دفع المشهد وعمليته باتجاهات ليست بالضرورة كما تريده قوى الشعب..

ويبقى لهذه القوى أن تواصل التمسك بمبادئها والعمل لوقف مظاهر إخراج مقاليد الأمور من بيني أيديها سواء بالحظر أم بالعنف التصفوي أم بفروض خطاب ظلامي على المجتمع يحاول تحييد أوسع جمهور وعزله عن قيادته العلمانية الديموقراطية.. إنما تستطيع تلك القوى بوحدتها والمسارعة لعقد مؤتمراتها الشعبية واستثمار القوى المتاحة لها في إعادة التوازن ومنع سطوة طرف ظلامي على الأجواء..

إن إلقاء عنب القوى الديموقراطية في سلة عملية تُقاد ليس من سلطة الأمر الواقع فقط بل من يقف وراءها إقليميا أمر فيه تسرع وخطل في الأداء وينبغي استمرار الكفاح وإن احتاج إلى آليات عمل ميدانية مختلفة عن الأمس بعد كل تلك المتغيرات وعليه أجد على سبيل المثال أن توقيع قسد وقيادتها على الاتفاق المعروف ومن ثم المناورة بشأن تنفيذه على وفق المستجدات وطابع المتغيرات هو حتما نهج مطلوب يحتفظ بمصادر قوة القرار ومنع التراجع عن مكتسبات الثورة بخاصة هنا في شرق وشمال سوريا (كوردستان)..

ولعل تشكيل مجالس مكوناتية خطوة جوهرية بخاصة مع إعلانها التمسك بسوريتها وبتوجهها للتنسيق وتوحيد الجهود بمنطلقات بنيوية وطنية لا انقسام فيها..

وانتقالا للدور المحدد لتركيا إقليميا أجد أنها ستكون قوة مناسبة إذا ما وقفت بحدود خلق توازنات بمجابهة قوى إقليمية أخرى استباحت الأوضاع بمحالة منفردة في تصفية سلاح بل تركيبة الجيش السوري بالإشارة إلى إسرائيل لكن ذلك كي لا يتحول إلى استباحة مختلة التوازن يتطلب وجودا عربيا قويا ومكثفا وفاعلا وهو ما تعيه دول إقليمية مهمة كالسعودية والإمارات ومثلما تشتغل به بهدوء مصر.. وأذكر أن لكل هذه الأسماء المهمة أذرعها ووسائلها في العمل..

ما يعنيني في إجابة وجه من أوجه التساؤلات التي وردتني للتو أن مجموع القوى الإقليمية لا يمكنها أن تلعب دورها إيجابا من دون مؤتمر إقليمي برعاية أممية يساعد دمشق على التخلي عن محاولات الإنفراد بالسلطة بطريقة ستنهي فرص السلام مستقبلا إذا ما تمكنت من ولوج الاتجاه حتى خواتيمه..

والبديل عدا ما كنت مررت به أن قيادات قوى التنوير والتغيير السورية هي المعنية برسم برامج العمل بصورة مشتركة مهما كانت العقبات فالوحدة ركن أساس لاستمرار سوريا دولة موحدة وبهويتها التاريخية مع جديد التغيير الذي يحترم مكونات الشعب بمناهج إنسانية تقر للجميع حقوقهم وحرياتهم بسلامة وكمال..

من جهة أدوار مثقفينا في سوريا بتعدد هوياتهم القومية والدينية والفكرية السياسية فإنه سيبقى الدور الحاسم في صنع الوعي بالروح الوطني وبالهوية وبالنهج العلماني الديموقراطي وهو طريق السلام الوحيد ومن دونه سيجري لسوريا ما جرى لبلدان المنطقة وإن ببعض تفاصيل مغايرة لكن بمشكلات معضلة أكثر خطرا على سوريا والمنطقة برمتها..

إنني أجد أن الشعب السوري يمتلك وعيا كبيرا بمجريات ما يدور حوله ولطالما برهن في تاريخه على معطيات ذلك الوعي ومن ثم فرسالتي تقف عند أعتاب التوكيد على تمسكه بالوحدة والهوية السورية وعلى إعلاء الإخاء القومي والديني بكامل الحقوق والحريات لكل مكون وإقليم وما يحمل من هوية إنسانية وطابع البصمة الخاصة به..

إن القضية السورية اليوم قد دخلت منطقة كثيرة التعقيد والضبابية لكن مشاعل التنوير الكاشفة موجودة في قوى الشعب الحية بكل مكوناتها التي ينبغي أن يكون مسارها عبر نظام بديل نوعيا لا يكرر ما عانى منه الشعب طوال أكثر من نصف قرن..

جدير بالذكر أن أؤكد أن دور مشاعل القوى الكردية بخاصة مع مشروع اتفاق السلام في ضوء مبادرة السيد أوجلان وهي مبادرة لا تقف عند حدود تركيا لكنها تعمل للارتقاء بالدور التركي إقليميا بما يتجه نحو الاستقرار وإشاعة والسلام.. وإذا ما تفاعلت القيادة التركية مع المبادرة بخطوات جديدة أخرى تحمل النهج الذي جاءت به المبادرة من أجل السلام فإن إشاراتي السابقة تتأكد بشأن المسار الصحيح المؤمل من جميع الأطراف

وتحية لجميع القوى باختلاف وحتى خلافاتها لكنها التي تؤمن بمبدأ السير سلميا بالنهج وبكبح جماح العنف والقسر وفتح آفاق الحوار بالاستناد إلى حركة شعبية متماسكة تحمل مشاعل عدم التسليم لمنطق التشدد والتطرف والعمل من أجل السلام في سوريا والمنطقة برمتها.