من وجع تموز إلى لوحات "وفا".. كريستينا الشبلي تحوّل الألم إلى ذاكرة وفن

منذ طفولتها، رافقها الرسم كمساحة للتعبير ونافذة تطل من خلالها على عالم مختلف. كريستينا الشبلي، فنانة تشكيلية بدأت علاقتها بالفن في سن مبكرة، واستمرت في تطوير شغفها وصولاً إلى المرحلة الجامعية، رغم اختلاف البيئة التي نشأت فيها عن واقع الأطفال اليوم، بحسب وصفها.

من وجع تموز إلى لوحات "وفا".. كريستينا الشبلي تحوّل الألم إلى ذاكرة وفن
السبت 19 يلول, 2026   05:00
السويداء

كريستينا الشبلي، فنانة تشكيلية من مواليد عام 1993، بدأت علاقتها بالفن في سن مبكرة، في وقت لم يكن جيلها محاطاً بوسائل الترفيه والدعم المتاحة للمواهب اليوم، بل كان الاعتماد على الذات هو السمة الأبرز، إلى جانب التشجيع الذي كانت تتلقاه من أهلها للاستمرار.

لم تتمكن كريستينا من الالتحاق بكلية الفنون الجميلة خلال حديثها إلى وكالتنا، وتشير إلى أن ظروف القبول في ذلك الوقت كانت صعبة، فاختارت دراسة الفنون التطبيقية، وبعد عامين من التخرج بدأت العمل في مجال التدريس داخل المدارس. ورغم ذلك، بقي حلمها الفني حاضراً، إلا أنها لم تشعر بأنها حققت هدفها بالشكل الذي كانت تطمح إليه.

لكن أحداث تموز عام 2025 شكّلت نقطة تحول قاسية في حياتها. المشاهد التي رافقت أحداث القتل والدمار والتهجير في محافظة السويداء تركت أثراً عميقاً فيها على حد تعبيرها، ودخلت على إثرها في حالة من الانهيار النفسي والعزلة، ولزمت فراشها لفترة، قبل أن يتحول الألم إلى دافع للنهوض من جديد.

أرادت كريستينا أن توثق ما جرى لسكان محافظتها، وأن تسلط الضوء على الضحايا من خلال الفن، فبدأت بتجسيد صورهم في لوحاتها، معتبرة أن الرسم وسيلة لحفظ الذاكرة وإبقاء أرواحهم حاضرة.

تقول كريستينا إنها كانت حاضرة في تفاصيل تلك الأيام، مع كل قذيفة ورصاصة وصوت صراخ، وإن تجسيد تلك المشاهد والشخصيات في لوحاتها لم يكن أمراً سهلاً. وكانت البداية مع لوحة شاب قتل خلال أحداث تموز ويدعى عصام عزام، لتفتح هذه اللوحة الباب أمام مرحلة جديدة في تجربتها الفنية، إذ بدأت تصلها طلبات من ذوي الضحايا لتجسيد أبنائهم وذويهم في لوحات فنية.

ومن هذه الفكرة ولدت فعالية وحملة "وفا"، التي أرادتها كريستينا مساحة للوقوف إلى جانب أهالي الضحايا وأمهاتهم، وتحويل الوجع إلى فعل يحمل معنى الوفاء. وتوالت حملات "وفا" الأولى والثانية والثالثة، فيما خصصت حملتها الثالثة في 15 تموز لإحياء الذكرى السنوية للضحايا واستحضار ذكراهم من خلال الفن.

اختارت كريستينا الرصاص والفحم ليكونا الأقرب إلى إحساسها في رسم البورتريه، ورأت أن اللون الحقيقي الذي يرافق هذه الوجوه هو اللون الذي يعكس الألم كما عاشته، بعيداً عن الألوان التي قد تخفف من قسوة المشهد.

وتروي أن رسم هذه الوجوه كان تجربة شديدة التأثير عليها، إذ كانت دموعها تنهمر فوق اللوحات أثناء العمل. بالنسبة إليها، لم تكن تلك الأعمال مجرد صور مرسومة بالفحم، بل كانت تشعر بأن أرواح أصحابها تنبض من داخل اللوحة، وأنها تستعيد شيئاً من حياتهم وذكراهم عبر كل تفصيل ترسمه.

واليوم، خصصت كريستينا مكاناً يشبهها ويمنحها نبضاً جديداً، وهو مرسم "مس كوكي"، الذي تسعى من خلاله إلى نقل تجربتها إلى جيل جديد من الأطفال والمواهب.

ويستهدف المرسم بشكل خاص الأطفال الذين شهدوا الحرب والقتل والدمار، ليكون مساحة آمنة يفرغون فيها طاقاتهم ومشاعرهم عبر الفن، ويساعدهم على استعادة الأمل والإحساس بالحياة. كما تعمل كريستينا على استقطاب المواهب الصغيرة، أملاً في أن يكون لبعضها مستقبلاً واسم لامع في عالم الفن.

وتتحدث كريستينا عن إحدى طالباتها، سارة، التي رسمت لوحة لها مستوحاة من صورة تعود إلى جيل الثمانينيات، في محاولة لمنح الصورة روحاً ومعنى جديدين، وهو ما تعدّه كريستينا مثالاً على قدرة الأطفال على التعبير عن مشاعرهم من خلال الفن.

وتختتم كريستينا حديثها بالتأكيد على أن أهلها كانوا مصدر الضوء في مسيرتها، وأنها استطاعت، رغم الوجع الذي عاشته وعاشوه، أن تحول هذا الألم إلى أثر وبصمة في محافظتها، وأن تجعل من الفن وسيلة للوفاء والذاكرة والأمل.

وفي مرسم "مس كوكي"، كان لنا لقاء مع الطفلة نايا غانم، إحدى طالبات كريستينا الشبلي، والمهجرة من بلدة ولغا. تقول نايا إن الوجع لم يكن سبباً للاستسلام، بل دفعها إلى التمسك بموهبتها، مؤكدة أن الرسم والفن، إلى جانب دعم معلمتها كريستينا، ساعداها على تجاوز جزء من الألم وتنمية موهبتها.

وبدموع تستذكر نايا تفاصيل المأساة التي عاشتها، لكنها تجد في الريشة والألوان واللوحة طريقاً آخر للحياة. فالفن بالنسبة إليها لم يعد مجرد هواية، بل أصبح وسيلة للنجاة، ومساحة للنهوض من الألم نحو أمل جديد.

هكذا تحاول كريستينا الشبلي أن تجعل من تجربتها الشخصية جسراً يعبر عليه الأطفال من ذاكرة الحرب إلى مساحة أكثر أمناً، ومن الوجع إلى الإبداع، ومن فقدان الأحبة إلى حفظ ذكراهم، مؤكدة أن الريشة قد تكون، في أقسى الظروف، وسيلة لإعادة بناء ما هدمه الألم.

(ي م)

ANHA