ارتفاع المحروقات والجمركة يفاقمان المعيشة في سوريا

تتسع الفجوة بين دخل الأسر السورية وتكاليف احتياجاتها الأساسية، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات والمواد الغذائية وأجور النقل، ما أدى إلى تراجع حاد في القدرة الشرائية ودفع العديد من العائلات إلى الاعتماد على الحوالات الخارجية أو المساعدات أو الاستدانة لتأمين احتياجاتها اليومية، وسط غياب حلول تخفف من الأعباء المعيشية المتزايدة.

ارتفاع المحروقات والجمركة يفاقمان المعيشة في سوريا
ارتفاع المحروقات والجمركة يفاقمان المعيشة في سوريا
ارتفاع المحروقات والجمركة يفاقمان المعيشة في سوريا
ارتفاع المحروقات والجمركة يفاقمان المعيشة في سوريا
السبت 19 يلول, 2026   07:35
قامشلو
ريناس رمو

يعاني الوضع المعيشي في سوريا من تفاقم حاد واستمرار للأزمات الاقتصادية، وسط تراجع كبير في القدرة الشرائية وضعف حاد في الدخل مقابل ارتفاع أسعار المواد الأساسية، نتيجة رفع الحكومة الانتقالية السورية لأسعار المحروقات والجمركة بشكل مستمر وكان آخرها فجر 13 أيلول الجاري.

وتشهد الساحة الاقتصادية السورية تراجعاً حاداً في القدرة الشرائية للأسر، مدفوعاً بقرارات رفع أسعار المحروقات والارتفاع المتلاحق في تكاليف المعيشة، ما يعكس عمق الفجوة بين الدخل والإنفاق، ويجعل قسماً كبيراً من العائلات يعتمد على الحوالات الخارجية أو المساعدات الإنسانية.

وتواصل أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية صعودها، بالتزامن مع تذبذب سعر الصرف وضغوط تكاليف المعيشة اليومية، مثل الوقود والكهرباء، فيما تتحمل القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الطاقة والكهرباء، أعباءً مالية إضافية على المواطنين، مع تباين حركة الأسواق بين منطقة وأخرى وسط تأخير الحكومة لصرف فواتير الموسم الزراعي.

ارتفاعات متتالية لمشتقات النفط

وشهدت سوريا خلال عام 2026 ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المحروقات مقارنة بالأعوام السابقة، بلغت نسبة الارتفاع نحو 200 بالمئة، ما أثر بشكل كبير على حياة المواطنين وأثار موجة غضب.

وخلال عام 2021، كانت الإدارة الذاتية تقدم مشتقات النفط بأسعار رمزية للمواطنين وعلى ثلاث فئات، هي: مازوت خدمي كان يقدم للأفران وسيارات النقل بسعر 100 ليرة سورية، ومازوت التدفئة بسعر 250 ليرة سورية، والمازوت المستخدم للصناعة بسعر 300 ليرة سورية، والمازوت السياحي بسعر 400 ليرة، فيما كان سعر البنزين 410 ليرات سورية، والكاز 300 ليرة سورية، وأسطوانة الغاز 80 ألف ليرة سورية.

وبعدها، وخلال عام 2022، بدأت تركيا بهجمات على المنشآت الحيوية ومحطات النفط، وتم تدمير البنية التحتية في شمال وشرق سوريا، واستمرت هذه الهجمات حتى عام 2024، وبعدها استطاعت الإدارة الذاتية ترميم المنشآت الحيوية بميزانية كلفت أكثر من مليار ونصف المليار دولار أمريكي.

وحتى عام 2025، كانت الإدارة الذاتية مستمرة في تقديم مشتقات النفط بسعر تكلفة استخراجها، وبحسب لجان المحروقات، كان سعر المازوت المخصص للتدفئة حتى عام 2025 يبلغ 1100 ليرة سورية، فيما بلغ أعلى ارتفاع للمازوت السياحي 4 آلاف ليرة سورية.

وبعد أن بدأت عملية الاندماج عقب اتفاق 29 كانون الثاني وتسلم الحكومة الانتقالية جميع المنشآت النفطية عملت على رفع أسعار المحروقات بشكل متتالي.

ففي الـ 4 من أيلول الجاري، حددت الحكومة أسعار المشتقات النفطية كالتالي: بنزين أوكتان 95 بسعر 152 ليرة سورية جديدة، أي 15,200 ليرة سورية قديمة للتر، وبنزين أوكتان 90 بسعر 147 ليرة سورية جديدة، والمازوت بـ 125 ليرة، وأسطوانة الغاز المنزلي بـ1,470 ليرة سورية، وأسطوانة الغاز الصناعي بـ2,350 ليرة سورية.

وفي 13 أيلول الجاري، رفعت الحكومة الانتقالية أسعار المشتقات النفطية بشكل كبير جداً، إذ ارتفع سعر بنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة سورية جديدة للتر، أي ما يعادل 19,500 ليرة سورية قديمة، وبنزين أوكتان 90 إلى 185 ليرة سورية للتر، والمازوت إلى 175 ليرة سورية للتر، فيما بلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلي 1,600 ليرة سورية، وأسطوانة الغاز الصناعي 2,560-2,570 ليرة سورية، وطن الفيول 52 ألفاً و800 ليرة سورية.

حركة النقل تشهد ارتفاعات كبيرة

وأمام هذا الارتفاع شهد قطاع النقل تأثراً كبيراً على حركة النقل والمرور، مع ارتفاع أسعار أجور التنقل بشكل كبير.

وكانت أجرة نقل الراكب بين مدن قامشلو - ديرك وقامشلو - الحسكة وقامشلو - تل كوجر وهي المدن التي تبعد عن بعضها مسافة 97 كم، يبلغ 11 ألف ليرة سورية للراكب الواحد، ثم ارتفع إلى 15 ألف ليرة في 4 أيلول، ليصل حالياً إلى 50 ألف ليرة سورية للراكب الواحد من قامشلو إلى الحسكة أو من ديرك إلى قامشلو بعد الرفع الأخير لسعر المحروقات.

ارتفاع أسعار المواد الغذائية مقابل ثبات الرواتب

وكان معبر سيمالكا الحدودي منفذاً لأهالي المنطقة، وتدخل عبره مواد غذائية إلى المنطقة بجمركة رمزية، إلا أنه عقب استلام الحكومة الانتقالية إدارة المعبر تم رفع سعر الجمركة على المواد الغذائية.

وبحسب بشير سليمان، صاحب محل للمواد الغذائية في تربه سبيه، بلغت نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية 60 بالمئة، ما أثر بشكل كبير على الحياة المعيشية.

وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية ومشتقات النفط، ما تزال رواتب الموظفين في سوريا، وبحسب العديد من الإحصاءات، تبلغ في متوسطها 100 دولار أمريكي.

ويرى المواطنون أن الراتب لا يغطي سوى 10 % من متوسط الاحتياجات الأساسية للأسرة، ما يعني أن الراتب الشهري يكفي لثلاثة أيام فقط من الاستهلاك الفعلي.

وتنفق الأسر أضعاف دخلها الرسمي، ما يجعل الاعتماد على الحوالات الخارجية، أو العمل في وظيفتين وثلاث وظائف، أو الاستدانة المستمرة، من الوسائل التي تلجأ إليها لتأمين احتياجاتها.

كيف تعيش الأسرة في ظل الوضع الحالي؟

ويقول المواطن حمزة عليان جمعة من سكان قرى جنوب مدينة تربه سبيه: "نحن لا نعيش، بل ندير أزمة البقاء يوماً بيوم. التخطيط للمستقبل أو حتى للأسبوع القادم ترف لا نملكه. نشتري الخضار بالحبة والزيت بالأوقية، ونرتب الأولويات بالدواء والخبز فقط".

وأضاف أن ارتفاع أسعار المحروقات وتأخير صرف فواتير الموسم الزراعي دفعه إلى الاستدانة لتأمين تكاليف الغذاء والدواء والتعليم والمواصلات، وقال: "قمت باستدانة بعض النقود على أن أدفعها على فاتورة القمح، وجلبت زوجتي إلى المشفى".

من جانبه، أشار المواطن محمد ذكي مصطو من تربه سبيه إلى أن ارتفاع تعرفة النقل بشكل كبير عقب أزمة المحروقات الأخيرة والاحتجاجات التي تلتها في المحافظات، جعل كلفة ذهاب الطلاب إلى الجامعات أو المدارس تلتهم جزءاً كبيراً من الميزانية المتبقية، عدا عن الارتفاع الكبير في أجور النقل بين المدن الصغيرة والقرى، الأمر الذي كان له تأثير أيضاً على الواقع الصحي.

ركود في الأسواق وتراجع القدرة على الشراء

ويقول بشير سليمان، صاحب محل المواد الغذائية، إن الأسواق المركزية تشهد حالة من السكون، وخصوصاً بعد الارتفاع المفاجئ في سعر مادة المازوت.

وأشار إلى أن الأسر باتت تعتمد على القوت اليومي وشراء المواد الأساسية، وإلغاء مواد غذائية أخرى مثل الأرز واللحم بسبب ارتفاع الأسعار.

وأكد بشير في ختام حديثه بأن أهالي القرى يواجهون صعوبة في الوصول إلى المدن بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المواصلات وعدم قدرتهم على شراء احتياجاتهم الغذائية، الأمر الذي أثر بشكل كبير على حركة الأسواق.

(ح)

ANHA