قصّاص: سوريا تحتاج إلى نظام ديمقراطي لامركزي واسع الصلاحيات

يرى رئيس حزب الحداثة والديمقراطية لسورية أن سوريا تحتاج إلى نظام ديمقراطي لامركزي واسع الصلاحيات، يضمن المواطنة المتساوية وحقوق المكونات، ويوزع السلطة والثروة، ويمنع احتكار القرار وإعادة إنتاج الاستبداد، ويعزز مشاركة السوريين في إدارة شؤون مناطقهم ودولتهم.

قصّاص: سوريا تحتاج إلى نظام ديمقراطي لامركزي واسع الصلاحيات
الثلاثاء 15 يلول, 2026   06:46
مركز الأخبار
كيفارا شيخ نور

تطرح المرحلة الجديدة في سوريا أسئلة تتجاوز شكل الدولة إلى طبيعة النظام السياسي القادر على ضمان مشاركة السوريين في إدارة شؤونهم، وحماية حقوقهم، والحفاظ على وحدة البلاد، في ظل نقاش متزايد حول اللامركزية وتوزيع السلطة والضمانات الدستورية للمكونات.

وقال رئيس حزب الحداثة والديمقراطية لسورية، فراس قصاص، لوكالة أنباء هاوار، إن سوريا تحتاج إلى نظام ديمقراطي لامركزي واسع الصلاحيات، معتبراً أن النقاش حول شكل الدولة، سواء كانت مركزية أو لامركزية أو اتحادية، ينبغي أن ينطلق من كيفية توزيع السلطة ومنع احتكارها وضمان مشاركة المواطنين في إدارة شؤونهم.

اللامركزية وتوزيع السلطة

وأوضح قصاص أن تجربة سوريا مع المركزية الشديدة أفضت إلى تركيز القرار السياسي والإداري والاقتصادي في العاصمة، على حساب السلطات المحلية والمجتمعات وقدرتها على إدارة شؤونها، وذكر أن تجاوز هذه البنية يتطلب نقل جزء واسع وحقيقي من الصلاحيات إلى المحافظات والمناطق والبلديات المنتخبة.

وتشمل هذه الصلاحيات، وفق رؤيته، الإدارة والتنمية والخدمات والتخطيط والثقافة، إلى جانب التعليم والاقتصاد المحلي، ضمن إطار دستوري واضح يحدد اختصاصات الدولة والسلطات المحلية.

وفي المقابل، أبدى قصاص تحفظه على بناء النظام السياسي على تقسيمات قومية أو طائفية صلبة، مشيراً إلى أن ذلك قد يحوّل الانقسامات القائمة إلى حدود دائمة داخل الدولة.

وأكد أن خطاب حزب الحداثة والديمقراطية لسورية يقوم على وحدة التراب الوطني ودولة سورية واحدة، ولكن على أساس ديمقراطي ولا مركزي، بحيث تبقى السيادة العامة للدولة، فيما تمتلك المجتمعات المحلية سلطة فعلية في إدارة حياتها وشؤونها.

ويرى قصاص أن من الممكن مناقشة صيغ متعددة للامركزية بما يتناسب مع خصوصيات المناطق وحاجاتها، من دون تحويل شكل الدولة إلى مسألة مغلقة أو مرتبطة بالهوية.

اللامركزية ووحدة سوريا

ويرى قصاص أن وحدة سوريا يمكن أن تكون أكثر رسوخاً عندما يشعر السوريون، في مختلف المناطق، أن الدولة تمثلهم وأن لهم قدرة فعلية على التأثير في إدارة حياتهم ومناطقهم.

وقال إن مفهوم الوحدة القائم على تركيز القرار في العاصمة أثبت ضعفه، معتبراً أن توزيع الصلاحيات ضمن إطار دستوري واضح يمكن أن يحافظ على المجالات السيادية الكبرى، مثل الدفاع والسياسة الخارجية والجنسية والعملة والسياسة النقدية، ضمن اختصاص الدولة.

وفي المقابل، تتمتع السلطات المحلية المنتخبة بصلاحيات واسعة ومضمونة في الإدارة والتنمية والخدمات والتخطيط والشؤون المحلية والثقافية.

وأشار إلى أن هذا النموذج يحتاج إلى نظام عادل لتوزيع الموارد والثروة الوطنية، بحيث تستفيد المناطق المنتجة من مواردها بصورة عادلة، مع بقاء الموارد السيادية الكبرى ملكاً لجميع السوريين، إلى جانب آليات للتضامن بين المناطق الغنية والفقيرة.

وقال إن الوحدة، بهذا المعنى، تصبح شراكة في الدولة والموارد والقرار، ويمكن أن تتحول اللامركزية إلى إحدى ضمانات وحدة سوريا واستقرارها على المدى الطويل.

حقوق المكونات والضمانات الدستورية

وفيما يتعلق بحقوق المكونات السورية، قال قصاص إن نقطة البداية يجب أن تكون حقوق المواطنين، وألا تبقى هذه الحقوق مرتبطة بميزان القوى بين المكونات أو بحجم الجماعة التي ينتمي إليها الفرد أو بحسن نية الأغلبية الموجودة في السلطة.

وأوضح أن سوريا تحتاج إلى دستور يجعل المواطنة المتساوية أساس العلاقة بين الفرد والدولة، مع ضمان الحقوق الثقافية والقومية والدينية للمكونات، بما يشمل المساواة أمام القانون، وحرية الاعتقاد وعدم الاعتقاد، وحماية اللغات والثقافات والهويات المختلفة، وتجريم التمييز على أساس الدين أو المذهب أو القومية أو الجنس، وضمان الحق في التنظيم السياسي والثقافي والمشاركة في الحياة العامة.

وفيما يتعلق بالقضية الكردية، قال قصاص إن «القضية الكردية، على سبيل المثال، تحتاج إلى اعتراف دستوري واضح بالوجود والهوية والحقوق القومية والثقافية للكرد السوريين ضمن الدولة السورية»، مضيفاً أن بقية المكونات تحتاج أيضاً إلى ضمانات تحمي وجودها وحقوقها من تقلبات السياسة.

وفي الوقت نفسه، تحفظ على تحويل هذه الضمانات إلى نظام محاصصة دائم، معتبراً أن المحاصصة قد تجعل المواطن مرتبطاً سياسياً بطائفته أو قوميته، ودعا بدلاً من ذلك إلى الجمع بين المواطنة الفردية المتساوية والاعتراف بالحقوق الجماعية، بما يحمي اللغة والثقافة والهوية والخصوصية التاريخية للمكونات.

المؤسسات وحماية الحقوق

وأكد قصاص أن النصوص الدستورية وحدها لا تكفي لضمان الحقوق، ما لم تترافق مع مؤسسات قادرة على تطبيقها ومحاسبة من ينتهكها.

وأشار إلى أهمية حيادية ووطنية مؤسسات العنف المقونن في الدولة، وفصل أبنية السلطة عن أبنية الدولة، إلى جانب استقلال القضاء والفصل بين السلطات الثلاث، ووجود مؤسسات مستقلة لحقوق الإنسان ومكافحة التمييز ونظام إداري ومالي شفاف.

كما شدد على ضرورة وجود قوى سياسية قادرة على المراقبة والتحقيق والمعارضة، وآليات تتيح للمواطن اللجوء إلى القضاء عند انتهاك حقوقه، بما يضع حدوداً لتغول أي سلطة على المجتمع.

ودعا إلى بناء سردية وطنية تعترف بتعدد المجتمع السوري وتاريخه وثقافاته، من خلال الأنظمة التعليمية والفنية والقانونية والفضاء الرمزي للدولة، ورأى أن ذلك يساعد على بناء ذاكرة وطنية تتسع للاختلاف بدلاً من فرض رواية واحدة.

العدالة الانتقالية والمصالحة

وفي ملف الانتهاكات والمصالحة، قال قصاص إن سوريا تحتاج إلى مصالحة وطنية، لكنها تحتاج قبل ذلك ومعها إلى الحقيقة والعدالة، مشدداً على أن المجتمع الذي تعرض للقتل والتعذيب والاختفاء القسري والتهجير والانتهاكات لا يستطيع بناء استقرار حقيقي عبر مطالبة الضحايا بالنسيان.

ودعا إلى مسار شامل للعدالة الانتقالية يبدأ بكشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات والكشف عن مصير المفقودين والمختفين، وصولاً إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة عبر محاكمات عادلة، وتعويض الضحايا ورد الاعتبار إليهم، وإصلاح المؤسسات التي شاركت في الانتهاكات أو سمحت بها، ثم الوصول إلى مصالحة اجتماعية ووطنية واسعة.

وشدد على ضرورة أن تكون المسؤولية فردية وقانونية، وعدم تحميل جماعة دينية أو قومية أو منطقة أو بيئة اجتماعية مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد منها، مع التمييز بين من أمر وخطط وارتكب جرائم جسيمة، وبين من عمل في مؤسسة من مؤسسات الدولة من دون ارتكاب جريمة.

ويرى قصاص أن ضبط مسار العدالة يتطلب رفض المسؤولية الجماعية، وفي الوقت نفسه عدم منح حصانة فردية لمرتكبي الجرائم الجسيمة.

أسس نظام الحكم المقبل

وحول أسس نظام الحكم المقبل، وضع قصاص المواطنة والحقوق في مقدمة الأولويات، بحيث يكون السوري كامل الحقوق بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته أو جنسه أو منطقته، وتكون حقوق الإنسان والحريات العامة وحرية الضمير والمساواة أمام القانون قيوداً دستورية على كل سلطة وأغلبية سياسية.

وذكر أن توزيع السلطة ومنع احتكارها يشكلان أساساً ثانياً، من خلال الفصل الحقيقي بين السلطات، واستقلال القضاء، واللامركزية الواسعة، والانتخابات الدورية والتداول السلمي للسلطة، إلى جانب الرقابة المدنية والقانونية على الجيش والأجهزة الأمنية.

وقال إن المسألة لا تتعلق فقط بتغيير الأشخاص؛ لأن الاستبداد يمكن أن يعيد إنتاج نفسه بأشخاص جدد إذا بقيت بنية السلطة كما هي، مشدداً على ضرورة بناء مؤسسات قادرة على التعلم والتصحيح، ووضع السياسات على أساس المعرفة والمعلومات وقياس نتائج القرارات ومراجعتها عند ثبوت عدم فاعليتها.

وأضاف أن الديمقراطية تمنح المجتمع القدرة على تصحيح خياراته سلمياً، من دون اللجوء إلى الانقلاب أو العنف أو انهيار الدولة، وأن الانتخابات تمثل جزءاً أساسياً من هذه المنظومة، لكنها تحتاج إلى حقوق ومؤسسات ومساءلة تضمن فاعليتها.

وحدة سوريا كعقد سياسي

وفي ختام حديثه، أعاد قصاص ربط وحدة سوريا بطبيعة العقد السياسي الذي سيجمع السوريين، وقال إن "وحدة البلاد تزداد رسوخاً عندما يشعر السوريون بأنهم متساوون في ملكية دولتهم، وأن حقوقهم محمية، وأن مناطقهم شريكة في القرار والثروة، وأن تغيير السلطة ممكن من دون تغيير الدولة".

واعتبر أن وحدة سوريا، وفق هذا التصور، تصبح تعبيراً عن عقد سياسي مشترك بين مواطنين أحرار، وهي الصيغة التي يراها الأكثر قدرة على بناء دولة سورية مستقرة وقابلة للحياة.

(أم)

ANHA