صحفي: أنقرة انتقلت من إدارة الأزمة إلى صناعة النفوذ في سوريا

يرى الصحفي والباحث بيجدر ألتان أن سياسة تركيا في سوريا تحولت منذ عام 2011 إلى استراتيجية تستهدف ترسيخ نفوذ طويل الأمد، عبر توسيع حضورها العسكري والأمني والاستخباراتي والاقتصادي، والاندماج في مؤسسات الدولة، ومنع قيام كيان كردي، بما يكرس دورها لاعباً رئيساً في رسم مستقبل سوريا.

صحفي: أنقرة انتقلت من إدارة الأزمة إلى صناعة النفوذ في سوريا
الأربعاء 29 تموز, 2026   02:30
مركز الأخبار
دوغان جيهان

بعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة السورية، ومع التحولات التي شهدتها البلاد عقب تشكيل الحكومة المؤقتة، برزت تساؤلات متزايدة حول طبيعة أدوار القوى الإقليمية والدولية في سوريا، ولا سيما الدور التركي وأهدافه وتداعياته على المشهد السياسي والأمني.

وفي هذا السياق، أجرت وكالتنا لقاء مع الصحفي والباحث المتابع للشأن التركي في سوريا، بيجدر ألتان، للحديث عن تقييمه لتنامي النفوذ التركي، والأدوات التي تستخدمها أنقرة، وانعكاسات ذلك على مستقبل سوريا، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين تركيا والقوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الملف السوري.

كيف تقيّم تنامي الدور التركي في سوريا خلال هذه المرحلة؟ وما الأهداف الاستراتيجية التي تسعى أنقرة إلى تحقيقها داخل سوريا؟

الدور التركي في سوريا تطور بعد عام 2011 من سياسة قائمة على السعي لـ "تغيير النظام" إلى استراتيجية أكثر وضوحاً تقوم على الأمن والهيمنة وترسيخ نفوذ طويل الأمد.

تركيا منذ بداية الاحتجاجات السورية حددت دورها بشكل واضح، وذلك من خلال دعم جماعات متشددة مثل تنظيم داعش وغيرها، وكانت تسعى إلى الاستفادة من تلك الجماعات في بداية الأزمة، كما فتحت حدودها أمام اللاجئين، ثم نظمت بعضهم ضمن مجموعات مسلحة تخدم مشاريعها، في إطار استراتيجية تهدف إلى فرض نفوذها داخل سوريا بأدوات سورية.

الأهداف الاستراتيجية الأساسية

إن أبرز أهداف تركيا يتمثل في: منع ترسيخ أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية أو الكيان السياسي الكردي على طول الحدود السورية التركية، لأنها ترى ذلك تهديداً لـ "أمنها القومي" وتسعى إلى القضاء عليه.

الاندماج في البنية العسكرية والأمنية الجديدة لسوريا، بحيث تصبح تركيا الطرف الأكثر تأثيراً في تدريب الجيش السوري الجديد وتسليحه وصياغة عقيدته العسكرية، وكذلك بناء علاقة "شريك استراتيجي" مع السلطات الجديدة في دمشق.

إنشاء منطقة نفوذ طويلة الأمد ومنطقة عازلة عبر السيطرة الفعلية، وإحداث تغييرات ديموغرافية، وربط الاقتصاد المحلي بتركيا.

تعزيز مكانة تركيا في هرم القوة الإقليمية، بحيث تصبح اللاعب الأساسي في إعادة بناء سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وترسيخ موقعها ضمن ما يصفه بمحور "سني" يوازن النفوذ الإيراني والإسرائيلي ودول الخليج.

ما الأدوات التي تستخدمها تركيا لتعزيز نفوذها السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي في سوريا؟

تركيا، بعد سيطرتها العسكرية على جرابلس والباب وعفرين ورأس العين (سري كانيه) وتل أبيض عبر العمليات العسكرية العابرة للحدود، رسخت وجودها العسكري من خلال الفصائل المسلحة المرتبطة بها، مثل الجيش الوطني السوري وغيرها.

ويضيف أنه بعد سقوط نظام الأسد توسع هذا الوجود العسكري أكثر عبر هيئة تحرير الشام، ورغم دمج قسم كبير من هذه الفصائل شكلياً ضمن وزارة الدفاع التابعة للحكومة المؤقتة في دمشق تحت مسميات الفرق العسكرية (62 و72 و80 و86 وغيرها)، فإن تركيا، أبقت ما بين خمسة وثمانية آلاف مقاتل يشكلون "الجيش الموازي"، موزعين في معسكرات داخل أورفا وكلس وهاتاي وعنتاب، ليكونوا قوة احتياطية يمكن استخدامها مستقبلاً، سواء في مواجهة هيئة تحرير الشام أو بشكل خاص ضد الكرد.

تركيا وسعت خلال الفترة الأخيرة انتشار قواعدها ونقاطها العسكرية، من سري كانيه حتى عفرين، ثم امتد وجودها إلى حلب وحماة وحمص واللاذقية ودير الزور، حيث أنشأت قواعد دائمة ونقاط مراقبة ومراكز للتدريبات العسكرية المشتركة.

إن جهاز الاستخبارات التركي (MIT) نشر، منذ أكثر من عام، منظومات تنصّت ورادارات وأجهزة اتصالات لاسلكية وأنظمة مراقبة إلكترونية متطورة في محيط اللاذقية وجبلة، ويوجد ما بين ثلاثة أو أربعة مطارات عسكرية في محافظة حماة تُستخدم بصورة رئيسة لتشغيل الطائرات المسيّرة.

ولهذا السبب، عززت وزارة الدفاع التابعة للحكومة المؤقتة انتشار ثلاث فرق عسكرية كبيرة ومجهزة بأحدث المعدات في محافظة حماة ومحيطها.

منطقة رأس البسيط في ريف اللاذقية تضم عدداً كبيراً من المواقع التي يديرها الجانب التركي، وأن كثيراً منها أُنشئ تحت غطاء فنادق أو منشآت سياحية، بينما تتمركز داخلها عناصر من جهاز الاستخبارات التركي.

ومنذ نهاية عام 2025 بدأ جهاز الاستخبارات التركي بالعمل بصورة غير مباشرة عبر شركات تجارية وحملات اقتصادية، كما وقعت وزارة النقل والبنية التحتية التركية اتفاقاً مع الحكومة المؤقتة في سوريا لتعزيز التعاون الاقتصادي والتقني في جنوب اللاذقية، مع التركيز على تطوير البنية الرقمية وشبكات الاتصالات.

وفي بعض مناطق شمال سوريا المرتبطة بالنفوذ التركي أصبحت شبكات الهاتف والاتصالات التركية تعمل بشكل مباشر، أو تم ربط الشبكات السورية بها.

شركة "تركسل" فعّلت خدمة التجوال الدولي (Roaming) في سوريا أواخر عام 2025، وهو ما اعتبره جزءاً من التسهيلات التي يستفيد منها جهاز الاستخبارات التركي في حركة الأفراد بين البلدين.

الحكومة المؤقتة أطلقت خلال عامي 2025 و2026 مشروع SilkLink لتوسيع شبكة الألياف الضوئية وربط سوريا بالدول المجاورة، ومن بينها تركيا، وقد جرى توقيع عقود مع عدد من الشركات لتنفيذ المشروع.

وأقدمت تركيا على تركيب أنظمة مراقبة بحرية وجوية وأبراج اتصالات متطورة في منطقة رأس البسيط، وغالبية العاملين في هذه المشاريع جاؤوا من تركيا، بينما اقتصر دور السوريين الذين يجيدون التركية والإنكليزية على الجوانب التقنية.

كما إن موقعاً للدفاع الجوي في مدينة بانياس الساحلية تحول إلى موقع يضم راداراً تركياً، إضافة إلى عناصر من القوات البحرية التابعة للحكومة المؤقتة وسفن تستخدم لتسهيل الحركة البحرية، الموقع لا يحتوي على صواريخ، وإنما على منظومات رادار ومركبات متخصصة فقط، والمسؤول عن هذا الموقع هو شخص يدعى الشيخ أبو عمر من محافظة حماة، ويُعد من المقربين من وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة.

والموقع يضم عناصر من فصائل العمشات والحمزات ولواء الخطاب والفرقة 76 والفرقتين 82 و86.

كما أن تركيا ركبت منظومة الرادار HTRS-100 في مطار دمشق الدولي لمراقبة الحركة الجوية، تقول عنها أنقرة إن الهدف من المنظومة هو تعزيز سلامة الطيران المدني، إلا أن بعض المحللين الإسرائيليين يرون أنها قد تُستخدم أيضاً في جمع المعلومات المتعلقة بحركة الطائرات.

ما الهدف من تكثيف الوجود التركي في شمال وشرق سوريا؟

تركيا بعد تكثيف عملياتها العسكرية ضد مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وسعت أيضاً نشاطها الأمني والاستخباراتي في مدن منبج والرقة والطبقة ودير الزور، وأنشأت فيها مجموعات ووحدات خاصة لتنفيذ عمليات سرية.

هذه الإجراءات، إلى جانب النشاط العسكري، تهدف إلى ترسيخ النفوذ التركي في المنطقة بوسائل غير مباشرة، وما الهجمات ومحاولات إثارة الفوضى التي شهدتها في الآونة الأخيرة مناطق ريف القامشلي والحسكة الا إحدى إشارات أن جهاز الاستخبارات التركي (MIT) بدأ تطبيق استراتيجية جديدة تعتمد على تشكيل مجموعات تحمل طابعاً عشائرياً، فهناك مجموعات مرتبطة بالاستخبارات التركية وعناصر من تنظيم داعش تنشط في منطقة تل حميس تحت اسم "فرسان العشائر"، بعض أفراد هذه المجموعات يتحركون بزي قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة في دمشق، وأن إحدى هذه المجموعات تتألف من عشرة عناصر، إلى جانب تشكيل خلايا أخرى تضم عناصر من فصائل الجيش الوطني السوري وتنظيم داعش.

والهدف من هذه الخلايا هو إثارة الفوضى داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تنفيذ هجمات ضد مقرات ومراكز الأمن، تأجيج التوتر والصدام بين العرب والكرد، هذه المجموعات تُنظم بالتنسيق بين جهاز الاستخبارات التركي ومسؤولين مقربين منه داخل هيئة تحرير الشام، حيث تُقدم بعض الفصائل على أنها "جيش عشائري"، بينما يجري في الوقت نفسه تجنيد شبان من العشائر، وإرسال عناصر سابقين من تنظيم داعش إلى المنطقة بلباس مدني.

كما أن جهاز الاستخبارات التركي أنشأ ما يسمى "لواء تحرير الجزيرة" تحت غطاء إحدى العشائر، ويضم في صفوفه قياديين سابقين في تنظيم داعش وما الخطة والهجمات التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، ثم لاحقاً مناطق دير الزور والطبقة والرقة، الا ترجمة لهذا السياق.

وتركيا تعمل أيضاً على ربط شبكاتها الاستخباراتية والأمنية الممتدة على طول الحدود مباشرة بأنقرة، فحلب على سبيل المثال، أصبحت شبكات الاتصالات والبريد مرتبطة بالبنية التحتية التركية، ويتم الإشراف عليها من خلال السفارة التركية في دمشق، التي يتولى إدارتها مسؤول سابق في جهاز الاستخبارات التركية.

الهدف من ذلك هو تصوير الوجود السياسي والعسكري الكردي تحت عنوان "مكافحة الإرهاب" بوصفه تهديداً أمنياً، وبالتالي تجريمه سياسياً.

أما على الصعيد الاقتصادي، تركيا عززت نفوذها في شمال سوريا من خلال: اعتماد الليرة التركية في التعاملات، ربط طرق التجارة بالاقتصاد التركي، تنفيذ مشاريع في مجالي الطاقة والزراعة.

إذ إنه في مدينة حلب أُبرمت عقود لمدة 15 عاماً مع شركات تركية مرتبطة بحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية لإدارة عدد من المنشآت الصناعية، كما أن عدداً من الأشخاص الذين يحملون الجنسيتين السورية والتركية تم تعيينهم في مؤسسات الدولة والبرلمان في دمشق، ويقدر عددهم بأكثر من مائة شخص حتى الآن.

كيف يؤثر اتساع النفوذ التركي على سيادة سوريا ومستقبلها السياسي؟

إن اتساع النفوذ التركي ينعكس سلباً على السيادة السورية على مستويين رئيسيين هما "إضعاف السيادة الفعلية للدولة السورية، والتأثير في مستقبل النظام السياسي وبنية الدولة".

المستوى الأول: تآكل السيادة

المؤسسات العسكرية والإدارية والاقتصادية التي أُنشئت في شمال وشمال غرب سوريا، والمرتبطة مباشرة بأنقرة، تُقدم رسمياً على أنها تهدف إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، إلا أنها عملياً تخلق منظومة حكم متعددة المراكز تخضع بدرجات مختلفة للنفوذ التركي، هذا الواقع يؤدي إلى تراجع سلطة الدولة السورية الفعلية على تلك المناطق.

المستوى الثاني: رسم مستقبل الدولة

إن دمج المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للحكومة الجديدة في دمشق ضمن منظومة تعتمد بصورة كبيرة على التعاون مع تركيا، سيجعل مستقبل سوريا السياسي يتشكل وفق الأولويات الأمنية لأنقرة أكثر مما يتشكل وفق أولويات السوريين أنفسهم.

وبرأيي، فإن ذلك قد يقود إلى: "تقليص أو إنهاء أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي عبر ترتيبات دستورية جديدة، إعادة بناء الاقتصاد السوري بصورة تزيد من ارتباطه بتركيا، تكريس دور أنقرة كونها "البوابة" الرئيسة المؤثرة في التوازنات الإقليمية المتعلقة بسوريا".

النتيجة النهائية لهذه السياسات ستكون الإبقاء على سوريا رسمياً كدولة موحدة، لكنها عملياً ستتحول إلى منطقة نفوذ تتمحور حول تركيا، وملامح ذلك بدأت تظهر في تشكيل الحكومة والبرلمان في دمشق، حيث تشكلا وفق توازنات ومصالح قوى خارجية، أكثر من اعتمادهما على عملية ديمقراطية داخلية.

إن الصراع على السلطة في سوريا لم يعد شأناً داخلياً فقط، بل أصبح صراعاً إقليمياً ودولياً ما يزال مستمراً.

هل نحن أمام تنافس أم تفاهم بين تركيا والقوى الدولية والإقليمية المؤثرة في الملف السوري؟

إن المشهد السوري يُظهر أن تركيا تجمع بين التنافس والتفاهم التكتيكي مع القوى المختلفة، إذ تختلف طبيعة العلاقة بحسب كل طرف وبحسب الملف المطروح.

أولاً: العلاقة مع الولايات المتحدة

إن العلاقة مع واشنطن تتسم بالتنافس فيما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والملف الكردي، حيث تختلف أولويات الجانبين.

في المقابل، يستمر التنسيق بينهما في ملفات أخرى، مثل مكافحة تنظيم داعش، وإدارة المجال الجوي، وبعض جوانب التنسيق العملياتي المحدود.

فخلال الأشهر الأخيرة سلمت تركيا 12 عنصراً من تنظيم داعش إلى العراق، ويقول إن معظمهم لم يعودوا يشكلون أهمية بالنسبة لها.

ثانياً: العلاقة مع روسيا

إن العلاقة مع موسكو، منذ مسار أستانا، قامت على التفاهم في ملفات مثل: "إدلب، إدارة المجال الجوي، وبعض القواعد الموجودة على الساحل السوري"، والطرفان يتنافسان على المدى البعيد حول من ستكون له الكلمة الأقوى في مشاريع الطاقة والبنية العسكرية داخل سوريا.

ثالثاً: العلاقة مع إيران

تركيا وإيران تتعاونان في بعض الملفات المرتبطة بطرق الإمداد اللوجستي والسلاح المتجه إلى حزب الله اللبناني، إلا أنه في المقابل يوجد تنافس بينهما على النفوذ الإقليمي، إذ تسعى تركيا إلى بناء محور سني يحد من نفوذ المحور الإيراني وشبكات الميليشيات المرتبطة به.

العلاقة مع إسرائيل

وفيما يتعلق بإسرائيل، العلاقة بين الجانبين تقوم على التنافس المستمر، فتركيا تسعى إلى قيام دولة سورية قوية نسبياً، لكنها تبقى ضمن دائرة نفوذها، في حين أن إسرائيل تفضل بقاء الدولة السورية محدودة القدرات، بما يمنع تحولها إلى قوة إقليمية مؤثرة.

(أم)

ANHA