زيارة ماكرون إلى دمشق... تباين في الرسائل والقراءات

انقسمت القراءات الإعلامية والسياسية السورية والفرنسية للزيارة بين من عدّها بداية انفتاح أوروبي على دمشق، ومن رأى أنها تكتسب أهمية رمزية ودبلوماسية أكثر من كونها تحولاً فعلياً في مسار الملف السوري.

زيارة ماكرون إلى دمشق... تباين في الرسائل والقراءات
الثلاثاء 7 تموز, 2026   10:25
مركز الأخبار

تصدرت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، أمس الاثنين، المشهد السياسي والإعلامي في سوريا، بوصفها أول زيارة لرئيس دولة غربية إلى سوريا بعد سقوط النظام البعثي، وحملت في طياتها رسائل سياسية ورمزية تجاوزت اللقاءات الرسمية مع رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، لتفتح باباً واسعاً من القراءات حول دلالاتها وما يمكن أن تفضي إليه في المرحلة المقبلة، دون أن تلقى أصداء في الصحافة العربية الإقليمية والأجنبية.

واستُقبل ماكرون في دمشق من قبل الشرع، ومن المتوقع أن يعقدا اليوم مباحثات تتناول العلاقات الثنائية، وإعادة الإعمار، والتعاون الاقتصادي، إلى جانب ملفات الأمن الإقليمي ومستقبل العلاقات السورية–الأوروبية، وفق ما نقله موقع الرئاسة الفرنسية.

كما رافق الرئيس الفرنسي وفد ضم مسؤولين وممثلين عن شركات فرنسية، في خطوة اعتبرتها أوساط سياسية مؤشراً إلى اهتمام باريس بالانخراط في مرحلة إعادة الإعمار إذا ما توفرت الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة.

ووجه ماكرون رسائل رمزية من خلال زيارته الجامع الأموي برفقة الشرع، حيث دوّن في سجل الزوار كلمات أكد فيها أن سوريا "تنهض من جديد بفضل شعبها ووحدته وتطلعه إلى المستقبل"، مضيفاً أن "فرنسا ستكون إلى جانبها".

كما نشر عبر حسابه الرسمي على منصة X رسالة قال فيها: "أتيت لأؤكد التزام فرنسا بالوقوف إلى جانب الشعب السوري من أجل سوريا ذات سيادة، موحدة بتعدديتها، وتنعم بالسلام مع جيرانها... فلنفتح معاً صفحة جديدة من الاستقرار والسلام".

وحظيت هذه الرسائل باهتمام واسع في وسائل الإعلام الحكومية والمحلية، وكذلك لدى الساسة والنشطاء في سوريا، حيث انقسمت القراءات بشأنها بين من اعتبر الزيارة بداية مرحلة جديدة في العلاقات السورية–الأوروبية، ومن رأى أنها تحمل بُعداً رمزياً أكثر من كونها تمثل تحولاً سياسياً حاسماً.

الإعلام الحكومي: انفتاح أوروبي وعودة دمشق إلى المشهد

وركزت وسائل الإعلام الحكومية السورية على أن الزيارة تمثل "تحولاً في مسار العلاقات بين دمشق والعواصم الأوروبية"، ووصفتها بأنها "مؤشر على تزايد الاعتراف بالسلطات السورية الجديدة". كما أولت اهتماماً خاصاً لمرافقة وفد اقتصادي للرئيس الفرنسي، ورأت أن ذلك دليلاً على اهتمام باريس بفرص الاستثمار والمشاركة في جهود إعادة الإعمار.

كما أبرزت التغطية الرسمية حديث ماكرون عن "سوريا الموحدة" و"فتح صفحة جديدة"، واصفةً تلك الرسائل بأنها تعكس دعماً لاستقرار البلاد واستعادة دورها الإقليمي والدولي.

الإعلام العربي: اختبار لسياسة أوروبية جديدة

في المقابل، رأت وسائل إعلام عربية أن الزيارة تتجاوز بعدها البروتوكولي، ووصفتها بأنها اختبار حقيقي لسياسة أوروبية جديدة تجاه دمشق.

وركزت تقارير إعلامية على أن فرنسا تسعى إلى استعادة حضورها السياسي والاقتصادي في سوريا، وعدم ترك الساحة للقوى الأكثر نفوذ، في ظل التنافس الدولي والإقليمي على ملفات إعادة الإعمار والطاقة والاستثمار، معتبرة أن باريس تحاول تثبيت موطئ قدم في مرحلة إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط.

انقسام في قراءات الساسة والمحللين

وفي موازاة التغطية الإعلامية، أثارت الزيارة تفاعلاً واسعاً بين سياسيين ومحللين سوريين، الذين انقسمت قراءاتهم بين من رأى فيها تحولاً دبلوماسياً مهماً، ومن عدّها خطوة ذات طابع رمزي أكثر من كونها مؤثرة في موازين القوى.

ورأى السياسي السوري وليد البني أن الزيارة، إلى جانب سلسلة الاتصالات الدولية التي شهدتها دمشق خلال الأشهر الماضية "لا تعكس بالضرورة تحولاً في الواقع الداخلي"، مشيراً إلى أن الدعم الغربي ما يزال "سياسياً أكثر منه عملياً". وقال إن السلطات السورية "تحظى بإسناد سياسي يمنع انهيارها، لكن من دون خطوات اقتصادية حقيقية"، مضيفاً أن غياب مؤتمر دولي للمانحين لإطلاق إعادة الإعمار يدل، من وجهة نظره، على أن المجتمع الدولي لم ينتقل بعد إلى مرحلة الدعم الاقتصادي الفعلي، رغم الانفتاح الدبلوماسي المتزايد.

أما المحلل السياسي محمد هويدي، فرأى أن زيارة ماكرون تحمل "بُعداً رمزياً أكثر من تأثير سياسي فعلي"، وأن فرنسا، رغم علاقاتها التاريخية مع عدد من المكونات السورية وصلاتها بقوات سوريا الديمقراطية، لا تملك القدرة على إحداث تحول جوهري في المشهد السوري.

وأضاف أن الكلمة الأكثر تأثيراً ما تزال للولايات المتحدة وتركيا، بوصفهما الطرفين الأكثر حضوراً ونفوذاً على الأرض، فيما يظل الدور الفرنسي محصوراً في الرسائل السياسية والدبلوماسية وربما بعض الملفات الاقتصادية.

رسائل ماكرون... بين الرمزية والسياسة

وركزت معظم التحليلات الإعلامية على الرسائل التي حملها ماكرون في خطاباته وتحركاته داخل دمشق، وذكرت أن اختياره زيارة الجامع الأموي، وحديثه عن "سوريا الموحدة بتعدديتها"، والدعوة إلى "فتح صفحة جديدة من الاستقرار والسلام"، ليست مجرد عبارات بروتوكولية، بل تعكس رؤية فرنسية تقوم على دعم وحدة سوريا، وتشجيع الانفتاح السياسي، وتهيئة الظروف لعودة تدريجية للعلاقات مع أوروبا.

وفي المقابل، رأت أصوات معارضة أن تلك الرسائل، رغم أهميتها الدبلوماسية، لن تكون كافية لإحداث تغيير ملموس ما لم تترافق مع خطوات عملية، تشمل إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وتحسين الوضع الاقتصادي، ودفع مسار الإصلاح السياسي، ومعالجة الملفات الحقوقية والأمنية.

واتفقت القراءات على أن نجاح الزيارة لن يُقاس برمزيتها أو بحجم الاستقبال الذي حظي به الرئيس الفرنسي، وإنما بما ستسفر عنه من نتائج عملية خلال الأشهر المقبلة، سواء على صعيد التعاون الاقتصادي، أو الاستثمارات الفرنسية، أو إعادة الإعمار، أو مستوى الانفتاح الأوروبي على دمشق.

خلاصة تغطيات وسائل الإعلام الفرنسية

وخلصت تغطيات وسائل الإعلام الفرنسية، رغم اختلاف توجهاتها، إلى أن زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون تمثل تحولاً مهماً في المقاربة الفرنسية تجاه سوريا، لكنها لا تعني تطبيعاً غير مشروط.

وركزت وسائل الإعلام العامة، مثل France 24 وRadio France Internationale (RFI)، على الرسائل الدبلوماسية وأهداف السياسة الخارجية الفرنسية، بينما تناولت صحف Le Monde وLe Figaro وLibération الزيارة من زاوية فرص نجاح الانفتاح الفرنسي، ومدى قدرة باريس على ترجمة تحركها الدبلوماسي إلى نتائج سياسية واقتصادية، مع التأكيد أن مستقبل العلاقة سيظل مرهوناً بالإصلاحات الداخلية في سوريا والتوازنات الإقليمية والدولية.

(أم)

ANHA