باحث سوري: الدستور أهم أداة لتحقيق الاستقرار وضمان متبادل بين السوريين

يرى الباحث في مركز الفرات للدراسات لزكين إبراهيم أن إبقاء ملف الدستور في مقدمة الملفات السياسية ليس ترفاً قانونياً، بل مدخل أساسي لمنع إعادة إنتاج الأزمة السورية بصيغة جديدة.

باحث سوري: الدستور أهم أداة لتحقيق الاستقرار وضمان متبادل بين السوريين
الأربعاء 4 تشرين الثاني, 2026   02:45
الحسكة
بوطان حسين

أوضح الباحث في مركز الفرات للدراسات لزكين إبراهيم في لقاء مع وكالتنا، أن العديد من الملفات المطروحة اليوم، سواء العسكرية أو الأمنية أو الإدارية، هي في جوهرها ملفات دستورية، وتشمل شكل الدولة، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات المحلية والسلطة المركزية، وحقوق الكرد وبقية المكونات، ومكانة اللغات والثقافات، وحق العودة، وحماية الملكية، وشكل المؤسسة العسكرية وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية.

وأشار إلى أن سوريا دخلت مرحلة إعادة تركيب الدولة بوتيرة أسرع من إعادة بناء العقد الوطني الذي يفترض أن يحكم هذه الدولة، لافتاً إلى وجود اتفاقات للاندماج وإعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية وترتيبات لعودة المهجرين، لكنها ستبقى مرتبطة بموازين القوى ما لم تتحول إلى قواعد دستورية ثابتة.

أحداث الحسكة وتل أبيض كمؤشر على الهشاشة

واستشهد الباحث بأحداث الحسكة في تشرين الأول، حيث شهدت المدينة احتجاجات بذريعة تعزيز حضور الدولة ترافقت مع خطابات إقصائية واستهداف لرموز كردية، أعقبها احتقان واحتجاجات مضادة، بالإضافة إلى ما جرى في كري سبي في 26 تشرين الأول عندما تعرضت عائلات كردية جاءت لاستعادة منازلها لاعتداءات وحرق مركباتها، وامتداد تداعياتها إلى الحسكة، وقبلها تعرض قوافل العودة في سري كانيه للتهديد.

وذكر أن هذه الحوادث ليست أمنية منفصلة، بل مؤشر على هشاشة قواعد التعايش عندما تبقى مسائل الهوية والملكية والعودة والحقوق القومية دون تسوية دستورية نهائية، مؤكداً أن حق العودة يجب أن يصبح حقاً دستورياً تحميه الدولة والقضاء، ويحظر تعطيله على أساس قومي أو سياسي أو أمني.

الدستور كوثيقة سلام داخلي

وشدد إبراهيم على ضرورة النظر إلى الدستور في سوريا كوثيقة سلام داخلي قبل أن يكون وثيقة لتنظيم السلطات، إذ لا يمكن لأي تسوية أمنية أن تصمد دون اتفاق السوريين على هويتهم وحقوقهم وآلية تقاسم السلطة والثروة وحماية خصوصياتهم.

ورأى أن المبدأ الأول للدستور الديمقراطي يجب أن يقوم على الانتقال من مفهوم الدولة التي تصهر المجتمع في هوية واحدة إلى دولة توحد مجتمعاً متنوعاً وتحمي تنوعه، بحيث لا تقوم وحدة سوريا على إنكار الاختلاف، بل على شعور جميع المكونات بأن الدولة تحميهم بالتساوي.

مبادئ دستورية مقترحة

وحدد الباحث جملة مبادئ يجب أن يقوم عليها الدستور، أبرزها المواطنة المتساوية دون تمييز على أساس القومية أو اللغة أو الدين أو الجنس أو المنطقة الجغرافية، والفصل بين السلطات وفرض قيود دستورية على السلطة التنفيذية، وتكريس اللامركزية الديمقراطية الموسعة، والاعتراف الدستوري بالتعددية اللغوية والثقافية، واستقلال القضاء وحرية التنظيم السياسي والإعلامي، وضمان حقوق المرأة والعدالة الانتقالية وحق العودة واسترداد الممتلكات ومنع التغيير الديموغرافي القسري وتجريم التحريض القومي والطائفي وإخضاع الجيش والأمن للقانون.

الضمان المتبادل أساس الاستقرار

وأكد أن الدستور يصبح أداة الاستقرار الأهم عندما يتحول إلى ضمان متبادل بين السوريين، فالمجتمعات الخارجة من صراعات طويلة لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى الاطمئنان بأن حقوقها لن تتغير بتغير الحاكم أو ميزان القوة.

وأوضح أن الكردي يريد ضمان أن الاعتراف بلغته وهويته وحقه في أرضه لن يعتمد على مرسوم قابل للتعديل، والعربي يريد ضمان وحدة مؤسسات الدولة وأمنها، وعندما يقدم الدستور ضمانات لجميع المكونات تتحول الدولة من مصدر خوف إلى مظلة مشتركة.

وأضاف أن الاستقرار لا ينتج عن النص وحده، بل عن تكامل النص مع القضاء ومؤسسات التنفيذ والمساءلة، فحين يستطيع المواطن اللجوء لقضاء مستقل لاسترداد منزله، تتراجع دوافع العنف، أما إذا شعر كل مكون أنه بحاجة لقوة مسلحة لحماية حقوقه فلن تنتقل سوريا من مرحلة الحرب إلى الدولة.

أسباب تأخر صياغة الدستور

وحول أسباب التأخر في صياغة دستور جديد، أرجع إبراهيم ذلك إلى ثلاثة عوامل، أولها سياسي يتمثل بعدم حسم القوى تصوراتها لشكل الدولة وحدود المركزية واللامركزية وهوية الدولة ودور الدين وموقع المكونات وطبيعة النظام السياسي.

والعامل الثاني مرتبط بموازين القوى، حيث تميل السلطة المسيطرة في المراحل الانتقالية لتأجيل التسويات التي قد تقيد صلاحياتها، بينما تطالب المكونات غير المهيمنة بدسترة حقوقها قبل الاندماج، وهو ما يتقاطع مع مفاوضات روج آفا مع دمشق وملفات السويداء وبقية المناطق.

أما العامل الثالث فيتمثل في اعتماد مقاربة تضع الأمن وإعادة توحيد المؤسسات في المقدمة وتؤجل القضايا السياسية البنيوية، إضافة إلى أزمة ثقة اجتماعية كبيرة.

ولفت إلى أنه رغم قيام مجلس الشعب الانتقالي واضطلاعه بمهام تشريعية وصولاً إلى دستور دائم، فإن مسار إعداد الدستور لم يتحول بعد إلى حوار وطني واسع وشفاف يتناسب مع حجم التحول الذي تمر به البلاد.

خطر الانزلاق إلى مواجهة هوياتية

وختم لزكين إبراهيم بالتحذير من أن ما شهدته الحسكة يكشف خطورة ترك التناقضات دون إطار دستوري، حيث يمكن لمطالب مشروعة مرتبطة بحضور الدولة والخدمات أن تنزلق مع التعبئة القومية وخطابات الكراهية إلى مواجهة هوياتية، معتبراً أن توصيف ما يحدث كصراع بين العرب والكرد بحد ذاته خطير، لأن المشكلة تكمن في قدرة جماعات سياسية ومحرضين على استثمار غياب التسوية السياسية لتعبئة الناس قومياً.

(م)

ANHA