التنافس التركي الإسرائيلي يضع سوريا أمام مخاطر صراع إقليمي متصاعد

تتنافس تركيا وإسرائيل على رسم مستقبل سوريا وترتيبات المنطقة بعد سقوط نظام البعث، وسط مخاوف من أن تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي، وفق ما يراه نائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية، حيث حذر من أن استمرار الاحتكاك بين الطرفين سيجعل دمشق المتضرر الأكبر ويعرقل استعادة الاستقرار وإعادة الإعمار.

التنافس التركي الإسرائيلي يضع سوريا أمام مخاطر صراع إقليمي متصاعد
الخميس 27 آب, 2026   03:25
مركز الأخبار
كيفارا شيخ نور

تتحول سوريا، في مرحلة ما بعد سقوط نظام البعث، إلى ساحة رئيسة لإعادة توزع النفوذ الإقليمي، في ظل تنافس متصاعد بين تركيا وإسرائيل حول شكل الدولة السورية ومستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة.

ويطرح هذا التنافس أسئلة تتجاوز حدود الخلاف على مستقبل سوريا، لماذا تسعى أنقرة إلى توسيع نفوذها داخل البلاد؟ وما الذي تريده إسرائيل من وجودها العسكري والسياسي؟ وهل نحن أمام خلاف على سوريا، أم أمام مواجهة أوسع على قيادة الترتيبات الإقليمية الجديدة؟ والأهم، من سيدفع ثمن هذا الصراع في النهاية؟

يقول نائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية، هاني الجمل، إن "تركيا تريد سورية دولة قابلة للضبط والتأثير، في حين أن إسرائيل تريد سوريا لا تستطيع تهديدها، كما أنها لا تسمح لخصومها بإعادة التموضع على الأراضي السورية".

ويرى الجمل أن سوريا لم تعد مجرد ساحة حرب داخلية، بل أصبحت "ساحة إعادة توزيع النفوذ إقليمياً" بين قوتين لا تريدان حرباً شاملة، لكنهما تتجهان نحو احتكاك متكرر وخطير.

ويعزو ذلك إلى أن "انهيار السلطة بعد الأسد خلق فراغاً استراتيجياً في سوريا"، الأمر الذي دفع كل طرف إلى محاولة ملء هذا الفراغ بطريقة تؤثر في الأمن الإقليمي لسنوات مقبلة.

وبحسب الجمل، تحاول تركيا توسيع حضورها السياسي والأمني من خلال دعم السلطة القائمة في سوريا، بالتوازي مع السعي إلى تحجيم الوجود العسكري الإسرائيلي. ويضيف أن سوريا تمثل بالنسبة إلى أنقرة ملفاً بالغ الأهمية، بوصفها قوة إقليمية وموقعاً رئيساً في المنطقة العربية، فضلاً عن ارتباط المصالح التركية بملفات اللاجئين والميليشيات المسلحة والوجود العسكري.

ويقول إن "وجهة النظر التركية هي أنها تريد دولة سورية مركزية مستقرة تستطيع أن تتعاطى معها"، مع محاولة الاحتفاظ بأوراق تتيح توسيع النفوذ التركي داخل سوريا، ولا سيما في المناطق الشمالية، والحفاظ على المصالح الاقتصادية، وصولاً إلى محاولة إنهاء ملف الكرد.

في المقابل، يرى الجمل أن إسرائيل تسعى إلى منع تحول سوريا إلى مصدر تهديد لأمنها، خصوصاً بعد الجهود الإسرائيلية والأميركية لتقليص الوجود الإيراني في المنطقة.

ويضيف أن إسرائيل تحاول "تقليص وتحجيم النفوذ التركي المتنامي في الوقت الراهن في سوريا"، عبر إعادة تموضعها العسكري والسياسي، سواء من خلال بعض الفصائل السورية التي تسمح لها بذلك، أو عبر إضعاف القدرات العسكرية السورية، فضلاً عن السعي إلى تثبيت وجود إسرائيلي داخل الأراضي السورية و "أن يكون هناك دائماً مجال جوي مستباح بالنسبة لسوريا من جانب إسرائيل".

لا يعتقد الجمل أن التنافس التركي الإسرائيلي يقتصر على الخلاف حول مستقبل سوريا، بل يراه جزءاً من مواجهة أوسع على شكل النظام الإقليمي الجديد.

ويقول: "أعتقد أننا أمام المعضلتين. هل هو خلاف على مستقبل سوريا أم مواجهة مباشرة بين الطرفين؟ أعتقد أنه خلاف على مستقبل سوريا بوصفها هي الساحة المباشرة للصدام ما بين إسرائيل وتركيا".

ويضيف أن سوريا تمثل "عمقاً مهماً جداً استراتيجياً بالنسبة لمواجهة ما بين الطرفين"، كما أنها "أحد دعائم قواعد الترتيب الإقليمي الجديد في المشرق".

وبحسب الجمل، فإن التنافس انتقل "من تنافس ظرفي حول سوريا إلى تنافس استراتيجي ما بين إسرائيل وما بين تركيا"، إذ تسعى أنقرة إلى دعم القيادة القائمة، مع محاولة بناء نفوذ على المستويات الأمنية والاستراتيجية والعسكرية.

ولا تقتصر المنافسة، وفق الجمل، على الساحة السورية، إذ يرى أن "سوريا هي فقط المكان أو المساحة الجيوسياسية التي فيها صدام ما بين أنقرة وتل أبيب"، بينما يمتد التنافس إلى "موقع القيادة في الترتيبات ما بعد التحولات الكبرى في المنطقة"، خصوصاً مع تراجع أدوار قوى تقليدية مثل إيران.

ويشير إلى أن "الطرفين لا يتصرفان كخصمين عابرين"، بل إن كلاً منهما يتعامل مع الآخر على أنه قوة كبيرة تسعى إلى التأثير في سلوك الطرف الآخر، موضحاً أن "كل واحد فيهما يحاول أن يهندس النظام الإقليمي السابق".

ويرى الجمل أن سوريا تمثل "المصلح الكبير الذي سوف يتم على أساسه ترتيب الإقليم الجديد"، وأن التنافس التركي الإسرائيلي "أحد أبرز وجوه هذه التحولات بشكل كبير".

لكن التداعيات لا تتوقف عند حدود النفوذ الإقليمي، إذ يرى الجمل أن سوريا ستكون الطرف الأكثر تضرراً من استمرار هذا التنافس.

ويقول: "للأسف سوريا هي التي سوف تدفع الثمن الأكبر في هذه المواجهة، حتى لو كانت تركيا وإسرائيل ككتلتين يتحملان الكلفة الاستراتيجية والسياسية على المدى الأطول".

ويحذر من أن التنافس بين الطرفين يزيد المخاطر داخل سوريا ويحولها إلى "مسرح احتكاك دائم وأكثر سخونة"، سواء بين تركيا وإسرائيل مباشرة، أو عبر أطراف أخرى، بينها الجماعات الراديكالية التي يمكن أن تدخل على خط الصراع.

كما يشير إلى تدخلات وتأثيرات إقليمية أخرى، قائلاً إن "بعض الدول الإقليمية مثل دول الخليج تارة، والوجود المصري تارة أخرى، وبقايا الرغبات الإيرانية"، إلى جانب التأثيرات المرتبطة بالحدود مع لبنان، كلها عوامل تزيد تعقيد المشهد السوري.

ويؤكد أن تبادل التحذيرات والرسائل بين أنقرة وتل أبيب يشير إلى احتمال استمرار سوريا مجالاً للضربات الجوية وتعطيل البنية العسكرية، وهو ما يعني، بحسب رأيه، "إبطاء لإعادة الإعمار وتأكلاً لسيادة الدولة الجديدة".

ويرى الجمل أن الكلفة التي قد تتحملها تركيا وإسرائيل ستكون أقل من تلك التي ستقع على سوريا، موضحاً أن تركيا قد تواجه تأجيلاً لبعض مشروعاتها واستنزافاً عسكرياً وسياسياً، بينما يمكن لإسرائيل أن تستخدم بعض القبائل أو الفصائل المناهضة للوجود التركي.

ويضيف أن لهذا الأمر انعكاسات محتملة حتى على الداخل التركي، من خلال التأثير في شكل الانتخابات المقبلة ومحاولة خلق أوراق ضغط داخلية.

في المقابل، يرى أن إسرائيل قد تواجه أيضاً كلفة جراء هذا التنافس، من بينها احتمال الدخول في صدام مع ترتيبات إقليمية جديدة، مشيراً إلى "اتفاق مكة ما بين تركيا والسعودية وبين باكستان"، وما يمكن أن يوفره من حماية سياسية وأمنية لبعض الأطراف.

وفي مواجهة المساعي الإسرائيلية لإضعاف تركيا بعد تقليص النفوذ الإيراني، يقول الجمل إن أنقرة قد تتحرك بخطوات استباقية، سواء من خلال محاولة التأثير في الداخل الإسرائيلي، أو استخدام ملف غزة وإعادة الإعمار لتثبيت وجود تركي قريب من المصالح الإسرائيلية، إضافة إلى دعم النظام السوري القائم عبر التدريب وإتاحة المجال أمام الشركات التركية للمشاركة في إعادة الإعمار.

ويشير كذلك إلى سعي تركيا إلى تعزيز علاقتها بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بما في ذلك ملف شراء مقاتلات "إف-35"، معتبراً أن ذلك قد يدفع العلاقة التركية الإسرائيلية إلى مستوى "الند للند".

ورغم ذلك، يستبعد الجمل اندلاع مواجهة مباشرة واسعة بين الطرفين في المدى القريب، قائلاً: "أعتقد أن المواجهات المباشرة على الأقل في الوقت القريب هي قليلة بعض الشيء، ولكن سوف تكون هذه العلاقة احتكاكاً مباشراً ساخناً مستمراً".

ويرى نائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية، هاني الجمل بأن استمرار هذا التنافس سيؤثر سلباً على سوريا، التي تبدو في ظل ضعف مؤسسات الدولة وغياب مركزية القرار أمام خطر التحول من دولة تحاول استعادة استقرارها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

(أم)

ANHA