تجدد الدعوات للعدالة الانتقالية في سوريا.. كيف يُنظر للأسباب وما التداعيات؟

تتقاطع في سوريا ذاكرة الضحايا مع حسابات الدول، وتختلط مطالب المحاسبة بصراعات النفوذ، فيما يبقى الخوف الأكبر أن يتحول غياب العدالة إلى الشرارة التي تعيد البلاد، مرة أخرى، إلى المربع الأول.

تجدد الدعوات للعدالة الانتقالية في سوريا.. كيف يُنظر للأسباب وما التداعيات؟
الثلاثاء 23 حزيران, 2026   03:17
مركز الأخبار

بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على انطلاق الثورة السورية، وأكثر من عام ونصف على سقوط النظام البعثي، تعود سوريا مجدداً إلى مشهد مألوف ومقلق في آن واحد، بين "اضطرابات أمنية متفرقة، دعوات شعبية لمحاسبة الشبيحة وموالي النظام السابق، وتصاعد في خطاب الكراهية والتحريض"، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق البلاد نحو دورة جديدة من العنف الأهلي.

خلال الأيام الماضية، شهدت عدة محافظات سورية، بينها إدلب وحلب وحماة، والساحل السوري، ودير الزور، تحركات شعبية متزامنة رفعت شعارات تطالب بمحاسبة المتورطين في جرائم النظام البعثي، قبل أن تمتد أصداؤها إلى مناطق أخرى.

وبالنسبة لكثير من السوريين، فإن عودة هذا الملف ليست مفاجئة؛ إذ إن العدالة الانتقالية التي كانت إحدى أبرز وعود المرحلة الجديدة بقيت شبه غائبة، ولم تتجاوز حدود بعض المحاكمات المحدودة التي عدَّها منتقدون "شكلية" وغير قادرة على إغلاق جراح سنوات الحرب.

لكن القراءة الحقوقية ليست الوحيدة لما يجري، ففي الإعلام السوري المعارض للحكومة الحالية، وعلى منصات سياسية متعددة، يجري تداول رواية أكثر تعقيداً تربط بين موجة التحركات الأخيرة وبين صراع نفوذ إقليمي ودولي يدور فوق جغرافية سوريا.

وفق هذه الرواية، فإن التحركات التي انطلقت بشكل متزامن من مناطق الشمال السوري الخاضعة لنفوذ تركي واسع لا يمكن فصلها عن رسائل ضغط موجهة إلى الحكومة في دمشق.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن أنقرة أرادت التذكير بأنها لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في الشارع السني داخل مناطق نفوذها، وأن قدرتها على تحريك المزاج الشعبي ما تزال قائمة إذا شعرت بأن حلفاءها يبتعدون عن الخطوط التي رسمتها لهم.

وتذهب هذه التحليلات إلى أبعد من ذلك، وترى أن الخلاف الحقيقي يدور حول موقف الحكومة المؤقتة من الانخراط في صراعات إقليمية، ولا سيما في لبنان. فبحسب ما يتداوله معارضون للحكومة، فإن إسرائيل تنظر إلى السلطة الجديدة بوصفها أداة يمكن استخدامها لتغيير موازين القوى على حدودها الشمالية عبر مواجهة محتملة مع حزب الله، بينما ترفض تركيا الانجرار إلى مغامرة عسكرية قد تضعها في مواجهة مباشرة مع تيارات الإسلام السياسي أو تفتح جبهة جديدة يصعب ضبطها.

وفي قلب هذه الروايات، يبرز اسم أحمد الشرع، بوصفه "الرجل العالق" بين ضغوط متناقضة. فمن جهة، تتحدث تحليلات عن ضغوط أمريكية وإسرائيلية تطالبه بإثبات قدرته على تنفيذ الأدوار الأمنية والإقليمية المطلوبة منه مقابل استمرار الدعم السياسي والعسكري، مستشهدين بتصريحات الرئيس الأمريكي الذي يصرح باستمرار أنه هو من وضع الشرع في سدة الحكم.

ومن جهة أخرى، تشير تقديرات أخرى إلى وجود اعتراض تركي واضح على أي خطوة قد تؤدي إلى توسيع دائرة الصراع خارج الحدود السورية.

وبين هذا وذاك، تتحدث بعض القراءات عن وجود تباينات داخل الصف الأول للحكم نفسه؛ بين تيار يفضل الانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة باعتبارها ضمانة لبقاء السلطة، وآخر يخشى أن تؤدي مثل هذه المغامرات إلى انفجار داخلي يصعب احتواؤه، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الأمني والاقتصادي.

كما يجري تداول معلومات عن تصاعد الضغوط الأوروبية، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية فرنسية يُطرح خلالها اسم شخصيات عسكرية وسياسية بديلة أو شريكة في إدارة المرحلة المقبلة، في إشارة إلى ما وصفوه "تراجع صبر المجتمع الدولي" تجاه تعثر إدارة المرحلة الانتقالية واستمرار الأزمات الداخلية.

لكن وعلى الرغم من كل هذه الروايات المتداولة، يرى مراقبون وساسة سوريون جواب السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا وجدت دعوات محاسبة موالي النظام كل هذا الصدى الشعبي الآن؟، يكمن في الفراغ الذي تركه غياب العدالة الانتقالية. فآلاف العائلات التي فقدت أبناءها في المعتقلات أو تحت التعذيب أو خلال المجازر لم تحصل على إجابات بشأن مصير أحبائها، ولم ترَ محاكمات واسعة وشفافة للمسؤولين عن الانتهاكات.

مشيرين إلى أنه مع مرور الوقت، بدأ الشعور لدى ذوي الضحايا بأن العدالة وُضعت على الرف لصالح الحسابات السياسية والإقليمية.

هذا التأخير فتح الباب أمام عودة مطلب قديم بصيغة جديدة: إذا لم تتحرك الدولة، فهل يحق للمجتمع أن يطالب بالمحاسبة بنفسه؟ وهنا تكمن الخطورة، وفق حقوقيين نشروا عن الأحداث القائمة والمطالب تلك، مؤكدين أن الفاصل بين العدالة والانتقام يصبح أكثر هشاشة، وقد تتحول المطالب المشروعة بمحاسبة المجرمين إلى عمليات ثأر جماعي أو تصفية حسابات سياسية وطائفية.

وبحسب تصريحات صادرة عن مؤسسات رسمية سورية معنية بملف العدالة الانتقالية والمفقودين، فإن عدد المفقودين في سوريا منذ عقود حكم النظام البعثي يُقدَّر بما بين 120 ألفاً و300 ألف شخص، مع الإشارة إلى أن الحصيلة النهائية لعدد الضحايا من قتلى ومصابين ومهجرين ما تزال غير مكتملة بسبب صعوبة التوثيق وحجم الانتهاكات الممتدة عبر سنوات طويلة.

(أم)

ANHA